حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس

باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس

أي هذا باب في بيان أن وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس من كبد السماء .

وقال بعضهم : جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده . قلت : لا حاجة إلى القيد بلفظ عنده ؛ لأن عند غيره أيضا من جماهير العلماء : أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس .

( وكذلك يروى عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشير ، وعمرو بن حريث رضي الله عنهم ) .

أي كما ذكرنا : إن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كذلك روي عن هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهذه أربع تعاليق .

الأول : عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حين تزول الشمس ، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال : فلما كان يوم الجمعة ، وزالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر .

الثاني : عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن أبي العنبس عمرو بن مروان ، عن أبيه ، قال : كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس .

وقال ابن حزم : روينا عن أبي إسحاق قال : شهدت علي بن أبي طالب يصلي الجمعة إذا زالت الشمس .

الثالث : عن النعمان بن بشير فرواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبيد الله بن موسى عن سماك قال : كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس ، انتهى .

وكان النعمان أميرا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية .

الرابع : عن عمرو بن حريث فرواه ابن أبي شيبة أيضا من طريق الوليد بن العيزار قال : ما رأيت إماما كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث ، فكان يصليها إذا زالت الشمس . إسناده صحيح ، وكان عمرو ينوب عن زياد ، وعن ولده في الكوفة أيضا ، فإن قلت : لم اقتصر البخاري على هؤلاء الصحابة دون غيرهم ؟ قلت : قيل : لأنه نقل عنهم خلاف ذلك ، وفي التوضيح : لأنه روى عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت ، قاله ابن بطال ، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال : كنا نصلي مع علي الجمعة فأحيانا نجد فيئا ، وأحيانا لا نجد ، وروي أيضا عن طريق عبد الله بن سلمة بكسر اللام ، وقال : صلى بنا عبد الله يعني ابن مسعود الجمعة ضحى ، وقال : خشيت عليكم الحر ، وروي أيضا من طريق سعيد بن سويد قال : صلى بنا معاوية الجمعة ضحى ، وروي أيضا عن غندر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن مصعب بن سعد قال : كان سعد يقيل بعد الجمعة . قلت : الجواب عما روي عن علي رضي الله تعالى عنه إنه محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلا .

وأما الذي روي عن ابن مسعود ففيه عبد الله ، وهو صدوق ، ولكنه تغير لما كبر قاله شعبة وغيره .

وأما الذي روي عن معاوية ففي سنده سعيد ، ذكره ابن عدي في الضعفاء ، وقال البخاري : لا يتابع على حديثه .

وأما الذي روي عن سعد فلا يدل على فعلها قبل الزوال ؛ بل إنه كان يؤخر النوم للقائلة إلى بعد الزوال لاشتغاله بالتهيئة إلى الجمعة من الغسل والتنظيف أو لتبكيره إليها .

26 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة فقالت : قالت عائشة رضي الله عنها : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا

[6/200]

إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم : لو اغتسلتم .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا " لأن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال ، فإن قلت : روي عن الزهري أنه قال : المراد بالرواح في قوله : " من اغتسل يوم الجمعة " ثم راح الذهاب مطلقا ، فإذا كان كذلك لا توجد المطابقة بين الحديث والترجمة ، قلت : إما يكون مجازا أو مشتركا ، فعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصة في قوله : " من راح في الساعة الأولى " قائمة في إرادة مطلق الذهاب ، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال .

( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : عبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال المهملة ، وبعد الألف نون ، واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي أبو عبد الرحمن المروزي مات سنة إحدى وعشرين ومائتين ، الثاني : عبد الله بن المبارك ، الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري ، الرابع : عمرة بفتح العين المهملة وسكون الميم بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية ، الخامس : عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه السؤال ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه شيخ البخاري مذكور باللقب ، وفيه رواية التابعية عن الصحابية ، وفيه رواية التابعي عن التابعية ، وفيه من الرواة مروزيان ، وهما شيخه ، وشيخ شيخه ، ومدني ، ومدنية ، وهما يحيى ، وعمرة .

( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن محمد بن رمح عن الليث ، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد به .

( ذكر معناه ) قوله : " مهنة أنفسهم " بفتح الميم والهاء والنون ، جمع ماهن ككتبة جمع كاتب ، والماهن الخادم ، وحكى ابن التين أنه روي بكسر الميم وسكون الهاء ، وهو مصدر ، ومعناه : أصحاب خدمة أنفسهم .

قلت : هي رواية أبي ذر ، وفي رواية مسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد : كان الناس أهل عمل ، ولم يكن لهم كفاءة ، أي : لم يكن لهم من يكفيهم العمل من الخدم ، قوله : " إذا راحوا " أي : إذا ذهبوا بعد الزوال ؛ لأن حقيقة الرواح بعد الزوال عند أكثر أهل اللغة ، وفيه سؤال ذكرناه عن قريب مع جوابه ، قوله : " لو اغتسلتم " كلمة لو ، إما للتمني ، فلا تحتاج إلى جواب ، وإما على أصلها فجوابها محذوف ، نحو : لكان حسنا ، ونحو ذلك .

( ومما يستفاد منه ) أن وقت الجمعة بعد الزوال ، وهو وقت الظهر ، وأن الاغتسال مستحب لإزالة الرائحة الكريهة حتى لا يتأذى الناس ؛ بل الملائكة أيضا - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث