حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة

حدثنا معاوية بن عمرو قال : حدثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد قال : حدثنا جابر بن عبد الله قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا مطابقته للترجمة من حيث إن الصحابة لما انفضوا حين إقبال العير ، ولم يبق منهم إلا اثنا عشر نفسا أتم النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الجمعة بهم ؛ لأنه لم ينقل أنه أعاد الظهر ، فدل على الترجمة من هذه الحيثية . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي البغدادي أصله كوفي ، مات في جمادى الأولى سنة أربع عشرة ومائتين ، الثاني : زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفي ، الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها نون ابن عبد الرحمن الواسطي ، الرابع : سالم بن أبي الجعد ، واسم أبي الجعد رافع الكوفي ، الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن البخاري روى هنا عن معاوية بن عمرو بلا واسطة ، وروى في مواضع عنه بواسطة عبد الله بن المسندي ، ومحمد بن عبد الرحيم ، وأحمد بن أبي رجاء ، وفيه أن رواته ما بين بغدادي ، وكوفي ، وواسطي ، وقد علم ذلك مما سلف ، وفيه أن مدار هذا الحديث في الصحيحين على حصين المذكور ؛ لأنه تارة يرويه عن سالم بن أبي الجعد وحده ، كما هنا ، وهي رواية أكثر أصحابه ، وتارة عن أبي سفيان طلحة بن نافع وحده ، وهي رواية قيس بن الربيع ، وإسرائيل عند ابن مردويه ، وتارة جمع بينهما عن جابر ، وهي رواية خالد بن عبد الله عند البخاري في التفسير ، وعند مسلم ، وكذا رواية هشيم عنده أيضا .

ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن طلق بن غنام عن زائدة ، وعن محمد هو ابن سلام عن محمد بن فضيل ، وفي التفسير عن حفص بن عمر عن خالد بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن رفاعة بن الهيثم ، وعن إسماعيل بن سالم ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الصلاة عن عبد الله بن أحمد بن عبد الله . ذكر معناه ، قوله : بينما قد مر غير مرة أن أصله بين فزيدت عليه الألف والميم ، وأضيف إلى الجملة بعده ، وقوله : إذا أقبلت جوابه ، ويروى بينا بدون الميم ، قوله : نحن نصلي ظاهره أن انفضاضهم كان بعد دخولهم في الصلاة ، والدليل عليه رواية خالد بن عبد الله عند أبي نعيم في ( المستخرج ) : بينما نحن مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الصلاة ، ولكن وقع عند مسلم ، ورسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يخطب ، وله في رواية بينا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قائم ، وزاد أبو عوانة في ( صحيحه ) ، والترمذي والدارقطني من طريقه يخطب ، فإن قلت : كيف التوفيق بين الكلامين ؟ قلت : قالوا : قوله : نصلي أي : ننتظر الصلاة ، وهو معنى قوله : في الصلاة في رواية أبي نعيم في الخطبة ، وهو من تسمية الشيء بما قاربه . وقال النووي : والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة ليوافق رواية مسلم .

وقال ابن الجوزي : معناه حضرنا الصلاة ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يخطب يومئذ قائما ، وبين هذا في حديث جابر أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يخطب قائما . وقال البيهقي : الأشبه أن يكون الصحيح رواية من روى أن ذلك كان في الخطبة . قلت : إخراج كلام جابر الذي رواه البخاري يؤدي إلى عدم مطابقته للترجمة ؛ لأنه وضع الترجمة في نفور القوم عن الإمام وهو في الصلاة ، وما ذكره يدل على أنهم نفروا والإمام يخطب ، قوله : عير بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، وهي الإبل التي تحمل التجارة طعاما كانت أو غيره ، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها .

وقال الزمخشري في قوله تعالى : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنها الإبل التي عليها الأحمال ؛ لأنها تعير ، أي : تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير بفتح العين ، والمراد أصحاب العير فعلى هذا إسناد الإقبال إلى العير مجاز ، وفي ( المحكم ) ، والجمع عيرات ، وعير ، ونقل عبد الحق في جمعه أن البخاري لم يخرج قوله : إذا أقبلت عير تحمل طعاما وليس كذلك فإنه ثبت هنا ، وفي أوائل البيوع ، نعم ، سقط ذلك في التفسير ، وزاد البخاري في البيوع أنها أقبلت من الشام ، ومثله لمسلم من طريق جرير عن حصين . فإن قلت : لمن كانت العير المذكورة ؟ قلت : في رواية الطبري من طريق السدي أن الذي قدم بها من الشام هو دحية بن خليفة الكلبي . وقال السهيلي : ذكر أهل الحديث أن دحية بن خليفة الكلبي قدم من الشام بعير له تحمل طعاما وبرا ، وكان الناس إذ ذاك محتاجين فانفضوا إليها ، وتركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس : جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه .

فإن قلت : كيف التوفيق بين الروايتين ؟ قلت : قيل : جمع بين هاتين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن ، وكان دحية السفير فيها . قلت : يحتمل أن يكونا مشتركين فصحت نسبتها لكل منهما بهذا الاعتبار ، قوله : فالتفتوا إليها أي : إلى العير ، وفي رواية ابن فضيل في البيوع فانفض الناس ، أي : فتفرق الناس ، وهو موافق لنص القرآن ، فدل هذا على أن المراد من الالتفات الانصراف ، وبهذا يرد على من حمل الالتفات على ظاهره حيث قال : لا يفهم من هذا الانصراف عن الصلاة وقطعها ، وإنما الذي يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم ، ويرد هذا أيضا قوله : حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فإن بقاء اثني عشر رجلا منهم يدل على أن الباقين ما بقوا معه - صلى الله عليه وسلم - . وقال بعضهم : وفي قوله : فالتفتوا الالتفات لأن السياق يقتضي أن يقول فالتفتنا ، وكأن النكتة في عدول جابر عن ذلك أنه هو لم يكن ممن التفت .

قلت : ليس فيه التفات ؛ لأن جابرا رضي الله تعالى عنه كان من الاثني عشر على ما جاء أنه قال : وأنا فيهم ، فيكون هذا إخبارا عن الذين انفضوا ، فلا عدول فيه عن الأصل ، قوله : إلا اثنا عشر استثناء من الضمير الذي في لفظة بقي الذي يعود إلى المصلي ، فإذا كان كذلك يجوز فيه الرفع والنصب ، وجاءت الرواية بهما ، ولا يقال : إن الاستثناء مفرغ فيتعين الرفع ؛ لأن إعرابه على حسب العوامل ؛ لأن ما ذكر يمنع أن يكون مفرغا ، وهنا وجه آخر لجواز الرفع والنصب ، أما الرفع فيكون المستثنى فيه محذوفا ، تقديره : ما بقي أحد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عدد كانوا اثني عشر رجلا . وأما النصب فلإعطاء اثني عشر حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر ، وأربعة عشر وغيرهما ؛ لأن الأصل فيها البناء لتضمنها الحرف فافهم . ثم تعيين عدد الذين بقوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما هو في ( الصحيح ) ، وهم اثنا عشر ، وفي الدارقطني ليس معه - صلى الله عليه وسلم - إلا أربعين رجلا أنا فيهم ، ثم قال الدارقطني : لم يقل كذلك إلا علي بن عاصم عن حصين ، وخالفه أصحاب حصين فقالوا : اثنا عشر رجلا ، وفي ( المعاني ) للفراء إلا ثمانية نفر ، وفي تفسير عبد بن حميد إلا سبعة ، ووقع في ( تفسير الطبري ) ، وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى قتادة قال : قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي وامرأتان ، ولابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وسبع نسوة ، لكن إسناده ضعيف .

وأما تسميتهم فوقع في رواية خالد الطحان عند مسلم أن جابرا قال : أنا فيهم ، وله في رواية هشيم فيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أن سالما مولى أبي حذيفة منهم . وروى العقيلي عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وأناس من الأنصار ، وحكى السهيلي أن أسد بن عمرو روى بسند منقطع أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة ، وبلال ، وابن مسعود . قال : وفي رواية عمار بدل ابن مسعود ، وأهمل جابرا ، وهو منهم ، كما ذكر في الصحيح .

قوله : فنزلت هذه الآية ظاهر هذا أن سبب نزول هذه الآية قدوم العير المذكورة ، وفي ( مراسيل أبي داود ) حدثنا محمود بن خالد ، حدثنا الوليد ، أخبرني بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حبان قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال : إن دحية قدم بتجارته ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفوف ، فخرج الناس لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فأنزل الله عز وجل وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الآية ، فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة فكان أحد لا يخرج لرعاف أو حدث بعد النهي حتى يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يشير إليه بيده ، قال السهيلي : هذا وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحا . وقال عياض : وقد أنكر بعضهم كونه - صلى الله عليه وسلم - خطب قط بعد صلاة الجمعة ، وفي ( سنن الشافعي ) رحمه الله عن إبراهيم بن محمد ، حدثني جعفر بن محمد ، عن أبيه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، وكانت لهم سوق يقال لها البطحاء ، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل ، والإبل ، والسمن ، وقدموا فخرج إليهم الناس ، وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان لهم لهو إذا تزوج أحد من الأنصار يضربونه ، يقال له الكبر فعيرهم الله بذلك ، فقال : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا وهو مرسل ؛ لأن محمد الباقر من التابعين ، ووصله أبو عوانة في ( صحيحه ) ، والطبري يذكر جابرا فيه أنهم كانوا إذ نكحوا تضرب لهم الجواري بالمزامير ، فيشتد الناس إليهم ، ويدعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما فنزلت هذه الآية ، وفي تفسير عبد بن حميد ، حدثنا يعلى عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : قدم دحية بتجارة فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر ، وأخبرني عمرو بن عوف عن هشيم عن يونس عن الحسن قال : فلم يبق معه - صلى الله عليه وسلم - إلا رهط منهم أبو بكر ، وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فنزلت هذه الآية وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً فقال - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ، لو تتابعتم حتى لا يبقى معي أحد منكم لسال بكم الوادي نارا ، حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم جمعة فخطبهم ، فقيل : جاءت عير فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم ، فقال : كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ، ووعظهم ، فقيل : جاءت عير فجعلوا يقومون حتى بقيت منهم عصابة ، فقيل لهم : كم أنتم ؟ فعدوا أنفسهم ، فإذا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال : والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم أولكم لألهب الوادي عليكم نارا ، فأنزل الله تعالى فيها ما تسمعون وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً الآية . حدثنا شيبان عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا قال : كان رجال يقومون إلى نواضحهم ، وإلى السفر يقدمون يتبعون التجارة واللهو ، وفي ( تفسير ابن عباس ) جمع إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن جويبر عن الضحاك عن أبان عن أنس بينما نحن مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة إذ سمع أهل المسجد صوت الطبول والمزامير ، وكان أهل المدينة إذا قدمت عليهم العير من الشام بالبر والزبيب استقبلوها فرحا بالمعازف ، فقدمت عير لدحية ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فتركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - من هاهنا ، فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة : فإذا اثنا عشر رجلا وامرأتان ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : لو اتبع آخركم أولكم لاضطرم الوادي عليكم نارا ، ولكن الله تطول علي بكم فرفع العقوبة بكم عمن خرج فنزلت الآية ، وفي ( تفسير النسفي ) ، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق ، وهو المراد باللهو ، وفيه أيضا بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي ، ثم أحد بني الخزرج ، ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة ، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق ، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره ، فنزل عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، ثم يضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه ، فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه ، فقدم ذات يوم جمعة ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب ، فخرج إليه الناس ، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كم بقي في المسجد ؟ فقالوا : اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء ، وأنزل الله تعالى هذه الآية .

قوله : انفضوا إليها من الانفضاض ، وهو التفرق ، يقال : فضضت القوم فانفضوا ، أي : فرقتهم فتفرقوا ، قال الزمخشري : كيف قال إليها ، وقد ذكر شيئين . قلت : تقديره : إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه ، وكذلك قراءة من قرأ انفضوا إليه ، وقراءة من قرأ لهوا أو تجارة انفضوا إليها ، وقرئ إليهما ، انتهى . وقيل : أعيد الضمير إلى التجارة فقط ؛ لأنها كانت أهم إليهم .

وقال الزجاج : يجوز في الكلام انفضوا إليه ، وإليها ، وإليهما ، ولأن العطف إذا كان ضميرا فقياسه عوده إلى أحدهما لا إليهما ، أو أن الضمير أعيد إلى المعنى دون اللفظ ، أي : انفضوا إلى الرؤية التي رأوها ، أي : مالوا إلى طلب ما رأوه . ذكر ما يستفاد منه : يستفاد من ظاهر حديث الباب أن القوم إذا نفروا عن الإمام ، وهو في صلاة الجمعة ، فصلاة من بقي وصلاة الإمام على حالها ، فلذلك ترجم البخاري الباب بقوله : باب إذا نفر الناس إلى آخره . وقال ابن بطال : اختلف العلماء في الإمام يفتتح صلاة الجمعة بجماعة ، ثم يتفرقون ، فقال الثوري : إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين ، وإن بقي واحد صلى أربعا .

وقال أبو ثور : يصليها جمعة ، انتهى . قلت : إذا اقتدى الناس بالإمام في صلاة الجمعة ، ثم عرض للناس عارض أداهم إلى النفور فنفروا ، وبقي الإمام وحده ، وذلك قبل أن يركع ويسجد ، استقبل الظهر عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : إن نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة صلى الجمعة ، وإن بقي وحده ، وبه قال المزني في قول ، وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى على الجمعة في قولهم جميعا ، خلافا لزفر فعنده يصلي الظهر ، وعند مالك : إن انفضوا بعد الإحرام ، ويئس من رجوعهم بنى على إحرامه أربعا ، وإلا جعلها نافلة ، وانتظرهم ، وإن انفضوا بعد ركعة قال أشهب وعبد الوهاب : يتمها جمعة ، وهو اختيار المزني .

وقال سحنون : هو كما بعد الإحرام فتشترط إلى الانتهاء . وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر صلى الجمعة ، وظاهر كلام أحمد استدامة الأربعين . وقال النووي : لو أحرم بالأربعين المشروطة ، ثم انفضوا ففيه خمسة أقوال أصحها يتمها ظهرا كالابتداء ، وللمزني تخريجان أحدهما يتمها جمعة وحده ، والثاني إن صلى ركعة بسجدتيها أتمها جمعة ، وقيل : إن بقي معه واحد أتمها جمعة نص عليه في القديم ، وذكر ابن المنذر : إن بقي معه اثنان أتمها جمعة ، وهي رواية البويطي .

وقال صاحب ( التقريب ) : يحتمل أن يكتفي بالعبد والمسافر ، وأقام الماوردي الصبي والمرأة مقامهما ، فالحاصل بقاء الأربعين في كل الصلاة هل هو شرط أم لا ؟ قولان : فإن قلنا لا فهل يشترط بقاء عدد أم لا ؟ فقولان ، فإن قلنا : لا ، فهل يفصل بين الركعة الأولى والثانية أم لا ؟ قولان ، فإن قلنا : نعم ، فكم يشترط ؟ قولان : أحدهما ثلاثة ، والآخر اثنان ، فإذا أردت اختصار ذلك قلت : في المسألة خمسة أقوال أحدها يتمها ظهرا كيف ما كان وهو الصحيح ، والثاني جمعة كيف ما كان ، والثالث إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وإلا ظهرا ، والرابع : إن بقي معه واحد أتمها جمعة ، والخامس إن انفضوا أو بعضهم بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وإلا أتمها ظهرا . قلت : الأصل أن الجماعة من شرائط الجمعة لأنها مشتقة منها ، وأجمعت الأمة على أن الجمعة لا تصح من المنفرد إلا ما ذكر ابن حزم في ( المحلى ) عن بعض الناس أن الفذ يصلي الجمعة كالظهر ، ثم أقل الجماعة عند أبي حنيفة ثلاثة سوى الإمام ، وبه قال زفر والليث بن سعد ، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري في قول ، وأبي ثور ، واختاره المزني ، وعند أبي يوسف ومحمد اثنان سوى الإمام ، وبه قال أبو ثور والثوري في قول ، وهو قول الحسن البصري ، ثم الجماعة للجمعة شرط تأكد العقد بالسجدة عند أبي حنيفة ، وعندهما للشروع ، وعند زفر يشترط دوامها كالوقت والطهارة ، وفائدة الخلاف تظهر فيما ذكرناه عنهم الآن . وفي العدد الذي تصح به الجمعة أربعة عشر قولا : ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة ، واثنان سواه عندهما ، وواحد سواه عند النخعي ، والحسن بن حي ، وجميع الظاهرية ، وسبعة عن عكرمة ، وتسعة واثنا عشر عن ربيعة ، وثلاثة عشر وعشرون وثلاثون عن مالك في رواية ابن حبيب ، وأربعون موالي عن عمر بن عبد العزيز ، وأربعون أحرارا بالغين عقلاء مقيمين لا يظعنون صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة عند الشافعي وأحمد في ظاهر قوله ، وخمسون رجلا عن أحمد في رواية ، وعمر بن عبد العزيز في رواية ، وثمانون ذكره المازري ، وغير محدود بعدد ذكره المازري أيضا .

وقال الكرماني : وفي الحديث دليل لمالك حيث قال : تنعقد الجمعة باثني عشر ، وأجاب الشافعي بأنه محمول على أنهم رجعوا أو رجع منهم تمام أربعين فأتم بهم الجمعة : قلت : في استدلال مالك نظر ، وكذا في جواب الشافعية ؛ لأنه لم يرد أنه أتم الصلاة ، ويحتمل أنه أتمها ظهرا ، وقيل : إن إسحاق بن راهويه ذهب إلى ظاهر هذا الحديث ، فقال : إذا تفرقوا بعد الانعقاد يشترط بقاء اثني عشر ، وتعقب بأنها واقعة عين لا عموم لها . وقال بعضهم : ترجح كون انفضاض القوم وقع في الخطبة لا في الصلاة ، وهو اللائق بالصحابة تحسينا للظن بهم . وقال الأصيلي : وصف الله تعالى الصحابة بخلاف هذا ، فقال : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ قلت : قيل : إن نزول الآية بعد وقوع هذا الأمر على أنه ليس في الآية تصريح بنزولها في الصحابة ، ولئن سلمنا فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك ، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه فوصفوا بعد ذلك بآية النور .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث