حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد ‎

( باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس - الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد ) أي هذا باب في بيان ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس - الأعرابي الذي قدم المدينة ، ودخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبال فيه ، فلم يتعرض إليه أحد بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم حتى فرغ من بوله ، كما يأتي كل ذلك مفسرا إن شاء الله تعالى . فقوله ( والناس ) بالجر عطف على لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه مجرور بالإضافة ، والتقدير : وترك الناس ، ويجوز "الناس" بالرفع عطفا على المحل ؛ لأن لفظ الترك مصدر مضاف إلى فاعله ، والأعرابي نسبة إلى الأعراب ؛ لأنه لا واحد لهم ، وهم سكان البادية ، والعربي نسبة إلى العرب ، وهم أهل الأمصار ، وليس الأعراب جمعا للعرب ، وقد ذكرنا الكلام فيه مستقصى فيما تقدم ، والألف واللام في الأعرابي وفي المسجد للعهد الذهني ، وعن قريب يأتي من الأعرابي ، مع الخلاف فيه . وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله : هو اشتمال كل منهما على أن حكم البول إزالته ، فذكر في الباب السابق الغسل ، وفي هذا الباب صب الماء عليه ، وحكمه حكم الغسل .

82 - حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قال : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: دَعُوهُ . حَتَّى إِذَا فَرَغَ، دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .

بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، مر في كتاب الوحي . الثاني : همام بن يحيى بن دينار العوذي ، بفتح العين المهملة ، وسكون الواو ، وبالذال المعجمة ، كان ثقة ثبتا في كل المشايخ ، مات سنة ثلاث وستين ومائة . الثالث : إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة بن سهل الأنصاري ، تقدم في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس .

الرابع : أنس بن مالك . بيان لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومدني . بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا .

وأخرجه مسلم أيضا في الطهارة ، عن زهير بن حرب ، عن عمرو بن يونس ، عن عكرمة بن عمار اليماني ، عن إسحاق ، عن أنس . وأخرجه البخاري أيضا ، عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت أنسا رضي الله تعالى عنه ، كما سيأتي عن قريب . وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن أبي موسى ، عن يحيى القطان ، وعن يحيى بن يحيى ، وقتيبة ، كلاهما عن عبد العزيز بن عمر .

وأخرجه الترمذي أيضا ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان بن عيينة ، وفات المزي هذا في الأطراف . وأخرجه النسائي ، عن سويد بن نصر ، وعن قتيبة . وأخرجه البخاري أيضا ، عن أبي هريرة في الطهارة هاهنا ، كما يأتي عن قريب .

وأخرجه أيضا في الأدب ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري عنه به . وأخرجه النسائي في الطهارة ، عن دحيم ، عن عمرو بن عبد الواحد ، عن الأوزاعي ، عن الزهري به نحوه . وأخرجه أبو داود من حديث الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة : أن أعرابيا دخل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فصلى ركعتين ، ثم قال : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : لقد تحجرت واسعا .

ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد ، فأسرع الناس إليه ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ، صبوا عليه سجلا من ماء ، أو قال : ذنوبا من ماء . وأخرجه الترمذي في آخر الطهارة ، والنسائي أيضا في الطهارة ، ولم يذكر قصة البول . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي سلمة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، ومن حديث علي بن مسهر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : دخل أعرابي المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فقال : اللهم ج٣ / ص١٢٥اغفر لي ولمحمد . .

الحديث . وأخرج أبو داود هذه القصة أيضا من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن قال : صلى أعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم . قال فيه : وقال ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء .

ثم قال أبو داود : وهو مرسل ، ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الخطابي : هذا الحديث ذكره أبو داود وضعفه ، وقال : مرسل . قلت : لم يقل أبو داود : هذا ضعيف ، وإنما قال : مرسل ، وهو مرسل من طريقين : أحدهما ما رواه أبو داود ، والآخر ما رواه عبد الرزاق في ( مصنفه ) .

وقد روي هذا الحديث من طريقين مسندين أيضا : أحدهما : عن سمعان بن مالك ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : جاء أعرابي فبال في المسجد ، فأمر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بمكانه فاحتفر ، وصب عليه دلو من ماء . أخرجه الدارقطني في ( سننه ) . والثاني : أخرجه الدارقطني أيضا ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس : أن أعرابيا بال في المسجد ، فقال عليه الصلاة والسلام : احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء .

بيان لغته : قوله ( فصبه ) الصب السكب ، يقال : صببت الماء فانصب ، أي سكبته فانسكب ، والماء ينصب من الجبل أي ينحدر ، ويقال : ما صب ، وهو كقولك : ما سكب ، ويروى "فصب" بدون الضمير المفعول ، وفي رواية البخاري على ما يأتي : فلما قضى بوله أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه . وفي رواية مسلم : فأمر رجلا من القوم ، فجاء بدلو فسنه عليه . بالسين المهملة ، ويروى بالمعجمة ، وهو رواية الطحاوي أيضا ، والفرق بينهما أن السن بالمهملة الصب المتصل ، وبالمعجمة الصب المنقطع .

قاله ابن الأثير . والذنوب : بفتح الذال المعجمة الدلو العظيمة ، وقيل : لا يسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء . قوله ( أهريقوا ) أصله أريقوا من الإراقة ، فالهاء زائدة ، ويروى هريقوا ، فتكون الهاء بدلا من الهمزة .

بيان إعرابه : قوله ( رأى ) بمعنى أبصر ، و"أعرابيا" مفعوله ، وقوله ( يبول ) جملة في محل النصب على أنها صفة لـ"أعرابيا" ، والتقدير : أبصر أعرابيا بائلا . وقال الكرماني : و"يبول" إما صفة ، وإما حال . قلت : لا يقع الحال عن النكرة إلا إذا كان مقدما على ذي الحال كما عرف في موضعه .

بيان معناه : قوله ( دعوه ) أي اتركوه ، وهو أمر بصيغة الجمع من يدع ، تقول دع دعا دعوا بضم العين ، والعرب أماتت ماضيه إلا ما جاء في قراءة شاذة في قوله تعالى : " ما ودعك ربك " بالتخفيف ، وفي رواية مسلم : لا تزرموه ودعوه ، وهو بتقديم الزاي على الراء المهملة ، يعني : لا تقطعوا عليه بوله ، يقال : أزرم الدمع والدم : انقطعا ، وأزرمته أنا . والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأعرابي . وعن عبد الله بن نافع المدني : أن هذا الأعرابي كان الأقرع بن حابس .

حكاه أبو بكر التاريخي .

وأخرج أبو موسى المديني هذا الحديث في الصحابة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سليمان بن يسار ، قال : اطلع ذو الخويصرة اليماني ، وكان رجلا جافيا . . فذكر الحديث تاما بمعناه وزيادة ، ولكنه مرسل ، وفي إسناده أيضا مبهم
، ولكن فهم منه أن الأعرابي المذكور هو ذو الخويصرة اليماني ، ولا يبعد ذلك منه بجلافته وقلة أدبه .

قوله ( حتى إذا فرغ من كلام أنس رضي الله تعالى عنه ) أي حتى إذا فرغ من بوله ، وكلمة "حتى" للغاية ، والمعنى : فتركوه إلى أن فرغ من بوله . قوله ( دعا بماء ) أي دعا النبي صلى الله عليه وسلم ، أي طلب ماء ، وفي رواية أخرى للبخاري الآتية عن قريب : فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فهريق عليه . وفي رواية مسلم : فأمر رجلا من القوم ، فجاء بدلو فسنه عليه .

وفي رواية النسائي : فلما فرغ دعا بدلو فصب عليه . وفي رواية ابن ماجه : دعا بدلو ماء فصب عليه : وفي رواية له : ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله . وفي رواية ابن صاعد ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء .

وفي رواية لأبي داود ، عن عبد الله بن معقل بن مقرن : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه ، وأهريقوا على مكانه ماء . بيان استنباط الأحكام من هذا الحديث من جميع ألفاظه والروايات المختلفة فيه ، وهو على وجوه : الأول : استنبط الشافعي منه على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء - تطهر . وقال النووي : ولا يشترط حفرها .

وقال الرافعي : إذا أصابت الأرض نجاسة ، فصب عليها من الماء ما يغمرها وتستهلك فيها النجاسة - طهرت بعد نضوب الماء . وقبله فيه وجهان : إن قلنا : إن الغسالة طاهرة والعصر لا يجب ، فنعم . وإن قلنا : إنها نجسة والعصر واجب ، فلا .

وعلى هذا فلا يتوقف ج٣ / ص١٢٦الحكم بالطهارة على الجفاف ، بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب المعصر ، فلا يشترط فيه الجفاف ، والتصوب كالعصر ، وفيه وجه أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول ، ووجه آخر : يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب ، وعلى بول الاثنين ذنوبان ، وعلى هذا أبدا . انتهى . وقال أصحابنا : إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة ، فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها ، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء ، يحكم بطهارتها ، ولا يعتبر فيه العدد ، وإنما هو على اجتهاده ، وما هو في غالب ظنه أنها طهرت ، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما لا يحتمل العصر ، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب عليها الماء ثلاث مرات ، ويتسفل في كل مرة ، وإن كانت الأرض صلبة ، فإن كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويتسفل إلى الحفيرة ، ثم تكبس الحفيرة ، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل ، بل تحفر .

وعن أبي حنيفة : لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة ، وينقل التراب ، ودليلنا على الحفر الحديثان اللذان أخرجهما الدارقطني : أحدهما عن عبد الله ، والآخر عن أنس ، وقد ذكرناهما عن قريب ، وقد ذكرنا أيضا ما قاله الخطابي ، وذكرنا جوابه أيضا . وروى عبد الرزاق في ( مصنفه ) ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، قال : بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء ، علموا ، ويسروا ولا تعسروا . والقياس أيضا يقتضي هذا الحكم ؛ لأن الغسالة نجسة ، فلا يطهر الأرض ما لم تحفر ، وينقل التراب .

فإن قلت : قد تركتم الحديث الصحيح ، واستدللتم بالحديث الضعيف وبالمرسل . قلت : قد عملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة ، وعملنا بالضعيف على زعمكم لا على زعمنا فيما إذا كانت الأرض رخوة ، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض ، وأما المرسل فهو معمول به عندنا ، والذي يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث ، وفي اصطلاح المحدثين : أن مرسلين صحيحين إذا عارضا حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسلين أولى ، فكيف مع عدم المعارضة . الثاني : استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة ، ومنعوا غيره من المائعات المزيلة ، وهذا استدلال فاسد ؛ لأن ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره ؛ لأن الواجب هو الإزالة ، والماء مزيل بطبعه ، فيقاس عليه كل ما كان مزيلا لوجود الجامع ، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة ، وهو ليس بحجة .

الثالث : استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة ، وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ، ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره ، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشرا للنجاسة ، وذلك خلاف مقصود التطهير ، وسواء كانت النجاسة على الأرض أو غيرها ، لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها ، ويقال : إنه رواية واحدة عند الشافعية إن كانت على الأرض ، وإن كانت غيرها فوجهان . قلت : روي عن أبي حنيفة : أنها بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتنشف بصوف أو خرقة ، وفعل ذلك ثلاث مرات ، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيرا حتى عرف أنه أزال النجاسة ، ولم يوجد فيه لون ولا ريح ، ثم ترك حتى نشفت - كانت طاهرة . الرابع : استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب ، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق ؛ لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض .

الخامس : استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ، فجفت بالشمس أو بالهواء - لا تطهر ، وهي محكي عن أبي قلابة أيضا ، وهذا أيضا فاسد ؛ لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد ، وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب ، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلا على أحدهما بعينه . السادس : فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات ، ألا ترى إلى تمام الحديث في رواية مسلم : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه أي الأعرابي ، فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن . السابع : فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلا ذكر الله ، والصلاة ، وقراءة القرآن بقوله : وإنما هي لذكر الله ، من قصر الموصوف على الصفة ، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن ، وقراءة العلم ، ووعظ الناس ، والصلاة أيضا عام ، فيتناول المكتوبة والنافلة ، ولكن النافلة في المنزل أفضل ، ثم غير هذه الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلا بأمر من أمور الدنيا - ينبغي أن لا يباح ، وهو قول بعض الشافعية .

والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك - مستحب ، ويثاب على ذلك . وإن لم يكن ج٣ / ص١٢٧لشيء من ذلك كان مباحا ، وتركه أولى ، وأما النوم فيه فقد نص الشافعي في ( الأم ) : أنه يجوز . وقال ابن المنذر : رخص في النوم في المسجد - ابن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، والشافعي .

وقال ابن عباس : لا تتخذوه مرقدا . وروي عنه أنه قال : إن كان ينام فيه لصلاة فلا بأس . وقال الأوزاعي : يكره النوم في المسجد .

وقال مالك : لا بأس بذلك للغرباء ، ولا أرى ذلك للحاضر . وقال أحمد : إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس ، وإن اتخذه مقيلا أو مبيتا فلا . وهو قول إسحاق .

وقال اليعمري : وحجة من أجاز - نوم علي بن أبي طالب ، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وأهل الصفة ، والمرأة صاحبة الوشاح ، والعرنية ، وثمامة بن أثال ، وصفوان بن أمية ، وهي أخبار صحاح مشهورة . وأما الوضوء فيه ، فقال ابن المنذر : أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به ، فإنه مكروه . وقال ابن بطال : هذا منقول عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ، وابن القاسم صاحب مالك ، وذكر عن ابن سيرين ، وسحنون أنهما كرهاه تنزيها للمسجد .

وقال بعض أصحابنا : إن كان فيه موضع معد للوضوء فلا بأس ، وإلا فلا . وفي شرح الترمذي لليعمري : إذا افتصد في المسجد ، فإن كان في غير الإناء فحرام ، وإن كان في الإناء فمكروه ، وإن بال في المسجد في إناء فوجهان : أصحهما أنه حرام ، والثاني أنه مكروه . ويجوز الاستلقاء في المسجد ، ومد الرجل ، وتشبيك الأصابع للأحاديث الثابتة في ذلك .

الثامن : فيه المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . التاسع : فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من غير مراجعة له . فإن قلت : أليس هذا من باب التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لا ، لأن ذلك مقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار ، فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك ، وإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن ، فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص ، ويكتفى بالإذن العام .

العاشر : فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما ، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما ، فإن البول فيه مفسدة ، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها ، فدفع أعظمها بأيسر المفسدتين ، وتنزيه المسجد عنه مصلحة ، وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها ، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما . الحادي عشر : فيه مراعاة التيسير على الجاهل ، والتألف للقلوب . الثاني عشر : فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع ؛ لأن الأعرابي حين فرغ أمر بصب الماء .

الثالث عشر : في رواية الترمذي : أهريقوا عليه سجلا من ماء أو دلوا من ماء ، اعتبار الأداء باللفظ ، وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه وأن المعنى كاف ، ويحمل "أو" هاهنا على الشك ، ولا معنى للتنويع ، ولا للتخيير ، ولا للعطف ، فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصر على أحدهما ، فلما تردد في التفرقة بين الدلو والسجل ، وهما بمعنى ، علم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ . قاله الحافظ القشيري ، ولقائل أن يقول : إنما يتم هذا أن لو اتحد المعنى في السجل والدلو لغة ، لكنه غير متحد ، فالسجل الدلو الضخمة المملوءة ، ولا يقال لها فارغة : سجل .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث