باب الالتفات في الصلاة
( باب الالتفات في الصلاة ) . ج٥ / ص٣١٠139 - حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا أشعث بن سليم ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة ؟ فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد .
وجه مطابقته للترجمة ظاهر جدا . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : مسدد بن مسرهد . الثاني : أبو الأحوص سلام بتشديد اللام ابن سليم بضم السين الحافظ الكوفي .
الثالث : أشعث بن سليم بضم السين المحاربي الكوفي . الرابع : أبوه سليم بن الأسود بن المحاربي الكوفي أبو الشعثاء . الخامس : مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي .
السادس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ما خلا شيخ البخاري فإنه بصري ، وفي سند هذا الحديث اختلاف على أشعث ، والراجح رواية أبي الأحوص ، ووافقه زائدة عند النسائي ، قال : أخبر عمرو بن علي قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا زائدة ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " إلى آخره نحو رواية البخاري ، ووافقه أيضا شيبان عند ابن خزيمة ، ومسعر عند ابن حبان ، وخالفهم إسرائيل فرواه عن أشعث ، عن أبي عطية ، عن مسروق ، ووقع عند البيهقي من رواية مسعر ، عن أشعث عن أبي وائل ، وهذه الرواية شاذة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في صفة إبليس ، عن الحسن بن الربيع ، عن أبي الأحوص ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد به ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن ابن مهدي ، عن زائدة ، عن أشعث نحوه ، وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي ، عن إسرائيل ، عن أشعث ، عن أبي عطية ، عن مسروق به .
وعن أحمد بن بكار الحراني ، عن مخلد بن يزيد الحراني ، لا بأس به عن إسرائيل ، عن أشعث عن أبي عطية ، عن مسروق به . وعن هلال بن العلاء عن الْمُعَافَى ، وهو ابن سليمان ، عن القاسم بن معن ، عن الأعمش ، عن عمارة ، وهو ابن عمير ، عن أبي عطية قال : قالت عائشة : إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة ، وأبو عطية اسمه مالك بن عامر . ( ذكر معناه ) قوله : " هو اختلاس " وهو الاختطاف بسرعة ، وفي النهاية لابن الأثير : الاختلاس افتعال من الخلسة ، وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة ، قوله : " يختلس الشيطان " كذا هو بحذف الضمير الذي هو المفعول في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : " يختلسه " بإظهار الضمير المنصوب ، وكذا هو في رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاري ، والمعنى أن المصلي إذا التفت يمينا أو شمالا يظفر به الشيطان في ذلك الوقت ، ويشغله عن العبادة ، فربما يسهو أو يغلط ؛ لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود ، ولما كان هذا الفعل غير مرضي عنه نسب إلى الشيطان ، وعن هذا قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة ، وقال الطيبي : المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع ، فاستعير لذهابه اختلاس الشيطان تصويرا لقبح تلك الفعلة ، أو أن المصلي مستغرق في مناجاة ربه ، وأنه تعالى يقبل عليه ، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه ، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه ، وقال ابن بزيزة : أضيف إلى الشيطان ؛ لأن فيه انقطاعا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى ، ثم إن الإجماع على أن الكراهية فيه للتنزيه ، وقال المتولي من الشافعية : إنه حرام ، وقال الحكم : من تأمل من عن يمينه أو شماله في الصلاة حتى يعرفه فليست له صلاة ، وقال أبو ثور : إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته ، وإذا التفت عن يمينه أو شماله مضى في صلاته ، ورخص فيه طائفة ، فقال ابن سيرين : رأيت أنس بن مالك يشرف إلى الشيء في صلاته ينظر إليه ، وقال معاوية بن قرة : قيل لابن عمر : إن ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت ، قال : لكنا نتحرك ونلتفت ، وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالا ، وكان ابن مغفل يفعله ، وقال مالك : الالتفات لا يقطع الصلاة ، وهو قول الكوفيين ، وقول عطاء ، والأوزاعي ، وقال ابن القاسم ج٥ / ص٣١١فإن التفت بجميع بدنه لا يقطع الصلاة ، ووجهه أنه – صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يأمر منه بالإعادة حين أخبر أنه اختلاس من الشيطان ، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها ؛ لأنه نصب معلما ، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرة بعد أخرى ، وقال القفال في فتاويه : وإذا التفت في صلاته التفاتا كثيرا في حال قيامه إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته ، وإن كان في بعضه فلا ؛ لأنه عمل يسير قال : وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز ؛ لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده ، قال : ولو حول أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته ؛ لأنه عمل كثير ، وممن كان لا يلتفت فيها الصديق والفاروق ، ونهى عنه أبو الدرداء ، وأبو هريرة ، وقال ابن مسعود : إن الله لا يزال ملتفتا إلى العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث أو يلتفت .
وقال عمرو بن دينار : رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر فجاءه حجر قدامه ، فذهب بطرف ثوبه فما التفت ، وقال ابن أبي مليكة : إن ابن الزبير كان يصلي بالناس ، فدخل سيل في المسجد فما أنكر الناس من صلاته شيئا حتى فرغ ، وفي المبسوط حد الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتى يخرج من جهة القبلة ، والالتفات عن يمنة أو يسرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه ، فلو انحرف بجميع بدنه تفسد صلاته ، ولو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه لا يكره على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب ، منها :
حديث أنس أخرجه الترمذي عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصلاة هلكة قال : فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة " ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وانفرد بهذا الحديث. ومنها :
حديث أبي ذر أخرجه أبو داود والنسائي عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتف ، فإذا صرف وجهه انصرف عنه " ، ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ومنها :
حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " فذكر حديثا في آخره : " إياكم والالتفات في الصلاة ؛ فإنه لا صلاة لملتفت ، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة " . وفيه عطاء بن عجلان وهو ضعيف. ومنها
حديث جابر أخرجه البزار في مسنده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ، فإذا التفت قال : يا ابن آدم ، إلى من تلتفت ؟ إلى من هو خير لك مني ! أقبل إلي ، فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك ، وإذا التفت الثالثة صرف الله تعالى وجهه عنه " ، وفيه الفضل بن عيسى وهو ضعيف.
ومنها :
حديث عبد الله بن سلام أخرجه الطبراني أيضا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا صلاة لملتفت " ، وفيه الصلت بن طريف قال الدارقطني : مضطرب الحديث. ومنها : حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني أيضا ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والالتفات في الصلاة ؛ فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في صلاته "
حديث آخر عن أنس أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه ، وملك ينادي : لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفتل " وفيه عباد بن كثير قال ابن حبان : هو عندي لا شيء في الحديث ، قال : وكان ابن معين يوثقه ، وليس هذا بعباد بن كثير الثقفي ساكن مكة ، ومن الناس من جعلهما واحدا ، وفيه نظر ، وجه النظر أن عباد بن كثير الذي في سند الحديث المذكور روى عن الثوري ، وروى عنه يحيى بن يحيى ، والثقفي مات قبل الثوري ، وأبى الثوري أن يشهد جنازته ، ويحيى بن يحيى كان طفلا صغيرا.