حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب كيف كان بدء الحيض

حدثنا علي بن عبد الله المديني ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عبد الرحمن بن القاسم ، قال : سمعت القاسم يقول : سمعت عائشة تقول : خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما كنا بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبكي ، فقال : ما لك ؟ أنفست ؟ قلت : نعم . قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فأقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت . قالت : وضحى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نسائه بالبقر .

مطابقة الحديث للترجمة في قوله : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، وعلى رأس هذا الحديث في رواية أبي ذر وأبي الوقت باب الأمر بالنفساء إذا نفس ، وفي أكثر الروايات هذه الترجمة ساقطة ، أي هذا باب في بيان الأمر المتعلق بالنفساء . قال الكرماني : البحث في الحيض فما وجه تعلقه به . قلت : المراد بالنفساء الحائض .

قلت : النفساء مفرد وجمعه نفاس . وقال الجوهري : ليس في الكلام من فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء ، وهي الحامل من البهائم ، ثم قلت : ويجمع أيضا على نفساوات بضم النون ، وقال صاحب ( المطالع ) وبالفتح أيضا ، ويجمع أيضا على نفس بضم النون والفاء ، قال : ويقال في الواحد : نفسى مثل كبرى ، وبفتح النون أيضا ، وامرأتان نفساوان ، ونساء نفاس ، والنفاس أيضا مصدر سمي به الدم كما يسمى بالحيض ، مأخوذ من تنفس الرحم بخروج النفس الذي هو الدم ، وفي المغرب النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها إذا ولدت فهي نفساء . قوله : إذا نفس بضم الفاء وفتحها والضمير الذي فيه يرجع إلى النفساء ، وتذكيره باعتبار الشخص أو لعدم الالتباس كما ذكرنا عن قريب .

فإن قلت : الباء في بالنفساء ما هي ؟ قلت : زائدة ؛ لأن النفساء مأمورة لا مأمور بها أو يكون التقدير الأمر الملتبس بالنفساء . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : علي بن عبد الله المديني بفتح الميم وكسر الدال ، قال ابن الأثير : منسوب إلى مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذا أحد ما استعمل بالنسب فيه خارجا عن القياس فإن قياسه المدني ، وقال الجوهري :تقول في النسبة إلى مدينة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدني ، وإلى مدينة المنصور مديني للفرق . الثاني : سفيان بن عيينة .

الثالث : عبد الرحمن بن القاسم . الرابع : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . الخامس : عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الأضاحي عن قتيبة وعن مسدد ، وأخرجه مسلم في الحج ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، عن سفيان ، وأخرجه النسائي في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي الحج عن محمد بن عبد الله والحارث بن مسكين ، وعن محمد بن رافع ، عن يحيى بن آدم ، وأخرجه ابن ماجه في الحج ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد . ( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله : ( لا نرى إلا الحج ) ، جملة في محل النصب على الحال ، ولا نرى بضم النون بمعنى : لا نظن ، وقوله : ( إلا الحج ) يعني إلا قصد الحج ، لأنهم كانوا يظنون امتناع العمرة في أشهر الحج ، فأخبرت عن اعتقادها ، أو عن الغالب عن حال الناس ، أو عن حال الشارع ، أما هي فقد قالت : إنها لم تحرم إلا بالعمرة .

قوله : ( فلما كنت ) ، وفي بعض النسخ : فلما كنا . قوله : ( بسرف ) بفتح السين المهملة وكسر الراء ، وفي آخره فاء ، وهو اسم موضع قريب من مكة بينهما نحو من عشرة أميال ، وقيل : عشرة ، وقيل : تسعة ، وقيل : سبعة ، وقيل : ستة ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث . قوله : ( حضت ) بكسر الحاء ؛ لأنه من حاض يحيض ، كبعت من باع يبيع ، أصله : حيضت .

قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار حضت بالفتح ، ثم أبدلت الفتحة كسرة لتدل على الياء المحذوفة . قوله : ( وأنا أبكي ) جملة اسمية وقعت حالا بالواو . قوله : ( أنفست ) الهمزة فيه للاستفهام ونفست قال النووي : بضم الفاء وفتحها في الحيض والنفاس ، لكن الضم في الولادة والفتح في الحيض أكثر .

وحكى صاحب ( الأفعال ) الوجهين جميعا ، وفي شرح مسلم المشهور في اللغة أن نفست بفتح النون وكسر الفاء : معناه : حضت ، وأما في الولادة فيقال : نفست بضم النون . وقال الهروي : نفست بضم النون وفتحها في الولادة ، وفي الحيض بالفتح لا غير . قوله : ( إن هذا أمر ) ، إشارة إلى الحيض ، فالأمر بمعنى الشأن .

وقال الكرماني . قوله : ( أمر ) ، وفي الترجمة شيء فهو إما من باب نقل الحديث بالمعنى ، وإما أن اللفظين ثابتان . قلت : لا يحتاج إلى الترديد ؛ إذ اللفظان ثابتان .

قوله : ( فاقضي ) خطاب لعائشة ، فلذلك لم تسقط الياء ، ومعناه : فأدي ، لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء ، كما في قوله تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا أي إذا أديت صلاة الجمعة . قوله : ( ما يقضي الحاج ) ، قال الكرماني : المراد من الحاج الجنس ، فيشمل الجمع هو كقوله تعالى : سَامِرًا تَهْجُرُونَ قلت : لا ضرورة إلى هذا الكلام ، بل هو اسم فاعل ، وأصله : حاجج ، وربما يأتي في ضرورة الشعر ، هكذا قال الراجز . بكل شيخ عامر أو حاجج .

وفي الصحاح تقول : حججت البيت أحجه حجًّا ، فأنا حاج ، ويجمع على حجج ، مثل بازل وبزل . قوله : ( غير ألا تطوفي ) بنصب غير ، وألا بالتشديد أصله : أن لا ، ويجوز أن تكون أن مخففة من المثقلة ، وفيه ضمير الشأن ولا تطوفي مجزوم ، والمعنى لا تطوفي ما دمت حائضا ؛ لفقدان شرط صحة الطواف ، وهو الطهارة . قوله : ( بالبقر ) ويروي بالبقرة ، والفرق بينهما كتمرة وتمر ، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من بقرة واحدة .

( ذكر استنباط الأحكام ) : منها أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام ينبغي لها أن تأتي بأفعال الحج كلها ، غير أنها لا تطوف بالبيت ، فإذا طافت قبل أن تتطهر فعليها بدنة ، وكذلك النفساء والجنب عليهما بدنة بالطواف قبل التطهر عن النفاس والجنابة ، وأما المحدث فإن طاف طواف القدوم فعليه صدقة . وقال الشافعي : لا يعتد به والطهارة من شرطه عنده ، وكذا الحكم في كل طواف هو تطوع ، ولو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة ، وإن كان جنبًا فعليه بدنة ، وكذا الحائض والنفساء . ومنها جواز البكاء والحزن لأجل حصول مانع للعبادة .

ومنها جواز التضحية ببقرة واحدة لجميع نسائه . ومنها جواز تضحية الرجل لامرأته . وقال النووي : هذا محمول على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم استأذنهن في ذلك ، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه .

قلت : هذا في الواجب ، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن ، فاستدل مالك به على أن التضحية بالبقر أفضل من البدنة ، ولا دلالة له فيه ، والأكثرون منهم الشافعي ذهبوا إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة ، لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة . وهذا الحديث الذي رواه البخاري هاهنا حديث طويل فيه أحكام كثيرة وخلافات بين العلماء ، وموضعها كتاب الحج .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث