باب سنة العيدين لأهل الإسلام
( باب سنة العيدين لأهل الإسلام ) 3 - حدثنا حجاج ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني زبيد ، قال : سمعت الشعبي ، عن البراء قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر ، فمن فعل فقد أصاب سنتنا . مطابقته للترجمة المروية عن الحموي في قوله "يخطب" فإن الخطبة مشتملة على الدعاء كما أنها تشتمل على غيره من بيان أحكام العيد ، وأما للترجمة المروية عن الأكثرين فظاهرة لأن فيه بيان سنة العيد لأهل الإسلام ، وإنما ذكر قوله : "لأهل الإسلام" إيضاحا أن سنة أهل الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام لأن غير أهل الإسلام أيضا لهم أعياد كما ذكر في الحديث : "إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا" ( فإن قلت ) : الحديث في بيان سنة عيد النحر فما وجه قوله : "سنة العيدين" بالتثنية ؟ ( قلت ) : من جملة سنة العيدين وأعظمها الصلاة ولا يخلو العيدان منها ، فلذلك ذكره بالتثنية ، ولقد تكلف بعض الشراح في هذا المكان بتعسفات لا طائل تحتها ، فلذلك أضربنا عن ذكرها .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول حجاج ابن منهال السلمي الأنماطي البصري ، الثاني شعبة بن الحجاج ، وقد تكرر ذكره ، الثالث زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ابن الحارث اليامي الكوفي ج٦ / ص٢٧٣وكل ما في البخاري «زبيد» فهو بالباء الموحدة ، وكل ما في «الموطأ» فهو بالياء آخر الحروف ، الرابع عامر بن شراحيل الشعبي ، الخامس البراء بن عازب . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن الأول من الرواة بصري ، والثاني واسطي ، والثالث والرابع كوفيان . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «العيدين» عن آدم ، وعن سليمان بن حرب وفي العيدين أيضا عن بندار ، عن شعبة ، وفي العيدين أيضا عن أبي نعيم ، وفي الأضاحي عن موسى بن إسماعيل ، وعن مسدد ، وفي العيدين أيضا عن عثمان ، عن جرير ، وعن مسدد عن أبي الأحوص ، وفي الأيمان والنذور كتب إلي محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم في «الذبائح» عن يحيى بن يحيى ، عن هشيم ، وعن محمد بن المثنى ، وعن يحيى بن يحيى ، عن خالد ، وعن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر ، وعن عبد الله بن معاذ ، وعن هناد ، وقتيبة كلاهما عن أبي الأحوص ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن نمير ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أحمد بن سعيد ، وأخرجه أبو داود في «الأضاحي» ، عن مسدد ، عن أبي الأحوص ، وعن خالد به ، وأخرجه الترمذي فيه عن علي بن حجر ، وأخرجه النسائي في «الصلاة» عن عثمان بن عبد الله ، وعن محمد بن عثمان ، وفي «الأضاحي» عن قتيبة به ، وعن هناد ، عن يحيى .
( ذكر معناه ) قوله : "يخطب" جملة فعلية في محل النصب على أنها أحد مفعولي سمعت على مذهب الفارسي ، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد ، فحينئذ يكون محل يخطب نصبا على الحال ، قوله : "هذا" أشار به إلى يوم العيد وهو عيد النحر ، قوله : "ثم نرجع" بالنصب والرفع ، فالنصب على العطف على "أن نصلي" والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : ثم نحن نرجع ، قوله : "فمن فعل" أي الابتداء بالصلاة ثم بعدها بالنحر فقد أصاب سنة النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه الأول فيه أن صلاة العيد سنة ولكنها مؤكدة وهو قول الشافعي ، وقال الإصطخري من أصحابه : فرض كفاية وبه قال أحمد ، ومالك ، وابن أبي ليلى ، والصحيح عن مالك أنه كقول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وعند أبي حنيفة وأصحابه : واجبة ، وقال صاحب الهداية : وتجب صلاة العيد على كل من تجب عليه الجمعة ، وفي مختصر أبي موسى الضرير : هي فرض كفاية ، وكذا قال في الغزنوي ، وفي القنية قيل : هي فرض ونقل القرطبي عن الأصمعي أنها فرض ، واختلف فيمن يخاطب بالعيد ، فروى ابن القاسم عن مالك في القرية فيها عشرون رجلا أرى أن يصلوا العيدين ، وروى ابن نافع عنه أنه ليس ذلك إلا على من تجب عليه الجمعة ، وهو قول الليث وأكثر أهل العلم فيما حكاه ابن بطال ، وقال ربيعة : كانوا يرون الفرسخ وهو ثلاثة أميال ، وقال الأوزاعي : من آواه الليل إلى أهله فعليه الجمعة والعيد ، وقال ابن القاسم وأشهب : إن شاء من لا تلزمهم الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا ، ولكن لا خطبة عليهم ، فإن خطب فحسن ، وحجة أصحابنا في الوجوب مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم من غير ترك ، واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ قيل : المراد صلاة العيد والأمر للوجوب ، وقيل في قوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أن المراد به صلاة عيد النحر فتجب بالأمر . الوجه الثاني أن السنة أن يخطب بعد الصلاة لما روى البخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ثم أبو بكر وعمر يصلون العيد قبل الخطبة" وقال ابن بطال : فيه أن صلاة العيد سنة ، وأن النحر لا يكون إلا بعد الصلاة ، وأن الخطبة أيضا بعدها ، وقال الكرماني : الأخير ممنوع بل المستفاد منه أن الخطبة مقدمة على الصلاة ، ( قلت ) : لا نسلم ما قاله لأنه صرح بأن أول ما يبدأ به يوم العيد الصلاة ، ثم النحر ، ولقد غر الكرماني ظاهر قوله : «يخطب» فقال : فالفاء فيه تفسيرية فسر في خطبته التي خطب بها بعد الصلاة أن أول ما يبدأ به يوم العيد الصلاة ، ولأنها هي الأمر المهم والخطبة من التوابع حتى لو تركها لا يضر صلاته بخلاف خطبة الجمعة .
( فإن قلت ) : وقع للنسائي استدلاله بحديث البراء على أن الخطبة قبل الصلاة ، وترجم له باب الخطبة يوم العيد قبل الصلاة ، واستدل في ذلك بقوله : "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر" وتأول أن قوله هذا قبل الصلاة لأنه كيف يقول : "أول ما نبدأ به أن نصلي" . ج٦ / ص٢٧٤وهو قد صلى ( قلت ) : قال ابن بطال : غلط النسائي في ذلك لأن العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي ، فكأنه قال صلى الله عليه وسلم : أول ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي قدمنا فعلها وبدأنا بها ، وهو مثل قوله تعالى : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ المعنى إلا الإيمان المتقدم منهم ، وقد بين ذلك في «باب استقبال الإمام للناس في خطبة العيد» فقال : إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة وللنسائي : "خطب يوم النحر بعد الصلاة" . الوجه الثالث أن النحر بعد الفراغ من الصلاة وسيجيء الكلام فيه فيما بعد إن شاء الله تعالى .