حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب

حدثنا أحمد قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسان منهم ، وهو عندي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي . ذكر رجاله : وهم سبعة : الأول : أحمد بن صالح ، كذا في رواية أبي ذر ، وبه قال ابن السكن ، وذكر الجياني أن البخاري روى عن أحمد يعني غير مسمى عن ابن وهب في كتاب الصلاة في موضعين .

وقال : حدثنا أحمد حدثنا ابن وهب قال : ونسبه أبو علي بن السكن في نسخته ، فقال : أحمد بن صالح المصري . وقال الحاكم : روى البخاري في كتاب الصلاة في ثلاثة مواضع عن أحمد عن ابن وهب فقيل : إنه ابن صالح المصري ، وقيل : ابن عيسى التستري ، ولا يخلو أن يكون واحدا منهما ، فقد روى عنهما في ( الجامع ) ، ونسبهما في مواضع ، وذكر أبو نصر الكلاباذي قال : قال لي أبو أحمد يعني الحاكم : أحمد عن ابن وهب في ( الجامع ) هو ابن أخي ابن وهب . وقال الحاكم أبو عبد الله : من قال هذا فقد وهم وغلط ، دليله أن المشايخ الذين ترك البخاري الرواية عنهم في ( الجامع ) فقد روى عنهم في سائر مصنفاته كابن صالح وغيره ، وليس له عن ابن أخي ابن وهب رواية في موضع ، فهذا يدل على أنه لم يكتب عنه أو كتب عنه ، ثم ترك الرواية عنه أصلا .

وقال الكلاباذي : قال ابن منده : كلما قال البخاري في ( الجامع ) حدثنا أحمد عن ابن وهب فهو ابن صالح ، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في ( الصحيح ) ، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه . الثاني : عبد الله بن وهب المصري ، الثالث : عمرو بن الحارث مر في باب المسح على الخفين ، الرابع : عبيد الله بن أبي جعفر الأموي القرشي ، واسم أبي جعفر يسار أحد أعلام مصر ، مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومائة ، الخامس : محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام القرشي ، السادس : عروة بن الزبير بن العوام ، السابع : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن الأربعة من الرواة مصريون ، وهم : شيخه ، وثلاثة بعده متناسقون ، واثنان بعدهما مدنيان ، وفيه رواية الرجل عن عمه .

ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن هارون بن سعيد ، وأحمد بن عيسى كلاهما عن ابن وهب ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن صالح عن ابن وهب . ذكر معناه : قوله : ينتابون الجمعة أي : يحضرونها بالنوبة ، وهو من الانتياب من النوبة ، وهو المجيء نوبا ويروى يتناوبون من النوبة أيضا ، قوله : والعوالي جمع العالية ، وهي مواضع وقرى بقرب مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جهة المشرق من ميلين إلى ثمانية أميال ، وقيل : أدناها من أربعة أميال ، قوله : فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار كذا وقع لأكثر الرواة ، وعند القابسي : فيأتون في العباء بفتح العين المهملة ، وبالمد : جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان ، وكذا شرحه النووي في ( شرحه ) ؛ لأنه عند مسلم كذا هو ، وكذا عند الإسماعيلي وغيرهما ، وهو الصواب . قوله : إنسان منهم وفي رواية الإسماعيلي أناس منهم ، قوله : لو أنكم تطهرتم كلمة لو تقتضي دخولها على الفعل ، تقديره : لو ثبت تطهركم ، ثم إن لو هذه يجوز أن تكون للتمني ، فلا تحتاج إلى جواب ، ويجوز أن تكون على أصلها ، والجزاء محذوف تقديره لكان حسنا .

ذكر ما يستفاد منه : اختلف العلماء في هذا الباب ، أعني في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر ، فقالت طائفة : تجب على من آواه الليل إلى أهله ، وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية ، وهو قول نافع ، والحسن ، وعكرمة ، والحكم ، والنخعي ، وأبي عبد الرحمن السلمي ، وعطاء ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، حكاه ابن المنذر عنهم لحديث أبي هريرة مرفوعا : الجمعة على من آواه الليل إلى أهله ، رواه الترمذي ، والبيهقي ، وضعفاه ، ونقل عن أحمد أنه لم يره شيئا ، وقال لمن ذكره له : استغفر ربك ، استغفر ربك . ومعنى هذا الحديث أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار قبل دخول الليل ، وقالت طائفة : إنها تجب على من سمع النداء ، روي ذلك عن عبد الله بن عمر أيضا ، وحكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق ، وحكاه ابن العربي عن مالك أيضا ، واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أخرجه أبو داود من رواية سفيان عن محمد بن سعيد ، عن أبي سلمة بن نبيه ، عن عبد الله بن هارون ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة على من سمع النداء ، قال أبو داود : روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورا على عبد الله بن عمرو ، ولم يرفعوه ، ورواه الدارقطني من رواية الوليد ، عن زهير بن محمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما الجمعة على من سمع النداء ، والوليد هو ابن مسلم ، وزهير ابن محمد كلاهما من رجال ( الصحيح ) ، لكن زهيرا روى عنه أهل الشام مناكير منهم الوليد ، والوليد مدلس ، وقد رواه بالعنعنة ، فلا تصح ، وقد رواه الدارقطني أيضا من رواية محمد بن الفضل بن عطية عن حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة على من يهدئ الصوت ، قال داود بن رشيد : يعني حيث يسمع الصوت ، ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف جدا ، والحجاج هو ابن أرطاة ، وهو مدلس مختلف في الاحتجاج به . وقال ابن العربي : الوجوب على من سمع النداء عند الشافعي قال : وتعليقه السعي على سماع النداء يسقطه عمن كان في المصر الكبير إذا لم يسمعه ، وقالت طائفة : يجب على أهل المصر ، ولا يجب على من كان خارج المصر ، سمع النداء أو لم يسمعه ، قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : وهو قول أبي حنيفة بناء على قوله : إن الجمعة لا تجب على أهل القرى والبوادي ما لم يكن في المصر ورجحه القاضي أبو بكر بن العربي ، وقال : إن الظاهر مع أبي حنيفة رضي الله عنه .

قلت : مذهب أبي حنيفة أن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر نحو مصلى العيد ، وفي المفيد والإسبيجابي والتحفة : لا تجب الجمعة عندنا إلا في مصر جامع أو فيما هو في حكمه كمصلى العيد ، وفي ( جوامع الفقه ) : وأرباض المصر كالمصر ، وفي ( الينابيع ) : لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه ، قال : وهذا أصح ما قيل فيه ، وفي ( قاضيخان ) عن أبي يوسف : هو رواية عنه ، وعنه من ثلاثة فراسخ ، وعنه إذا شهد الجمعة ، فإن أمكنه المبيت بأهله لزمته الجمعة ، واختاره كثير من مشايخنا ، وفي ( الذخيرة ) : في ظاهر رواية أصحابنا : لا يجب شهود الجمعة إلا على من يسكن المصر والأرباض دون السواد سواء كان قريبا من مصر أو بعيدا عنها ، وعن محمد : إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال فعليه الجمعة ، وهو قول مالك ، والليث ، وفي ( منية المفتي ) : على أهل السواد الجمعة إذا كانوا على قدر فرسخ هو المختار ، وعنه إذا كان أقل من فرسخين تجب ، وفي الأكثر لا ، وفي رواية : كل موضع لو خرج الإمام إليه صلى الجمعة فتجب ، وعن معاذ بن جبل : يجب الحضور من خمسة عشر فرسخا . وقال ابن المنذر : يجب عند ابن المنكدر ، وربيعة ، والزهري في رواية : من أربعة أميال ، وعن الزهري : من ستة أميال ، وحكاه ابن التين عن النخعي ، وعن مالك ، والليث : ثلاثة أميال ، وحكى أبو حامد عن عطاء : عشرة أميال . واختلف أصحاب مالك هل مراعاة ثلاثة أميال من المنار أو من طرف المدينة ، فالأول قاله القاضي أبو محمد ، والثاني قاله محمد بن عبد الحكم ، وعن حذيفة : ليس على من من على رأس ميل جمعة .

وقال صاحب التوضيح : في حديث الباب رد لقول الكوفيين : إن الجمعة لا تجب على من كان خارج المصر ؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا يتناوبون الجمعة ، فدل على لزومها عليهم . قلت : هذا نقله عن القرطبي ، وهو ليس بصحيح ؛ لأنه لو كان واجبا على أهل العوالي ما تناوبوا ، ولكانوا يحضرون جميعا . وفيه من الفوائد : رفق العالم بالمتعلم ، واستحباب التنظيف لمجالسة أهل الخير ، واجتناب أذى المسلم بكل طريق ، وحرص الصحابة على امتثال الأمر ، ولو شق عليهم .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث