باب
( باب ) باب بالسكون ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالعقد والتركيب ، اللهم إلا إذا قدر شيء فيكون حينئذ معربا ، نحو ما تقول هذا باب ؛ لأنه حينئذ يكون خبر مبتدأ . وقال بعضهم : باب بالتنوين هو غلط . والمناسبة بين البابين : من حيث إن في الباب الأول ذكر الوضوء من غير حدث ، وله فضل كبير إذا كان المتوضئ محترزا عن إصابة البول بدنه أو ثوبه ، وفي هذا الباب يذكر الوعيد في حق من لا يحترز منه .
( من الكبائر أن لا يستتر من بوله ) . كلمة أن مصدرية في محل الرفع على الابتداء . وقوله ( من الكبائر ) مقدما خبره ، والتقدير : ترك استتار الرجل من بوله من الكبائر ، وهو جمع كبيرة ، وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعا العظيم أمرها كالقتل ، والزنا ، والفرار من الزحف ، وغير ذلك ، وهي من الصفات الغالبة ، يعني صار اسما لهذه الفعلة القبيحة ، وفي الأصل هي صفة ، والتقدير الفعلة الكبيرة ، واختلفوا في الكبائر ، فقيل : سبع ، وهو ما رواه البخاري ، ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات ، فقيل : يا رسول الله وما هن ؟ قال : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات .
وقيل : الكبائر تسع . وروى الحاكم في حديث طويل : والكبائر تسع ، فذكر السبعة المذكورة ، وزاد عليها : عقوق الوالدين المسلمين ، واستحلال البيت الحرام . وقيل : الكبيرة كل معصية ، وقيل : كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب .
وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الكبائر سبع ، فقال : هي إلى سبعمائة . قلت : الكبيرة أمر نسبي ، فكل ذنب فوقه ذنب فهو بالنسبة إليه صغيرة ، وبالنسبة إلى ما تحته كبيرة . 79 - حدثنا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ .
ثُمَّ قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا ج٣ / ص١١٥لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" . ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا . أَوْ: إِلَى أَنْ يَيْبَسَا .
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : عثمان بن أبي شيبة الكوفي . الثاني : جرير بن عبد الحميد .
الثالث : منصور بن المعتمر ، الثلاثة تقدموا في باب من جعل لأهل العلم أياما . الرابع : مجاهد بن جبر ، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة ، الإمام في التفسير ، تقدم في أول كتاب الإيمان . الخامس : عبد الله بن عباس .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة . ومنها : أن رواته ما بين كوفي ، ورازي ، ومكي . ومنها : أن هذا الحديث رواه الأعمش ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسا ، لما يأتي عن قريب أن البخاري أخرجه هكذا ، وإخراج البخاري بهذين الوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده ، فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس ، عن ابن عباس ، وسمعه أيضا من ابن عباس بلا واسطة أو العكس ، ويؤيد ذلك أن في سياق مجاهد ، عن طاوس - زيادة على ما في روايته عن ابن عباس ، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معا .
وقال الترمذي : رواية الأعمش أصح . وقال الترمذي في ( العلل ) : سألت محمدا : أيهما أصح ؟ فقال : رواية الأعمش أصح . فإن قيل : إذا كان حديث الأعمش أصح ، فلم لم يخرجه ، وخرج الذي غير صحيح ؟ قيل له : كلاهما صحيح .
فحديث الأعمش أصح ، فالأصح يستلزم الصحيح على ما لا يخفى ، ويؤيده أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ، ولم يذكر طاوسا . بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه الأئمة الستة وغيرهم ، والبخاري أخرجه في مواضع : هنا عن عثمان ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن المثنى في موضعين ، وفي الجنائز عن يحيى بن يحيى ، وفي الأدب عن يحيى ، وعن محمد بن سلام ، وفي الجنائز أيضا عن قتيبة ، وفي الحج عن علي . وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي سعيد الأشج ، وأبي كريب ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن وكيع به ، وعن أحمد بن يوسف .
وأخرجه أبو داود فيه ، عن زهير بن حرب ، وهناد بن السري ، كلاهما عن وكيع به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة ، وهناد ، وأبي كريب ، ثلاثتهم عن وكيع به . وأخرجه النسائي فيه ، وفي التفسير عن هناد ، عن وكيع به ، وفي الجنائز عن هناد ، عن معاوية به .
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، ووكيع به . بيان لغاته : قوله ( بحائط ) أي بستان من النخل إذا كان عليه جدار ، ويجمع على حيطان ، وحوائط ، وأصله حاوط بالواو قلبت الواو ياء ؛ لأنه من الحوط ، وهو الحفظ والحراسة ، والبستان إذا عمل حواليه جدران يحفظ من الداخل ، ولا يسمى البستان حائطا إلا إذا كان عليه جدران . فإن قلت : أخرج البخاري هذا في الأدب ، ولفظه : خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة ، وهنا : مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط ، وبينهما تناف .
قلت : معناه أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مر به . وفي ( أفراد ) الدارقطني من حديث جابر : أن الحائط كانت لأم مبشر الأنصارية . قوله ( أو مكة ) الشك من جرير بن عبد الحميد .
وأخرجه البخاري في الأدب ( من حيطان المدينة ) بالجزم من غير شك ، ويؤيده رواية الدارقطني ؛ لأن حائط أم مبشر كان بالمدينة ، وإنما عرف المدينة ، ولم يعرف مكة ؛ لأن مكة علم فلا تحتاج إلى التعريف ، ومدينة اسم جنس فعرفت بالألف واللام ؛ ليكون معهودا عن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم . قوله ( يعذبان في قبورهما ) ، وفي رواية الأعمش ( مر بقبرين ) ، وزاد ابن ماجه في روايته : بقبرين جديدين ، فقال : إنهما يعذبان . فإن قلت : المعذب ما في القبرين ، فكيف أسند العذاب إلى القبرين ؟ قلت : هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال ، قال بعضهم : يحتمل أن يكون الضمير عائدا على غير مذكور ؛ لأن سياق الكلام يدل عليه .
قلت : هذا ليس بشيء ؛ لأن الذي يرجع إليه الضمير موجود ، وهو القبران ، ولو لم يكن موجودا لكان لكلامه وجه ، والوجه ما ذكرناه فافهم . قوله ( لا يستتر ) هكذا في أكثر الروايات بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الثانية ، من السترة ، ومعناه : لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسة البول ، وفي رواية ابن عساكر ( لا يستبرئ ) بالباء الموحدة ج٣ / ص١١٦الساكنة بعد التاء المثناة من فوق المفتوحة من الاستبراء ، وهو طلب البراءة ، وفي رواية مسلم ، وأبي داود في حديث الأعمش ( لا يستنزه ) بتاء مثناة من فوق مفتوحة ، ونون ساكنة ، وزاي مكسورة بعدها هاء ، من النزه ، وهو الإبعاد . وروي : لا يستنثر ، بتاء مثناة من فوق مفتوحة ، ونون ساكنة ، وثاء مثلثة مكسورة ، من الاستنثار ، وهو طلب النثر ، يعني نثر البول عن المحل .
وروي : لا ينتتر ، بتائين مثناتين من فوق بعد النون الساكنة ، من النتر ، وهو جذب فيه قوة وحفوة ، وفي الحديث : إذا بال أحدكم فلينتتر . قوله ( بالنميمة ) هي نقل كلام الناس . وقال النووي : هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار ، وهو من أقبح القبائح .
وقال الكرماني : هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء ؛ لأنهم يقولون : الكبيرة هي الموجبة للحد ، ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال : الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة ؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة ، أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي . وقال بعضهم : وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم ، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه ، حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين : أحدهما هذا ، والثاني : ما فيه وعيد شديد ، قال : وهم إلى الأول أميل ، والثاني أوفق ؛ لما ذكروه عند تفصيل الكبائر . قلت : لا وجه لتعقيبه على الكرماني ؛ لأنه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله : على قاعدة الفقهاء على أن الذنب المستمر عليه صاحبه وإن كان صغيرة فهو كبيرة في الحكم ، وفيه وعيد ؛ لقوله : لا صغيرة مع الإصرار .
قوله ( ثم دعا بجريدة ) ، وفي رواية الأعمش : بعسيب رطب ، وهو بفتح العين وكسر السين المهملة ، على وزن فعيل نحو كريم ، وهي الجريدة التي لم ينبت فيها خوص ، وإن نبت فهي السعفة ، وعلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق . قوله ( فوضع ) ، وفي رواية الأعمش ، وهي تأتي : فغرز ، فالغرز يستلزم الوضع بدون العكس . قوله ( فقيل له ) ، وفي رواية ( قالوا ) أي الصحابة ، ولم يعلم القائل من هو .
قوله ( ما لم ييبسا ) بفتح الباء الموحدة من يبس ييبس ، من باب علم يعلم ، وفيه لغة يبس ييبس بالكسر فيهما ، وهي شاذة ، وهكذا روي في كثير من الروايات ، وفي رواية الكشميهني : إلا أن ييبسا ، بحرف الاستثناء ، وفي رواية المستملي : إلى أن ييبسا ، بكلمة "إلى" التي للغاية ، ويجوز فيه التأنيث والتذكير ، أما التأنيث فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين ، وأما التذكير فباعتبار رجوعه إلى العودين ؛ لأن الكسرتين هما العودان ، والكسرتان بكسر الكاف تثنية كسرة ، وهي القطعة من الشيء المكسور ، وقد تبين من رواية الأعمش أنها كانت نصفا ، وفي رواية جرير عنه : باثنتين . وقال النووي : الباء زائدة للتأكيد ، وهو منصوب على الحال . بيان الإعراب : قوله ( يعذبان ) جملة وقعت حالا من إنسانين ، وكذا قوله ( في قبورهما ) أي حال كونهما يعذبان وهما في قبريهما ، وإنما قال : في قبورهما ، مع أن لهما قبرين ؛ لأن في مثل هذا استعمال التثنية قليل ، والجمع أجود ، كما في قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا والأصل فيه أن المضاف إلى المثنى إذا كان جزء ما أضيف إليه يجوز فيه التثنية والجمع ، ولكن الجمع أجود نحو أكلت رأسي شاتين ، وإن كان غير جزئه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو سل الزيدان سيفيهما ، وإن أمن من اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع ، كما في قوله ( في قبورهما ) ، وقد تجمع التثنية والجمع كما في قوله : ظهراهما مثل ظهور الترسين .
قوله ( لعله أن يخفف عنهما ) شبه لعل بعسى ، فأتى بأن في خبره . وقال المالكي : الرواية "أن يخفف عنها" على التوحيد والتأنيث ، وهو ضمير النفس ، فيجوز إعادة الضميرين في لعله وعنها إلى الميت باعتبار كونه إنسانا وكونه نفسا ، ويجوز أن يكون الضمير في لعله ضمير الشأن ، وفي عنها للنفس ، وجاز تفسير الشأن بأن وصلتها مع أنها في تقدير مصدر ؛ لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه ، ولذلك سدت مسد مفعولي حسب وعسى في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويجوز في قول الأخفش أن تكون أن زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء ، ومن كونهما جارتين ، ومن تفسير ضمير الشأن بأن وصلتها قول عمر رضي الله تعالى عنه : فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي . وقال الطيبي : لعل الظاهر أن يكون الضمير مبهما يفسره ما بعده ، كما في قوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وقال الزمخشري رحمه الله تعالى : هذا ضمير لا يعلم ما يُعنى به إلا ما يتلوه من بيانه ، وأصله أن لا حياة إلا الحياة الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ؛ لأن الخبر يدل عليها ويبينها ، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت ، والرواية بتثنية الضمير في "عنهما" لا يستدعي إلا هذا التأويل .
قوله ( ما لم ييبسا ) كلمة ما هنا مصدرية زمانية ، وأصله مدة دوامها إلى زمن اليبس . ج٣ / ص١١٧بيان المعاني : قوله ( أو بمكة ) شك من الرواي ، وقد ذكرناه عن قريب . قوله ( إنسانين ) أي بشرين ، قال الجوهري : الإنس البشر ، الواحد أنسي ، وأنسي بالتحريك ، والجمع أناسي ، وإن شئت جعلته إنسانا ، ثم جمعته أناسي ، فتكون الياء عوضا عن النون .
وقال قوم : أصل الإنسان إنسيان على إفعلان ، فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم ، وإذا صغروها ردوها . وقال ابن عباس : إنما سمي إنسانا ؛ لأنه عهد إليه فنسي ، ويقال : من الأنس خلاف الوحشة ، ويقال للمرأة : أيضا إنسان ، ولا يقال إنسانة ، والعامة تقوله . قوله ( يعذبان في قبورهما ) وقد ورد في حديث أبي بكرة من ( تاريخ البخاري ) بسند جيد : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين ، فقال : إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فيعذب في البول ، وأما الآخر فيعذب في الغيبة .
وفي حديث أبي هريرة من ( صحيح ابن حبان ) مر عليه الصلاة والسلام بقبر فوقف عليه ، وقال : ائتوني بجريدتين ، فجعل إحداهما عند رأسه ، والأخرى عند رجليه ، وقال : لعله يخفف عنه بعض عذاب القبر . وهو عند أبي موسى بلفظ : قبرين : رجل لا يتطهر من البول ، وامرأة تمشي بالنميمة . وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر يعذب صاحبه ، فقال : إن هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير .
وذكره البرقي في ( تاريخه ) قال : قبرين : أحدهما يأكل لحوم الناس ويغتابهم ، وكان هذا لا يتقي بوله . وفي ( تاريخ بحشل ) من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا لأم مبشر ، فإذا بقبرين ، فدعا بجريدة رطبة فشقها ، ثم وضع واحدة على أحد القبرين ، والأخرى على الآخر ، ثم قال : لا يرفعان عنهما حتى يجفا ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، والآخر كان لا يتنزه من البول . وفي حديث أنس : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين من بني النجار ، يعذبان في النميمة والبول ، فأخذ سعفة رطبة فشقها ، وجعل على ذا نصفا ، وعلى ذا نصفا ، وقال : لا يزال يخفف عنهما العذاب ما دامتا رطبتين .
وفي ( كتاب ابن الجوزي ) : مر برجل يعذب في الغيبة ، وبآخر يعذب في البول .
وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة ، عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، منها : بسند لا بأس به عند البزار. ومنها : حديث أبي سعيد ، وزيد بن ثابت عند مسلم .
ومنها : حديث شرحبيل بن حسنة . ومنها : حديث أبي موسى الأشعري عند أبي داود . ومنها : حديث أبي أمامة ، وأبي رافع ، ذكرهما أبو موسى المديني في ( كتاب الترغيب ، والترهيب ) .
ومنها : حديث ميمونة ذكره ابن منده في كتاب الطهارة . ومنها : حديث عثمان رضي الله تعالى عنه عند اللالكائي . قوله ( وما يعذبان في كبير ) أي بكبير تركه عليهما ، إلا أنه كبير من حيث المعصية ، وقيل : يحمل كبير على أكبر ، تقديره : ليس هو أكبر الذنوب إذ الكبائر متفاوتة .
وقال القاضي عياض : إنه غير كبير عندكم لقوله تعالى : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة ، وتركها كبيرة . وفي ( شرح السنة ) : معنى "ما يعذبان في كبير" أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز منه ، إذ لا مشقة في الاستتار عند البول ، وترك النميمة ، ولم يرد أنهما غير كبير في أمر الدين . وقال المازري : الذنوب تنقسم إلى ما يشق تركه طبعا كالملاذ المحرمة ، وإلى ما ينفر منه طبعا كتارك السموم ، وإلى ما لا يشق تركه طبعا كالغيبة والبول .
قوله ( لعله أن يخفف عنهما ) أي لعله يخفف ذلك من ناحية التبرك بأثر النبي عليه الصلاة والسلام ، ودعائه بالتخفيف عنهما ، فكأن صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما ، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس . قاله الخطابي . وقال النووي : قال العلماء : هو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم سأل الشفاعة لهما ، فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا ، وقيل : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم يدعو لهما تلك المدة ، وقيل : لكونهما يسبحان ما دامتا رطبتين ، وليس لليابس بتسبيح ، قالوا في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ معناه : وإن من شيء حي ، ثم حياة كل شيء بحسبه ، فحياة الخشبة ما لم تيبس ، وحياة الحجر ما لم يقطع .
وذهب المحققون إلى أنه على عمومه ، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع ، فيكون مسبحا منزها بصورة حاله ، وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة ، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها ، وجاء النص به - وجب المصير إليه ، واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث ؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد ، فتلاوة القرآن أولى . فإن قلت : ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء ؟ قلت : يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة عدد الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها . قوله ج٣ / ص١١٨( ثم قال : بلى ) معناه أي أنه لكبير ، وقد صرح بذلك في رواية أخرى للبخاري من طريق عبيدة بن حميد ، عن منصور ، فقال : وما يعذبان في كبير ، وإنه لكبير ، وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش ، ومسلم لم يذكر الرواتين .
وقال الكرماني : فإن قلت : لفظ بلى مختص بإيجاب النفي ، فمعناه بلى إنهما ليعذبان في كبير ، فما وجه التوفيق بينه وبين : ما يعذبان في كبير . قلت : قال ابن بطال : وما يعذبان بكبير ، يعني عندكم ، وهو كبير ، يعني عند الله تعالى ، وقد ذكرناه . وقال عبد الملك البوني في معنى قوله ( وإنه لكبير ) : يحتمل أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير ، فأوحى الله تعالى إليه في الحال بأنه كبير ، وفيه نظر .
بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به ، والتسليم له ، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة ، خلافا للمعتزلة ، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب ( الطبقات ) تأليفه : إن قيل : مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر ، وهذا قد أطبقت عليه الأمة ؟ قيل : إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو ، لما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة ، وليس الأمر كذلك ، بل المعتزلة رجلان أحدهما يجوز ذلك كما وردت به الأخبار ، والثاني يقطع بذلك ، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك ، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة : إنهم يعذبون وهم موتى ، ودليل العقل يمنع من ذلك ، وبنحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب ( الطبقات ) تأليفه . وقال القرطبي : إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضا ، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق صلى الله تعالى عليه وسلم ، وإن الله يحيى العبد ، ويرد الحياة والعقل ، وهذا نطقت به الأخبار ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم ، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير ، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين ، وإنما المساءلة إنما تقع في تلك الأوقات . وأثبت البلخي ، والجبائي ، وابنه - عذاب القبر ، ولكنهم نفوه عن المؤمنين ، وأثبتوه للكافرين والفاسقين .
وقال بعضهم : عذاب القبر جائز ، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد ، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس ، وهذا مذهب جماعة من الكرامية . وقال بعض المعتزلة : إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم ، ويحدث الآلام ، وهم لا يشعرون ، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام ، كالسكران والمغشي عليه إن ضربوا لم يجدوا ألما ، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام ، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو ، وبشر المريسي ، ويحيى بن كامل ، وغيرهم ، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا ، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة ، وإلى الإنكار أيضا ذهب الخوارج ، وبعض المرجئة . ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه ، وخالف في ذلك محمد بن جرير ، وطائفة ، فقالوا : لا يشترط إعادة الروح ، وهذا أيضا فاسد .
الثاني : فيه نجاسة الأبوال مطلقا ، قليلها وكثيرها ، وهو مذهب عامة الفقهاء ، وسهل بن القاسم بن محمد ، ومحمد بن علي ، والشعبي ، وصار أبو حنيفة وصاحباه إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتبارا للمشقة ، وقياسا على المخرجين . وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول ، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبر من البول ، وفي الجواهر للمالكية : أن البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان ، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل ، ومكروهان من المكروه أكله ، وقيل : بل نجسان . وعامة الفقهاء لم يخففوا في شيء من الدم إلا في اليسير من دم الحيض ، واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير ، فقيل : قدر الدرهم الكبير .
الثالث : قال الخطابي : فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور ؛ لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر ، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة . قلت : اختلف الناس في هذه المسألة ، فذهب أبو حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهما إلى وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت ؛ لما روى أبو بكر النجار في كتاب ( السنن ) ، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من مر بين المقابر فقرأ "قل هو الله أحد" أحد عشر مرة ، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات . وفي ( سننه ) أيضا ، عن أنس يرفعه : من دخل المقابر فقرأ سورة يس ، خفف الله عنهم يومئذ .
وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زار قبر والديه أو أحدهما ، فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له . وروى أبو حفص بن شاهين ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ، وله الكبرياء في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ، وله ج٣ / ص١١٩العظمة في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم ، هو الملك رب السماوات ورب الأرض ورب العالمين ، وله النور في السماوات والأرض ، وهو العزيز الحكيم - مرة واحدة ، ثم قال : اللهم اجعل ثوابها لوالدي ، لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما . وقال النووي : المشهور من مذهب الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت ، والأخبار المذكورة حجة عليهم ، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ، ويصلهم ثوابه لقوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وغير ذلك من الآيات ، وبالأحاديث المشهورة منها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) ، ومنها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( اللهم اغفر لحينا وميتنا ) وغير ذلك .
فإن قلت : هل يبلغ ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق ؟ قلت : روى أبو بكر النجار في كتاب ( السنن ) من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أنه سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن العاص بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة ، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين ، أفيجزئ عنه ؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه أو أعتقت عنه بلغه ذلك . وروى الدارقطني : قال رجل : يا رسول الله ، كيف أبر أبوي بعد موتهما ؟ فقال : إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صيامك ، وأن تصدق عنهما مع صدقتك . وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين بن الفراء ، عن أنس رضي الله تعالى عنه ، أنه سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إذا نتصدق عن موتانا ، ونحج عنهم ، وندعو لهم ، فهل يصل ذلك إليهم ؟ قال : نعم ، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه .
وعن سعد أنه قال : يا رسول الله ، إن أبي مات أفأعتق عنه ؟ قال : نعم . وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين ، أن الحسن والحسين رضي الله عنهما : كانا يعتقان عن علي رضي الله تعالى عنه . وفي ( الصحيح ) قال رجل : يا رسول الله ، إن أمي توفيت أينفعها أن أتصدق عنها ؟ قال : نعم .
فإن قلت : قال الله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت ؟ قلت : اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال : أحدهما : إنها منسوخة بقوله تعالى : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم " ، أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناء . قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . الثاني : أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام ، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم .
قاله عكرمة . الثالث : المراد بالإنسان هاهنا الكافر . قاله الربيع بن أنس .
الرابع : ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل ، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيد الله تعالى ما شاء . قاله الحسين بن فضل . الخامس : إن معنى "ما سعى" ما نوى .
قاله أبو بكر الوراق . السادس : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا ، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء . ذكره الثعلبي .
السابع : أن اللام في "الإنسان" بمعنى "على" ، تقديره : ليس على الإنسان إلا ما سعى . الثامن : أنه ليس له إلا سعيه ، غير أن الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه ، وتارة يكون سعيه في تحصيل سببه مثل سعيه في تحصيل قراءة ولد يترحم عليه ، وصديق يستغفر له ، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة ، فيكتسب محبة أهل الدين ، فيكون ذلك سببا حصل بسعيه . حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزغواني .
الرابع : فيه وجوب الاستنجاء ، إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول ، فلا يجعل بينه وبينه حجابا من ماء أو حجر ، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين . وقال ابن بطال : معناه : ولا يستتر جسده ولا ثوبه من مماسة البول ، ولما عذب على استخفافه بغسله وبالتحرز عنه ، دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب . وقال البغوي : فيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس عند القضاء .
قلت : هذا رد على من قال : ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين ، ولكن كلاهما واجب على ما لا يخفى . والتحقيق في هذا الكلام أن معنى رواية الاستتار إذا حمل على حقيقته يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة ، وفي الحديث ما يدل على أن للبول خصوصية في عذاب القبر ، يدل عليه ما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا : أكثر عذاب القبر من البول . فإذا كان كذلك تعين أن يكون معنى الاستتار على الوجه الذي ذكرناه لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف ، ويؤيد ذلك رواية أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه : أما أحدهما فيعذب في البول .
ومثله عند الطبراني ، عن أنس ، وكلمة " في " للتعليل أي يعذب أحدهما بسبب البول . الخامس : فيه حرمة النميمة ، وهذا بالإجماع ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . ج٣ / ص١٢٠الأسئلة والأجوبة : منها أن هذا الحديث رواه ابن عباس ، فعلى تقدير كون هذا في مكة على ما دل عليها السند كيف يتصور هذا ، وكان ابن عباس عند هجرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مكة ابن ثلاث سنين ، فكيف ضبط ما وقع بمكة ؟ الجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أنه يحتمل وقوع هذه القضية بعد مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج .
الثاني : أنه يحتمل أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .
الثالث : أنه يكون ما رواه من مراسيل الصحابة ، كذا قيل . قلت : له وجه رابع ، وهو أن يكون ابن عباس سمع ذلك من صحابي ، فأسقط ذكره من بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، ونظائره كثيرة ، وهو في الحقيقة داخل في الوجه الثالث.
ومنها أن في متن هذا الحديث : ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين ، يعني أتي بها فكسرها ، وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، رواه مسلم : أنه الذي قطع الغصنين ، فهل هذه قضية واحدة أم قضيتان ؟ الجواب : أنهما قضيتان ، والمغايرة بينهما من أوجه : الأول : أن هذه كانت في المدينة ، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة ، وقضية جابر كانت في السفر ، وكان خرج لحاجته ، فتبعه جابر وحده . الثاني : أن في هذه القضية أنه عليه الصلاة والسلام غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين ، كما في رواية الأعمش الآتية في الباب الذي بعده ، وفي حديث جابر : أمر عليه الصلاة والسلام جابرا فقطع غصنين من شجرتين ، كان النبي صلى الله عليه وسلم استتر بهما عند قضاء حاجته ، ثم أمر جابرا فألقى غصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ، وأن جابرا سأله عن ذلك فقال : إني مررت بقبرين يعذبان ، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين . الثالث : لم يذكر في قصة جابر ما كان السبب في عذابهما .
الرابع : لم يذكر فيه كلمة الترجي ، فدل ذلك كله على أنهما قضيتان مختلفتان ، بل روى ابن حبان في ( صحيحه ) عن أبي هريرة : أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر فوقف عليه ، فقال : ائتوني بجريدتين ، فجعل إحداهما عند رأسه ، والأخرى عند رجليه ، فهذا بظاهره يدل على أن هذه قضية ثالثة ، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة ، كما مال إليه النووي والقرطبي . ومنها أن ما كانت الحكمة في عدم بيان اسمي المقبورين ، ولا أحدهما ؟ الجواب : أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك قصدا للستر عليهما خوفا من الافتضاح ، وهو عمل مستحسن ، ولا سيما من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله تعالى ، ويحتمل أن يكون قد بينه ليحترز غيره من مباشرة ما باشر صاحب القبرين ، ولكن الراوي أبهمه عمدا لما ذكرنا . فإن قلت : قد ذكر القرطبي عن بعضهم أن أحدهما كان سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه .
قلت : هذا قول فاسد لا يلتفت إليه ، ومما يدل على فساده
كما ثبت في الصحيح، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيدا ، حيث قال لأصحابه : قوموا إلى سيدكم . وقال : إن حكمه وافق حكم الله تعالى . وقال : إن عرش الرحمن اهتز لموته ، وغير ذلك من مناقبه العظيمة رضي الله عنه ، وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم دفن المقبورين ، دل عليه حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، رواه أحمد ، ولفظه : أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : من دفنتم اليوم هاهنا ؟ ولم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام ما ذكره القرطبي عن البعض ، فدل ذلك على بطلانه في هذه القضية .
ومنها أن هذين المقبورين هل كانا مسلمين أو كافرين ؟ الجواب : أن العلماء اختلفوا فيه ، فقيل : كانا كافرين ، وبه جزم أبو موسى المديني في كتابه ( الترغيب والترهيب ) واحتج في ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة ، عن أسامة بن زيد ، عن أبي الزبير ، عن جابر رضي الله تعالى عنه ، قال : مر نبي الله صلى الله عليه وسلم على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهيلة ، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة . قال : هذا حديث حسن ، وإن كان إسناده ليس بالقوي ؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته صلى الله عليه وسلم لهما إلى أن ييبسا معنى ، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز من عطفه ولطفه صلى الله عليه وسلم حرمانهما من ذلك ، فشفع لهما إلى المدة المذكورة ، ولما رواه الطبراني في ( الأوسط ) : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية ، فسمعهن يعذبن في النميمة . قال : لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة ، وقيل : كانا مسلمين ، وجزم به بعضهم لأنهما لو كانا كافرين لم يدع عليه الصلاة والسلام لهما بتخفيف العذاب ، ولا ترجاه لهما ، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : مر بقبرين من قبور الأنصار جديدين .
فإن تعددت الطرق وهو الأقرب لاختلاف الألفاظ فلا بأس ، وإن لم تتعدد فهو بالمعنى ، إذ بنو النجار من الأنصار ، وهو لقب إسلامي لقبوا به لنصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يعرف بها مسمى في الجاهلية ، ويقويه أيضا ما في رواية مسلم : فأجبت . . بشفاعتي . والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن ، وما في رواية أحمد المذكورة : فقال : من دفنتم اليوم هاهنا ؟ فهذا أيضا ج٣ / ص١٢١يدل على أنهما كانا مسلمين ؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين ، والخطاب لهم .
فإن قلت : لم لا يجوز أن يكونا كافرين كما ذهب إليه أبو موسى ، وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب . قلت : لو كان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لبينه ، على أنا نقول : إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا ، فيجوز تعدد حال المقبورين . فإن قلت : ذكر البول والنميمة ينافي ذلك ؛ لأن الكافر وإن عذب على أحكام الإسلام ، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف .
قلت : لم يبين في حديث جابر المذكور سبب العذاب ما هو ، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب كما في حديث غيره ، وظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال ، ورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذكور بأنه ضعيف كما اعترف به ، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وليس فيه ذكر سبب التعذيب ، فهو من تخليط ابن لهيعة . قلت : هذا من تخليط هذا القائل ؛ لأن أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف ، بل قال : هذا حديث حسن ، وإن كان إسناده ليس بقوي ، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف ؛ لأن بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه ، ولذلك يقال للحديث الواحد : إنه حسن صحيح . وقال الترمذي : الحسن ما ليس في إسناده من يتهم بالكذب ، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب ، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه ، منهم أحمد رضي الله عنه .
ومنها أنه قيل : هل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر لتخفيف العذاب ؟ الجواب : أنه لا لمعنى يخصه ، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان ، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس ، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء ، وإنما السنة الغرز . فإن قلت : في الحديث المذكور : فوضع على كل قبر منهما كسرة . قلت : في رواية الأعمش : فغرز ، فينبغي أن يغرز ؛ لأن الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع ، فافهم .
ومنها أنه قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب ، ونحن لا نعلم ذلك مطلقا . الجواب : أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا - أن نترك ذلك ، ألا ترى أنا ندعو للميت بالرحمة ، ولا نعلم أنه يرحم أم لا . ومنها أنه هل لأحد أن يأمر بذلك لأحد ، أم الشرط أن يباشره بيده ؟ الجواب : أنه لا يلزم ذلك ، والدليل عليه أن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أوصى أن يوضع على قبره جريدتان ، كما يأتي في هذا الكتاب .
وقال بعضهم : ليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة صلى الله عليه وسلم ، بل يحتمل أن يكون أمر به . قلت : هذا كلام واه جدا ، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث : ثم دعا بجريدتين فكسرهما ، فوضع على كل قبر منهما كسرة . وهذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم وضعه بيديه الكريمة ، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة ، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك : جاء زيد ، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به .