حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة في كسوف الشمس

حدثنا عمرو بن عون ، قال : حدثنا خالد ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانكسفت الشمس ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا ، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ، فإذا رأيتموهما فصلوا ، وادعوا حتى يكشف ما بكم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عند كسوف الشمس . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : عمرو ، بفتح العين ابن عون ، مر في باب ما جاء في القبلة .

الثاني : خالد بن عبد الله الطحان الواسطي . الثالث : يونس بن عبيد . الرابع : الحسن البصري .

الخامس : أبو بكرة نفيع بن الحارث ، وقد تقدم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن الإسناد كله بصريون غير خالد ، وفيه أن رواية الحسن عن أبي بكرة متصلة عند البخاري ، وهو من أفراد البخاري ، وقال الدارقطني : هو مرسل ، وقال أبو الوليد : في ( كتاب الجرح والتعديل ) أخرج البخاري حديثا فيه الحسن : سمعت أبا بكرة ، فتأوله الدارقطني ، وغيره من الحفاظ على أنه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ؛ لأن البصري لم يسمع عندهم من أبي بكرة ، والصحيح أن الحسن في هذا الحديث هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ، وكذا قاله الداودي فيما ذكره ابن بطال . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في صلاة الكسوف عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، وعن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، وفي اللباس عن محمد ، عن عبد الأعلى ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن عمران بن موسى ، عن عبد الوارث نحوه وفيه ، وفي التفسير عن عمرو بن علي ، عن يزيد مقطعا ، وعن عمرو بن علي ، ومحمد بن عبد الأعلى ، كلاهما عن خالد ، وفيه ، وفي التفسير أيضا عن قتيبة ببعضه ، وعن محمد بن كامل .

( ذكر معناه ) : قوله : فانكسفت ، يقال : كسفت الشمس ، بفتح الكاف ، وانكسفت بمعنى ، وأنكر القزاز انكسفت ، والحديث يرد عليه . قوله : يجر رداءه جملة وقعت حالا ، وزاد في اللباس من وجه آخر عن يونس مستعجلا ، وللنسائي في رواية يزيد بن زريع ، عن يونس من العجلة . قوله : فإذا رأيتموها بتوحيد الضمير ، وفي رواية كريمة : فإذا رأيتموهما بتثنية الضمير ، وجه الأول أن الضمير يرجع إلى الكسفة التي يدل عليها قوله : لا يكسفان ، أو الآية ؛ لأن الكسفة آية من الآيات ، ووجه الثاني ظاهر ؛ لأن المذكور الشمس والقمر .

( ذكر استنباط الأحكام ) : وهو على وجوه ، الأول : استدل به أصحابنا على أن صلاة الكسوف ركعتان ؛ لأنه مصرح فيه بقوله : فصلى ركعتين ، وكذلك روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الكسوف ركعتان ، منهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، عنه : انكسفت الشمس ، فقال الناس : إنما انكسفت لموت إبراهيم عليه السلام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين ، ومنهم عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه مسلم : انخسفت الشمس ، فانطلقت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يسبح ، ويكبر ، ويدعو حتى انجلت الشمس ، وقرأ سورتين ، وركع ركعتين ، وأخرجه الحاكم ولفظه : وقرأ سورتين في ركعتين ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وأخرجه النسائي ولفظه : فصلى ركعتين ، وأربع سجدات ، ومنهم سمرة بن جندب ، أخرج حديثه الأربعة أصحاب السنن ، وفيه : فصلى ، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا ، قال : ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا ، قال : ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا ، قال : ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، ومنهم النعمان بن بشير ، أخرج حديثه الطحاوي ، حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي البصري ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شريك ، عن عاصم الأحول ، عن أبي قلابة ، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس كما تصلون ، ركعة وسجدتين . وقال البيهقي : أبو قلابة لم يسمع من النعمان ، والحديث مرسل . ( قلت ) : صرح في ( الكمال ) بسماعه عن النعمان ، وقال ابن حزم : أبو قلابة أدرك النعمان ، وروى هذا الخبر عنه ، وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث ، وقال : من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة ، عن النعمان ، وأبو قلابة أحد الأعلام ، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي ، والحديث أخرجه أبو داود ، والنسائي أيضا ، ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ، أخرج حديثه الطحاوي ، حدثنا ربيع المؤذن ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، وقال : كسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام بالناس ، فلم يكد يرفع ، ثم رفع ، فلم يكد يسجد ، ثم سجد ، فلم يكد يرفع ، ثم رفع ، وفعل في الثانية مثل ذلك ، فرفع رأسه ، وقد امحصت الشمس ، وأخرجه الحاكم ، وقال صحيح ، ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب .

( قلت ) : قد أخرج البخاري لعطاء هذا حديثا مقرونا بأبي بشر ، وقال أيوب : هو ثقة ، وأخرجه أبو داود أيضا ، وأحمد في مسنده ، والبيهقي في سننه ، ومنهم قبيصة الهلالي رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه أبو داود ، قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة ، فصلى ركعتين الحديث ، وفيه : فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ، وأخرجه النسائي أيضا ، وأخرجه الطحاوي من طريقين ، ففي طريقه الأولى عن قبيصة البجلي ، وفي الثانية عن قبيصة الهلالي ، وغيره ، وكل منهما صحابي على ما ذكره البعض ، وذكر أبو القاسم البغوي في ( معجم الصحابة ) أولا قبيصة الهلالي ، فقال : سكن البصرة ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ، ثم ذكر قبيصة آخر ، فقال : قبيصة ، يقال : إنه البجلي ، ويقال : الهلالي سكن البصرة ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ، حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن قبيصة ، قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس ، فصلى بهم ركعتين ، فأطال فيهما حتى انجلت الشمس ، فقال : إن هذه الآية تخويف يخوف الله بها عباده ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة ، وقال أبو نعيم : ذكر بعض المتأخرين قبيصة البجلي ، وهو عندي قبيصة بن مخارق الهلالي ، والبجلي وهم . ( قلت ) : رواية الطحاوي ، وكلام البغوي يدلان على أنهما اثنان . قوله : كأحدث صلاة ، يعني : كأقرب صلاة ، قال بعضهم : معناه أن آية من هذه الآيات إذا وقعت مثلا بعد الصبح يصلي ، ويكون في كل ركعة ركوعان ، وإن كانت بعد المغرب يكون في كل ركعة ثلاث ركوعات ، وإن كانت بعد الرباعية يكون في كل ركعة أربع ركوعات ، وقال بعضهم : معناه أن آية من هذه الآيات إذا وقعت عقيب صلاة جهرية يصلي ، ويجهر فيها بالقراءة ، وإن وقعت عقيب صلاة سرية يصلي ، ويخافت فيها بالقراءة .

( قلت ) : رواية البغوي كأخف صلاة تدل على أن المراد كما وقع صلاة من المكتوبة في الخفة ، وهي صلاة الصبح ، وأراد به أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين ، وأربع سجدات فافهم ، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه أحمد من رواية حنش عنه ، قال : كسفت الشمس فصلى علي رضي الله تعالى عنه للناس فقرأ يس ، أو نحوها ، ثم ركع نحوا من قدر سورة ، ثم رفع رأسه ، فقال : سمع الله لمن حمده ، ثم سجد ، ثم قام إلى الركعة الثانية ، ففعل كفعله في الركعة الأولى ، ثم جلس يدعو ، ويرغب حتى انجلت الشمس ، ثم حدثهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك فعل ، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن السائب بن مالك ، والد عطاء أن : النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في كسوف القمر ركعتين ، وفي ( علل ابن أبي حاتم ) السائب ليست له صحبة ، والصحيح إرساله ، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق ، عن السائب بن مالك ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى ابن أبي شيبة أيضا بسند صحيح عن إبراهيم : كانوا يقولون إذا كان ذلك فصلوا كصلاتكم حتى تنجلي وحدثنا وكيع ، حدثنا إسحاق بن عثمان الكلابي ، عن أبي أيوب الهجري ، قال : انكسفت الشمس بالبصرة ، وابن عباس أمير عليها ، فقام يصلي بالناس ، فقرأ ، فأطال القراءة ، ثم ركع ، فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه ، ثم سجد ، ثم فعل مثل ذلك في الثانية ، فلما فرغ قال : هكذا صلاة الآيات ، قال : فقلت : بأي شيء قرأ فيهما ، قال : بالبقرة وآل عمران وحدثنا وكيع ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف ركعتين فقرأ في إحداهما بالنجم ، وفي ( المحلى ) أخذ بهذا طائفة من السلف ، منهم عبد الله بن الزبير صلى في الكسوف ركعتين كسائر الصلوات ، ( فإن قيل ) : قد خطأه في ذلك أخوه عروة ، قلنا : عروة أحق بالخطأ من عبد الله الصاحب الذي عمل بعلم ، وعروة أنكر ما لم يعلم ، وذهب ابن حزم إلى العمل بما صح من الأحاديث فيها ، ونحا نحوه ابن عبد البر ، فقال : وإنما يصير كل عالم إلى ما روى عن شيوخه ، ورأى عليه أهل بلده ، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة ، وتوسعة ، قال البيهقي : وبه قال ابن راهويه ، وابن خزيمة ، وأبو بكر بن إسحاق ، والخطابي ، واستحسنه ابن المنذر ، وقال ابن قدامة : مقتضى مذهب أحمد أنه يجوز أن تصلى صلاة الكسوف على كل صفة ، وقال ابن عبد البر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف مرارا ، فحكى كل ما رأى ، وكلهم صادق كالنجوم من اقتدى بهم اهتدى ، وذهب البيهقي إلى أن الأحاديث المروية في هذا الباب كلها ترجع إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس يوم مات إبراهيم ، وقد روي في حديث كل واحد منهم ما يدل على ذلك ، والذي ذهب إليه أولئك الأئمة توفيق بين الأحاديث ، وإذا عمل بما قاله البيهقي حصل بينها خلاف يلزم منه سقوط بعضها واطراحه ، وإنما يدل على وهن قوله ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها عند النسائي بسند صحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف في صفة زمزم ، يعني : بمكة ، وأكثر الأحاديث كانت بالمدينة ، فدل ذلك على التعدد ، وكانت وفاة إبراهيم يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر ، ودفن بالبقيع ، والحاصل في ذلك أن أصحابنا تعلقوا بأحاديث من ذكرناهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ورأوها أولى من رواية غيرهم نحو حديث عائشة ، وابن عباس ، وغيرهما لموافقتها القياس في أبواب الصلاة . وقد نص في حديث أبي بكرة على ركعتين صريحا بقوله : فصلى ركعتين ، وفي رواية النسائي : كما تصلون وحمل ابن حبان ، والبيهقي على أن المعنى كما تصلون في الكسوف بعيد ، وظاهر الكلام يرده . ( فإن قلت ) : خاطب أبو بكرة بذلك أهل البصرة ، وقد كان ابن عباس علمهم أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان .

( قلت ) : حديث أبي بكرة إخبار عن الذي شاهده من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه خطاب أصلا ، ولئن سلمنا أنه خاطب بذلك من الخارج ، فليس معناه كما حمله ابن حبان ، والبيهقي ؛ لأن المعنى كما كانت عبادتكم فيما إذا صليتم ركعتين بركوعين ، وأربع سجدات على ما تقرر شأن الصلوات على هذا ، وقال بعضهم : وظهر أن رواية أبي بكرة مجملة ، ورواية جابر أن في كل ركعة ركوعين مبينة ، فالأخذ بالمبين أولى . ( قلت ) : ليت شعري ، أين الإجمال في حديث أبي بكرة ، هل هو إجمال لغوي ، أو إجمال اصطلاحي ، وليس هاهنا أثر من ذلك ، ولو قال هذا القائل : الأخذ بحديث جابر أولى ؛ لأن فيه زيادة ، والأخذ بالزيادة في روايات الثقات أولى وأجدر ، فنقول : وإن كان الأمر هذا ، ولكن الأخذ بما يوافق الأصول أولى ، وأعجب من هذا أن هذا القائل ادعى اتحاد القصة ، وقد أبطلنا ذلك عن قريب . الثاني من الوجوه : الاستدلال بقوله « حتى انجلت » على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء ، ولا تكون الإطالة إلا بتكرار الركعات والركوعات ، وعدم قطعها إلى الانجلاء ، وأجاب الطحاوي عن ذلك بأنه قد قال في بعض الأحاديث : « فصلوا وادعوا حتى ينكشف » ، ثم روى بإسناده حديثا : عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد - أراه قال - ولا لحياته ، فإذا رأيتم مثل ذلك ، فعليكم بذكر الله والصلاة .

فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد منهم مجرد الصلاة ، بل أراد منهم ما يتقربون به إلى الله تعالى من الصلاة والدعاء والاستغفار ، وغير ذلك ، نحو الصدقة والعتاقة . وقال بعضهم ، بعد أن نقل بعض كلام الطحاوي في هذا : وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين ، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده ، فجاز أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة ، فيصير غاية للمجموع ، ولا يلزم منه تطويل الصلاة ، ولا تكريرها . قلت : في الحديث ، أعني حديث أبي بكرة : فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم ، فقد ذكر الصلاة والدعاء بواو الجمع ، فاقتضى أن يجمع بينهما إلى وقت الانجلاء قبل الخروج من الصلاة ، وذلك لا يكون إلا بإطالة الركوع والسجود بالذكر فيهما ، وبإطالة القراءة ، أما إطالة الركوع والسجود فقد وردت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في رواية مسلم : ما ركعت ركوعا قط ، ولا سجدت سجودا قط كان أطول منه .

وفي رواية البخاري أيضا : ثم سجد سجودا طويلا ، وقالت أيضا : فصلى بأطول قيام وركوع وسجود ، وأما إطالة القراءة ففي حديث عائشة : فأطال القراءة . وفي حديث ابن عباس : فقام قياما طويلا قدر نحو سورة البقرة ، ولا يشك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في طول قيامه ساكتا ، بل كان مشتغلا بالقراءة وبالدعاء ، وإذا مد الدعاء بعد خروجه من الصلاة لا يكون جامعا بين الصلاة والدعاء في وقت واحد ؛ لأن خروجه من الصلاة يكون قاطعا للجمع ، ولا شك أن الواو تدل على الجمع . وقد وقع في رواية النسائي من حديث النعمان بن بشير قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين ، ويسأل عنها حتى انجلت .

فهذا يدل على أن إطالته صلى الله عليه وسلم كانت بتعداد الركعات . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون معنى قوله « ركعتين » أي ركوعين ، وأن يكون السؤال وقع بالإشارة ، فلا يلزم التكرار . قلت : مراد هذا القائل الرد على الحنفية في قولهم : إن صلاة الكسوف كسائر الصلوات بلا تكرار الركوع ؛ لما ذكرنا وجه ذلك ، ولا يساعده ما يذكره ؛ لأن تأويله ركعتين بركوعين تأويل فاسد ، باحتمال غير ناشئ عن دليل ، وهو مردود .

فإن قلت : فعلى ما ذكرت ، فقد دل الحديث على أنه يصلي للكسوف ركعتان بعد ركعتين ، ويزاد أيضا إلى وقت الانجلاء ، فأنتم ما تقولون به . قلت : لا نسلم ذلك ، وقد روى الحسن ، عن أبي حنيفة : إن شاءوا صلوا ركعتين ، وإن شاءوا صلوا أربعا ، وإن شاءوا صلوا أكثر من ذلك . ذكره في « المحيط » وغيره ، فدل ذلك على أن الصلاة إن كانت بركعتين يطول ذلك بالقراءة والدعاء في الركوع والسجود إلى وقت الانجلاء ، وإن كانت أكثر من ركعتين فالتطويل يكون بتكرار الركعات دون الركوعات .

وقول القائل المذكور : وأن يكون السؤال وقع بالإشارة . قلت : يرد هذا ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح ، عن أبي قلابة : أنه صلى الله عليه وسلم كلما ركع ركعة أرسل رجلا لينظر هل انجلت . فهذا يدل على أن السؤال في حديث النعمان كان بالإرسال لا بالإشارة ، وأنه كلما كان يصلي ركعتين على العادة يرسل رجلا يكشف عن الانجلاء .

فإن قلت : قوله « ركع ركعة » يدل على تكرار الركوع . قلت : لا نسلم ذلك ، بل المراد كلما ركع ركعتين من باب إطلاق الجزء على الكل ، وهو كثير ، فلا يقدر المعترض على رده . الثالث : في هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض ، وقال الخطابي : كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر ، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل ، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما .

الرابع : فيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الشفقة على أمته ، وشدة الخوف من آية الله تعالى عز وجل . الخامس : فيه ما يدل على أن جر الثوب لا يذم إلا من قصد به الخيلاء كما صرح بذلك في غير هذا الحديث . السادس : فيه المبادرة إلى طاعة الله تعالى ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم كيف قام ، وهو يجر رداءه مشتغلا بما نزل .

السابع : قالوا : وفيه دلالة على أنه يجمع في خسوف القمر كما يجمع في كسوف الشمس ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأهل الحديث ، وذهب أبو حنيفة ، وأحمد ، ومالك إلى أن ليس في خسوف القمر جماعة . قلت : أبو حنيفة لم ينف الجماعة فيه ، وإنما قال : الجماعة فيه غير سنة ، بل هي جائزة ، وذلك لتعذر اجتماع الناس من أطراف البلد بالليل ، وكيف وقد ورد قوله صلى الله عليه وسلم : « أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » . وقال مالك : لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنه صلى الله عليه وسلم جمع لكسوف القمر ، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده أنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه .

ونقل ابن قدامة في « المغني » عن مالك : ليس في كسوف القمر سنة ، ولا صلاة . وقال المهلب : يمكن أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم والله أعلم رحمة للمؤمنين ؛ لئلا تخلو بيوتهم بالليل ، فيخطفهم الناس ويسرقون ، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه ، قلت له : ألا أبشر الناس ، فقال صلى الله عليه وسلم : أخشى أن يخطفهم الناس . وفي حديث آخر : أخشى أن يمنع الناس نومهم ، وقال تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ فجعل السكون في الليل من النعم التي عددها الله تعالى على عباده ، وقد سمى ذلك رحمة .

وقد قال ابن القصار : خسوف القمر يتفق ليلا فيشق الاجتماع له ، وربما أدرك الناس نياما فيثقل عليهم الخروج لها ، ولا ينبغي أن يقاس على كسوف الشمس ؛ لأنه يدرك الناس مستيقظين متصرفين ، ولا يشق اجتماعهم كالعيدين ، والجمعة ، والاستسقاء . فإن قلت : روي عن الحسن البصري قال : خسف القمر وابن عباس بالبصرة ، فصلى بنا ركعتين ، في كل ركعة ركعتان ، فلما فرغ خطبنا ، وقال : صليت بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا . رواه الشافعي في « مسنده » ، وذكره ابن التين بلفظ : أنه صلى في خسوف القمر ، ثم خطب وقال : يا أيها الناس إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة ، وإنما فعلت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، وقد علمنا أنه صلاها في جماعة لقوله « خطب » ؛ لأن المنفرد لا يخطب .

وروى الدارقطني ، عن عروة ، عن عائشة : أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في خسوف الشمس أربع ركعات ، وأربع سجدات ، ويقرأ في الأولى بالعنكبوت أو الروم ، وفي الثانية بيس . قلت : أما رواية الحسن فرواها الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد ، وهو ضعيف ، وقول الحسن « خطبنا » لا يصح ، فإن الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها ، وقيل : إن هذا من تدليساته ، وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فمستغرب . فإن قلت : روى الدارقطني أيضا من طريق حبيب ، عن طاوس ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات .

قلت : في إسناده نظر ، والحديث في مسلم ، وليس فيه ذكر القمر ، والعجب من شيخنا الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله يقول : لم تثبت صلاته صلى الله عليه وسلم لخسوف القمر بإسناد متصل ، ثم ذكر حديث عائشة ، وحديث ابن عباس ، اللذين رواهما الدارقطني ، وقال : ورجال إسنادهما ثقات ، ولكن كون رجالهما ثقات لا يستلزم اتصال الإسناد ، ولا نفي المدرج . الأسئلة والأجوبة : منها : ما قيل ما الحكمة في الكسوف ؟ والجواب : ما قاله أبو الفرج ، فيه سبع فوائد : الأول : ظهور التصرف في الشمس والقمر . الثاني : تبيين قبح شأن من يعبدهما .

الثالث : إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة عن مسكن الذهول . الرابع : ليرى الناس نموذج ما سيجري في القيامة من قوله : ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الخامس : أنهما يوجدان على حال التمام فيركسان ، ثم يلطف بهما فيعادان إلى ما كانا عليه فيشار بذلك إلى خوف المكر ورجاء العفو . السادس : أن يفعل بهما صورة عقاب لمن لا ذنب له .

السابع : أن الصلوات المفروضات عند كثير من الخلق عادة لا انزعاج لهم فيها ، ولا وجود هيبة ، فأتى بهذه الآية ، وسنت لهما الصلاة ليفعلوا صلاة على انزعاج وهيبة . ومنها : ما قيل : أليس في رؤية الأهلة ، وحدوث الحر والبرد ، وكل ما جرت العادة بحدوثه من آيات الله تعالى ، فما معنى قوله في الكسوفين : إنهما آيتان ؟ وأجيب بأن هذه الحوادث آيات دالة على وجوده عز وجل وقدرته ، وخص الكسوفين ؛ لإخباره صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل : أن القيامة تقوم وهما منكوسان وذاهبا النور ، فلما أعلمهم بذلك أمرهم عند رؤية الكسوف بالصلاة والتوبة خوفا من أن يكون الكسوف لقيام الساعة ، ليعتدوا لها . وقال المهلب : يحتمل أن يكون هذا قبل أن يعلمه الله تعالى بأشراط الساعة .

ومنها : ما قيل : ما الكسوف ؟ وأجيب : بأنه تغير يخلقه الله تعالى فيهما لأمر يشاؤه ، ولا يدرى ما هو ، أو يكون تخويفا للاعتبار بهما مع عظم خلقهما ، وكونهما عرضة للحوادث ، فكيف بابن آدم الضعيف الخلق ! وقيل : يحتمل أن يكون الخسوف فيهما عند تجلي الله سبحانه لهما . وفي حديث قبيصة الهلالي عند أبي داود والنسائي الإشارة إلى ذلك ، فقال فيه : إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ، ولكنهما خلقان من خلقه ، فإن الله عز وجل يحدث في خلقه ما يشاء ، وإن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له . . الحديث .

ويؤيده قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ولأهل الحساب فيه كلام كثير ، أكثره خباط ، يقولون : أما كسوف الشمس فإن القمر يحول بينها وبين النظر ، وأما كسوف القمر فإن الشمس تخلع نورها عليه ، فإذا وقع في ظل الأرض لم يكن له نور بحسب ما تكون له المقابلة ، ويكون الدخول في ظل الأرض ، يكون الكسوف من كل أو بعض ، قالوا : وهذا أمر يدل عليه الحساب ، ويصدق فيه البرهان . ورد عليهم بأنهم قالوا بالبرهان : إن الشمس أضعاف القمر في الجرمية بالعقل ، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله ، ولا يأخذ منه عشره ! وأيضا : إن الشمس إذا كانت تعطيه نورها ، فكيف يحجب نورها ، ونوره من نورها ، هذا خباط ! وأيضا : قلتم : إن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفا أو نحوها ، وقلتم : إن القمر أكبر منها بأقل من ذلك ، فكيف يقع الأعظم في ظل الأصغر ، وكيف تحجب الأرض نور الشمس ، وهي في زاوية منها ! وأيضا : فالشمس لها فلك ومجرى ، والقمر كذلك له فلك ومجرى ، ولا خلاف أن كل واحد منهما محدود معلوم ، لا يعدو مجراه كل يوم إلى مثله من العام ، فيجتمعان ويتقابلان ، فلو كان الكسوف لوقوعه في ظل الأرض في وقت لكان ذلك الوقت محدودا معلوما ؛ لأن المجرى منهما محدود معلوم ، فلما كان تأتي الأوقات المختلفة والجري واحدا ، والحساب واحدا ، علم قطعا فساد قولهم .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث