باب المشي إلى الجمعة
حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا يزيد بن أبي مريم قال : حدثنا عباية بن رفاعة قال : أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار مطابقته للترجمة من حيث إن الجمعة تدخل في قوله : في سبيل الله لأن السبيل اسم جنس مضاف فيفيد العموم ، ولأن أبا عبس جعل حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد . ذكر رجاله ، وهم خمسة : علي بن عبد الله بن المديني قد تكرر ذكره ، والوليد بن مسلم قد مر في باب وقت المغرب ، ويزيد بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي ابن أبي مريم أبو عبد الله الأنصاري الدمشقي إمام جامعها ، مات سنة أربع وأربعين ومائة ، وعباية بفتح العين المهملة ، والباء الموحدة المخففة ، وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة ، ابن رفاعة بكسر الراء وتخفيف الفاء ، وبعد الألف عين مهملة ابن رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة ، وبالجيم الأنصاري ، وأبو عبس بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ، وفي آخره سين مهملة ، واسمه عبد الرحمن على الصحيح ابن جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وبالراء . وقال الذهبي : وقيل : جابر بن عمرو الأنصاري الأوسي الحارثي ، بدري مشهور .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن الأولين من الرواة مدنيان ، والآخران دمشقيان ، وفيه أنه ليس للبخاري في الكتاب من أبي عبس إلا هذا الحديث الواحد ، وفيه أن يزيد هذا من أفراد البخاري ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ؛ لأن يزيد ابن أبي مريم رأى واثلة بن الأسقع . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ، أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن إسحاق عن محمد بن المبارك ، وأخرجه الترمذي في الجهاد عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم به ، وقال: حديث حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الجهاد أيضا كذلك ، ولفظه قال يزيد بن أبي مريم : لحقني عباية بن رافع بن خديج ، وأنا ماش إلى الجمعة ، فقال : أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله ؛ سمعت أبا عبس يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرام على النار ، وزاد الإسماعيلي في روايته ، وهو راكب ، فقال : احتسب خطاك هذه فذكر الحديث ، والظاهر أن القصة المذكورة وقعت لكل منهما ، والله أعلم ، وفي الباب عن ابن عمر رواه الفلاس عن أبي نصر التمار عن كوثر بن حكيم عن نافع عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : حرمها الله على النار ، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه عند ابن المقري ، ولفظه ما اغبرت قدما رجل في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار ، وعن معاذ يرفعه عند ابن عساكر ، ولفظه والذي نفسي بيده ما اغبرت قدما عبد ولا وجهه في عمل أفضل عند الله يوم القيامة بعد المكتوبة من جهاد في سبيل الله ، وعن عبادة يرفعه عند المخلص بسند جيد لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ مسلم ، وعن أبي سعيد الخدري مثله عند أبي نعيم ، وعن مالك بن عبد الله النخعي مثله عند أحمد ، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عند الطبراني لا تلثموا من الغبار في سبيل الله فإنه مسك الجنة ، وعن أنس عنده أيضا الغبار في سبيل الله إسفار الوجوه يوم القيامة ، وعن أبي أمامة عند ابن عساكر ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا أمن الله وجهه من النار ، وما من رجل يغبر قدماه في سبيل لله إلا أمن الله قدمه من النار يوم القيامة ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عند الخلعي من اغبرت قدماه في سبيل الله فلن يلج النار أبدا . ذكر معناه : قوله : وأنا أذهب جملة اسمية وقعت حالا ، وكذا وقع عند البخاري أن القصة وقعت لعباية مع أبي عبس .
وعند الإسماعيلي من رواية علي بن بحر وغيره عن الوليد بن مسلم أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية ، وكذا أخرجه النسائي كما ذكرناه عن قريب ، وذكرنا التوفيق بين الروايتين ، قوله : اغبرت قدماه أي : أصابها الغبار ، وإنما ذكر القدمين ، وإن كان الغبار يعم البدن كله عند ثورانه ؛ لأن أكثر المجاهدين في ذلك الزمان كانوا مشاة ، والأقدام تتغبر على كل حال سواء كان الغبار قويا أو ضعيفا ، ولأن أساس ابن آدم على القدمين ، فإذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه عنها ، وكذلك الكلام في ذكر الوجه في سبيل الله .