حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل

( باب الصلاة إلى الراحلة ، والبعير ، والشجر ، والرحل ) أي هذا باب في بيان حكم الصلاة بالتوجه إلى الراحلة ، إلى آخره ، والراحلة الناقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة ، وتمام الخلق ، وحسن النظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت ، والهاء فيه للمبالغة ، كما يقال : رجل داهية وراوية ، وقيل : إنما سميت راحلة ؛ لأنها ترحل ، قال الله تعالى : فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : مرضية ، والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس ، يقال للجمل بعير ، وللناقة بعير ، وبنو تميم يقولون : بعير وشعير بكسر الباء ، والشين ، والفتح هو الفصيح ، وإنما يقال له : بعير إذا أجذع ، والجمع أبعرة في أدنى العدد ، وأباعر في الكثير ، وأباعير وبعران ، وهذه عن الفراء ، ومعنى أجذع إذا دخل في السنة الخامسة ، ( فإن قلت ) : إذا أطلق البعير على الناقة ، والراحلة هي الناقة ، فما فائدة ذكر البعير ؟ ( قلت ) : ذهب بعضهم إلى أن الراحلة لا تقع إلا على الأنثى ، ولأجل ذلك أردفه بالبعير ، فإنه يقع عليهما . قوله : ( والشجر ) هو المعروف ، وفي

حديث علي رضي الله تعالى عنه ، قال : ( لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح ) رواه النسائي بإسناد حسن
. قوله : ( والرحل ) بفتح الراء ، وسكون الحاء المهملة ، وهو للبعير ، أصغر من القتب ، وهو الذي يركب عليه ، وهو الكور بضم الكاف ، ( فإن قلت ) : حديث الباب لا يدل إلا على الصلاة إلى البعير ، والشجر ، ( قلت ) : كأنه وضع الترجمة على أنه يأتي لكل جزء منها بحديث ، فلم يجد على شرطه إلا حديث الباب ، وهو يدل على الصلاة إلى الراحلة ، والرحل ، واكتفى به عن بقية ذلك بالقياس على الراحلة ، وقد روى غيره في الصلاة إلى البعير ، والشجر ، أما الصلاة إلى البعير فرواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة ، ووهب بن بقية ، وعبد الله بن سعيد ، قال عثمان : أخبرنا أبو خالد ، قال: أخبرنا عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بعيره ) وأما الصلاة إلى الشجر فقد ذكرناه الآن عن النسائي .

156 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري ، قال : حدثنا معتمر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها . قلت : أفرأيت إذا هبت الركاب ، قال : كان يأخذ هذا الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته ، أو قال : مؤخره ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يفعله . مطابقته للترجمة في قوله : ( يعرض راحلته فيصلي إليها ) ، وفي قوله : ( كان يأخذ الرحل ) إلى آخره ، وأما ذكر البعير ج٤ / ص٢٨٧والشجر في الترجمة ، فقد ذكرنا وجهه آنفا .

( ذكر رجاله ) : وهم أربعة ، تكرر ذكرهم ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وأخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن أحمد بن حنبل ، ولفظه ( آخرة الرحل ) ، وأخرجه أيضا من حديث أبي ذر ، وأبي هريرة ، وأخرج النسائي من حديث عائشة ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي ، فقال : مثل مؤخرة الرحل ) ( ذكر معناه ) : قوله : ( يعرض ) بتشديد الراء من التعريض ، أي : يجعلها عرضا . قوله : ( أفرأيت ) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة ، أي : أرأيت في تلك الحالة ، فرأيت في هذه الحالة الأخرى ، والمعنى أخبرني عن هذه ، وفي بعض النسخ ( أرأيت ) بدون الفاء ، ( فإن قلت ) : من السائل هنا ، ومن المسؤول عنه ؟ ( قلت ) : الذي يدل عليه الظاهر أنه كلام نافع ، وهو السائل ، والمسؤول عنه هو ابن عمر ، ولكن وقع في رواية الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر أنه كلام عبيد الله ، والمسؤول نافع ، فعلى هذا يكون هو مرسلا ؛ لأن فاعل يأخذ هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يدركه نافع .

قوله : ( إذا هبت الركاب ) هبت بمعنى هاجت وتحركت ، يقال : هب الفحل إذا هاج ، وهب العير في السير إذا نشط ، وقال ابن بطال : هبت ، أي : زالت عن موضعها وتحركت ، يقال : هب النائم من نومه إذا قام ، وقيده الأصيلي بضم الهاء ، والفتح أصوب ، والركاب بكسر الراء وتخفيف الكاف الإبل التي يسار عليها ، والواحد الراحلة ، ولا واحد لها من لفظها ، والجمع الركب مثل الكتب . قوله : ( فيعدله ) من التعديل ، وهو تقويم الشيء ، يقال : عدلته فاعتدل ، أي : قومته فاستقام ، والمعنى يقيمه تلقاء وجهه ؛ لأن الإبل إذا هاجت شوشت على المصلي لعدم استقرارها ، فحينئذ كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعدل عنها إلى الرحل فيجعله سترة ، وقد ضبط بعضهم فيعدله بفتح أوله ، وسكون العين ، وكسر الدال ، ثم فسره بقوله ، أي : يقيمه تلقاء وجهه ، والصواب ما ذكرناه ؛ لأنه من باب فعل بالتشديد ، لكنه يأتي بمعنى فعل بالتخفيف ، كما يقال : زلته وزيلته ، وكلاهما بمعنى فرقته . قوله : ( إلى أخرته ) بفتح الهمزة ، والخاء ، والراء بلا مد ، أي : فصلى إلى أخرة الرحل ، ويجوز المد في الهمزة ، ولكن بكسر الخاء ، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب .

قوله : ( أو قال مؤخرته ) في ضبطه وجوه ، الأول : بضم الميم ، وكسر الخاء ، وهمزة ساكنة ، قاله النووي ، والثاني : بفتح الهمزة ، وفتح الخاء المشددة ، والثالث : إسكان الهمزة ، وتخفيف الهاء ، وقال أبو عبيد : يجوز كسر الخاء ، وفتحها ، وأنكر ابن قتيبة الفتح ، وقال ابن مكي : لا يقال : مقدم ومؤخر بالكسر إلا في العير خاصة ، وأما في غيرها ، فلا يقال إلا بالفتح فقط ، وقال الجوهري : مؤخرة الرحل لغة قليلة في أخرته ، وقال ابن التين : رويناه بفتح الهمزة وتشديد الخاء ، وفتحها ، وقال القرطبي : مؤخرة الرحل هو العود الذي يكون في آخر الرحل بضم الميم ، وكسر الخاء ، والرابع : روى بعضهم بفتح الهمزة ، وتشديد الخاء . قوله : ( وكان ابن عمر يفعله ) مقول نافع ، والضمير المنصوب في يفعله يرجع إلى كل واحد من التعريض ، والتعديل اللذين يدل عليهما قوله : يعرض . وقوله : فيعدله من قبيل قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي : العدل أقرب للتقوى ، فافهم .

( ذكر ما يستفاد منه ) : قال الخطابي : فيه دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان ، قال ابن بطال : وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر ، وقال القرطبي : في هذا الحديث دليل على جواز التستر بالحيوان ، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء ، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها ، وإما لأنهم كانوا يتخلون بها مستترين بها ، وقيل : علة النهي في ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب الصلاة في مواضع الإبل .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث