باب
ج٣ / ص١٢٣( باب ) 81 - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" . ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" .
هذا الحديث في نفس الأمر هو الحديث الذي ترجم له البخاري بقوله : باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله ؛ لأن مخرجهما واحد غير أن الاختلاف في السند وبعض المتن ؛ لأن هناك : عن مجاهد ، عن ابن عباس ، وهاهنا : عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، وقد قلنا هناك : إن إخراج البخاري بهذين الطريقين صحيح عنده ؛ لأنه يحتمل أن مجاهدا سمعه تارة عن ابن عباس ، وتارة عن طاوس ، عن ابن عباس ،فإذا كان الأمر كذلك فلا يحتاج إلى طلب ترجمة هذا الحديث لهذا الباب على تقدير وجود لفظة "باب" ؛ لأن وجه الترجمة ومطابقة الحديث لها قد ذكر هناك . فإن قلت : بينهما باب آخر ، وهو قوله ( باب ما جاء في غسل البول ) ، قلت : هذا تابع للباب الأول ؛ لأنه في بيان حكم من أحكامه ، وليس للتابع استقلال في شأنه ، فعلى هذا قول الكرماني .
فإن قلت : كيف دلالته على الترجمة . قلت : من جهة إثبات العذاب على ترك استتار جسده من البول وعدم غسله غير سديد مستغنى عنه ؛ لأنه إن اعتبر فيما قاله لفظة "باب" مفردا فليس فيه ترجمة ، وإن لم يعتبر ذلك فيكون الحديث في باب ما جاء في غسل البول ، وليس له مناسبة ظاهرا ، والتحقيق ما ذكرته ، فافهم . بيان رجاله : وهم ستة : الأول : محمد بن المثنى بضم الميم ، وفتح الثاء المثلثة ، وتشديد النون ، البصري المعروف بالزمن ، تقدم في باب حلاوة الإيمان .
الثاني : محمد بن خازم ، بالخاء والزاي المعجمتين ، أبو معاوية الضرير ، عمي وعمره أربع سنين ، وقد تقدم في باب المسلم من سلم المسلمون من يده . الثالث : الأعمش ، وهو سليمان بن مهران الكوفي التابعي ، تقدم في باب ظلم دون ظلم . الرابع : مجاهد بن جبر .
الخامس : طاوس بن كيسان ، تقدم في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين . السادس : عبد الله بن عباس . بيان لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرات ، وفيه العنعنة ثلاث مرات ، وفيه أن رواته ما بين بصري ، وكوفي ، ومكي ، ويماني .
بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا عن محمد بن المثنى ، وفي مواضع أخر ذكرناها في باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله . وأخرجه بقية الجماعة أيضا ، ذكرناها هناك . وأما ذكر لغته وإعرابه واستنباط الأحكام منه ، فقد مرت مستوفاة .
وقوله ( فغرز ) وفي رواية وكيع في الأدب : فغرس ، وهما بمعنى واحد ، وبين الزاي والسين تناوب ، وكان غرزه عليه الصلاة والسلام عند رأس القبر . قاله سعد الدين الحارثي . وقال : إنه ثبت بإسناد صحيح ، قال بعضهم : كأنه يشير إلى ،وقد ذكرناه .
قلت : فيه : فجعل إحداهما عند رأسه ، والأخرى عند رجليه . قوله ( لم فعلت هذا ) وليس لفظة "هذا" في رواية المستملي والسرخسي . ( قال ابن المثنى : وحدثنا وكيع قال : حدثنا الأعمش قال : سمعت مجاهدا . .
مثله ) . أي : قال محمد بن المثنى : وحدثنا وكيع بن الجراح ، وهو معطوف على قوله ( حدثنا محمد بن خازم ) . ووقع للأصيلي هكذا بواو العطف ، ولذلك ظن بعضهم أنه معلق ، وقد وصله أبو نعيم في ( المستخرج ) من طريق محمد بن المثنى هذا ، عن وكيع ، ومحمد بن خازم ، عن الأعمش ، والنكتة في هذا الإسناد الذي أفرده التقوية للإسناد الأول ، ولهذا صرح بلفظ سمعت ؛ لأن ج٣ / ص١٢٤الأعمش مدلس ، وعنعنة المدلس لا تعتبر إلا إذا علم سماعه ، فأراد التصريح بالسماع ، إذ الإسناد الأول معنعن .
فإن قلت : قال في الأول : حدثنا محمد بن المثنى ، وقال هاهنا : قال ابن المثنى ، هل بينهما فرق ؟ قلت : بلى ، أشار به إلى أن "قال" أحط درجة من "حدث" ، كما يقول في بعض المواضع في إسناد واحد : حدثني بالإفراد ، وحدثنا بالجمع . فإن قلت : مجاهد في هذه الطريقة يروي عن طاوس أو عن ابن عباس ؟ قلت : الظاهر أنه يروي عن طاوس ، عن ابن عباس ؛ لأنه قال : مثله ، ومثل الشيء غيره .