حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة

( باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة ) . أي هذا باب ترجمته إذا كان إلى آخره ، وجواب إذا محذوف ، تقديره : لا يضره ذلك ، والمسألة فيها خلاف ، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز وهو مذهب المالكية أيضا ، وهو المنقول عن أنس ، وأبي هريرة ، وابن سيرين ، وسالم ، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام ، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق ، وقال مالك : لا بأس أن يصلي وبينه وبين الإمام نهر صغير ، أو طريق ، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه ، وكره ذلك طائفة . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا كان بينه وبين الإمام طريق ، أو حائط ، أو نهر فليس هو معه ، وكره الشعبي ، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق ، وبه قال الليث والأوزاعي وأشهب .

ج٥ / ص٢٦٣( وقال الحسن : لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر ) .

( وقال أبو مجلز : يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق ، أو جدار إذا سمع تكبير الإمام ) .

117 - حدثنا محمد ، قال : أخبرنا عبدة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قصير ، فرأى الناسُ شَخْصَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام أناس يصلون بصلاته ، فأصبحوا ، فتحدثوا بذلك ، فقام ليلة الثانية ، فقام معه أناس يصلون بصلاته ، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثة ، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرج ، فلما أصبح ذكر ذلك الناس ، فقال : إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل . مطابقته للترجمة في قوله : " فقام ناس يصلون بصلاته " ؛ لأنه كان بينه وبينهم جدار الحجرة .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد هو ابن سلام ، قاله أبو نعيم ، وبه جزم ابن عساكر في روايته . الثاني : عبدة بفتح العين ، وسكون الباء الموحدة ابن سليمان الكلابي ، من أنفسهم ، ويقال : العامري الكوفي ، وكان اسمه عبد الرحمن ، وعبدة لقبه ، فغلب عليه ، ويكنى أبا محمد . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري .

الرابع : عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه من غلب لقبه على اسمه ، وهو عبدة ، وفيه رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية ، وفيه أن رواته ما بين البيكندي وهو شيخ البخاري ، وكوفي ، ومدني ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه أن شيخه مذكور بلا نسبة .

( ذكر من أخرجه غيره ) ، أخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي خيثمة زهير بن حرب ، عن هشيم بن بشير ، عن يحيى به مختصرا . ( ذكر معناه ) قوله : " في حجرته" : أي في حجرة بيته يدل عليه ذكر جدار الحجرة ، وأوضح منه رواية حماد بن زيد ، عن يحيى عند أبي نعيم بلفظ : " كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه " ، والحجرة : الموضع المنفرد من الدار ، قوله : " شخص النبي - صلى الله عليه وسلم – " الشخص : سواد الإنسان وغيره ، يراه من بعيد ، وإنما قال بلفظ الشخص ؛ لأنه كان ذلك بالليل ، ولم يكونوا يبصرون منه إلا سواده . قوله : " فقام ناس " ، وفي رواية الكشميهني : " فقام أناس " بزيادة همزة في أوله ، قوله : " بصلاته " : أي متلبسين بصلاته ، أو مقتدين بها ، قوله : " فأصبحوا " : أي دخلوا في الصباح ، وهي تامة ، قوله : " فقام ليلة الثانية " هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي : " فقام الليلة الثانية " وجه الرواية الأولى أن فيه حذفا تقديره : ليلة الغداة الثانية ، وقال الكرماني : الليلة مضافة إلى الثانية من باب إضافة الموصوف إلى صفته .

قوله : " ذلك " : أي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : " إذا كان " : أي الوقت والزمان ، قوله : " فلم يخرج " : أي إلى الموضع المعهود الذي كان صلى فيه تلك الليالي فلم يروا . ج٥ / ص٢٦٤شخصه قوله : " فلما أصبح ذكر ذلك الناس " : أي للنبي – صلى الله عليه وسلم - ، وذكر عبد الرزاق أن الذي خاطبه بذلك عمر رضي الله تعالى عنه ، أخرجه معمر ، عن الزهري ، عن عروة عنها . قوله : " أن تكتب " : أي تفرض ، وقال الخطابي : قد يقال عليه : كيف يجوز أن تكتب علينا صلاة وقد أكمل الله الفرائض ، ورد عدد الخمسين منها إلى الخمس ، فقيل : إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأفعاله التي تفضل بالشريعة واجب على الأمة الائتساء به فيها ، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل يقتدون به ، ويرونه واجبا ، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الخروج في الليلة الرابعة ، وترك الصلاة فيها ؛ لئلا يدخل ذلك الفعل في الواجبات ، كالمكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به ، فالزيادة إنما تجب عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا من جهة إنشاء فرض يستأنف زائدا ، وهذا كما يوجب الرجل على نفسه صلاة نذر ، ولا يدل ذلك على زيادة جملة في الشرع المفروض في الأصل .

وفيه وجه آخر وهو : أن الله تعالى فرض الصلاة أولا خمسين ، ثم حط بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معظمها ؛ تخفيفا عن أمته ، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت ، وتبرعت بالعمل به لم يستنكر أن يكتب فرضا عليهم ، وقد ذكر الله عن النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم ، ثم لما قصروا فيها لحقتهم الملامة في قوله : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فأشفق – صلى الله عليه وسلم - أن يكون سبيلهم أولئك ، فقطع العمل به ؛ تخفيفا عن أمته . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه ما قاله المهلب : جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إماما في تلك الصلاة ؛ لأن الناس ائتموا به – صلى الله عليه وسلم - من وراء الحائط ، ولم يعقد النية معهم على الإمامة ، وهو قول مالك والشافعي . ( قلت ) : هو مذهب أبي حنيفة أيضا ، إلا أن أصحابنا قالوا : لا بد من نية الإمامة في حق النساء ، خلافا لزفر .

وفيه : أن فعل النوافل في البيت أفضل ، وقال ابن القاسم ، عن مالك : إن التنفل في البيوت أفضل إلي منه في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا للغرباء . وفيه : جواز النافلة في جماعة ، وفيه أيضا : شفقته – صلى الله عليه وسلم - على أمته ؛ خشية أن تكتب عليهم صلاة الليل ، فيعجزوا عنها ، فترك الخروج ؛ لئلا يخرج ذلك الفعل منه . وفيه : أن الجدار ونحوه لا يمنع الاقتداء بالإمام ، وعليه ترجمة الباب .

( قلت ) : إنما يجوز ذلك إذا لم يلتبس عليه حال الإمام .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث