حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله

حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم أحد ما يكون في غد ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ، وسفيان هو الثوري ، وقد رواه البخاري مطولا في باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، والإسلام ، ولفظه فيه : في خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية . قوله : مفتاح الغيب ، وفي رواية الكشميهني : مفاتح الغيب ، ذكر الطبراني أن المفاتيح جمع مفتاح ، والمفاتح جمع مفتح ، وهما في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها ، وهو إما استعارة مكنية بأن يجعل الغيب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إليه ما هو من خواص المخزن المذكور ، وهو المفتاح ، وهو الاستعارة الترشيحية ، ويجوز أن يكون استعارة مصرحة بأن يجعل ما يتوصل به إلى معرفة الغيب للمخزون ، ويكون لفظ الغيب قرينة له ، والغيب ما غاب عن الخلق ، وسواء كان محصلا في القلوب ، أو غير محصل ، ولا غيب عند الله عز وجل .

وهاهنا أسئلة ، الأول : أن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ، ولا يعلم مبلغها إلا الله تعالى ، وقال الله تعالى : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ فما وجه التخصيص بالخمس ، وأجيب بأوجه ، الأول : أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد . والثاني : أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس . والثالث : لأنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس ، والرابع : أن أمهات الأمور هذه ؛ لأنها إما أن تتعلق بالآخرة ، وهو علم الساعة ، وإما بالدنيا ، وذلك إما متعلق بالجماد ، أو بالحيوان .

والثاني : إما بحسب مبدأ وجوده ، أو بحسب معاده ، أو بحسب معاشه . السؤال الثاني : من أين يعلم منه علم الساعة ، وقد ذكر الله الخمسة حيث قال : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وأجيب بأن الأول من هذه إشارة إليه ، إذ يحتمل وقوع أشراط الساعة في الغد . السؤال الثالث : أنه قال في الموضعين نفس ، وفي ثلاثة مواضع أحد ، وأجيب بأن النفس هي الكاسبة ، وهي المائتة ، قال تعالى : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا فلو قيل بدلها لفظ أحد فيها لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه ، أو بأي أرض تموت نفسه فتفوت المبالغة المقصودة ، وهي أن النفس لا تعرف حال نفسها لا حالا ، ومآلا ، وإذ لم يكن لها طريق إلى معرفتها، فكان إلى عدم معرفة ما عداها أولى .

السؤال الرابع : ما الفرق بين العلم ، والدراية ، وأجيب بأن الدراية أخص ؛ لأنها علم باحتيال ، أي إنها لا تعرف وإن أعملت حيلها . السؤال الخامس : لم عدل عن لفظ القرآن ، وهو يدري إلى لفظ يعلم في ماذا تكسب غدا ، وأجيب لإرادة زيادة المبالغة إذ نفي العام مستلزم لنفي الخاص بدون العكس ، فكأنه قال : لا تعلم أصلا ، سواء احتالت أم لا وقال ابن بطال : وهذا يبطل خرص المنجمين في تعاطيهم علم الغيب ، فمن ادعى علم ما أخبر الله ، ورسوله ، وأن الله منفرد بعلمه ، فقد كذب الله ، ورسوله ، وذلك كفر من قائله ، وقال الزجاج : من ادعى أنه يعلم شيئا من هذه الخمس ، فقد كفر بالقرآن العظيم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث