باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر
( باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر ) 187 - حدثنا عبد الله بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، قال : حدثني أبو الأسود ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ج٧ / ص٢١٨ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وشيخه وشيخ شيخه قد ذكروا في الباب السابق ، وأبو الأسود ضد الأبيض اسمه محمد بن عبد الرحمن المشهور بيتيم عروة ، مر في «باب الجنب يتوضأ» وعروة بن الزبير بن العوام .
الكلام في هذا الباب على أنواع : الأول : أن هذا الحديث يدل على أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ، وفي رواية مسلم عنها " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر ، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع " فهذا يدل على أنه تارة يضطجع قبل ، وتارة بعد ، وتارة لا يضطجع ، وحديث ابن عباس الذي مضى في «باب ما جاء في الوتر» يدل على أنه قبلهما ؛ لأنه قال فيه : " ثم صلى ركعتين " فذكره مكررا ، ثم قال : " ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى الصبح " وهذا يصرح بأن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر ، وروي عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع ، والتوفيق بين هذه الروايات أن الرواية التي تدل على أنه قبل ركعتي الفجر لا تستلزم نفيه بعدهما ، وكذلك الرواية التي تدل على أنه بعدهما لا تستلزم نفيه قبلهما ، أو يحمل تركه إياه قبلهما أو بعدهما على بيان الجواز إذا ثبت الترك ، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث المخالف بعضها بعضا في الظاهر تحمل على وجه التوفيق بينهما ؛ لأن العمل بالكل مع الإمكان أولى من إهمال بعضها . النوع الثاني : في أن هذه الضجعة سنة أو مستحبة أو واجبة أو غير ذلك ، ففيه اختلاف العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ستة أقوال ؛ أحدها : أنه سنة ، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه ، وقال النووي في شرح مسلم ، والصحيح أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة ، وقال البيهقي في السنن : وقد أشار الشافعي إلى أن الاضطجاع المنقول في الأحاديث للفصل بين النافلة والفريضة ، وسواء كان ذلك الفصل بالاضطجاع أو التحدث أو التحول من ذلك المكان إلى غيره أو غيره ، والاضطجاع غير متعين في ذلك ، وقال النووي في شرح المهذب : المختار الاضطجاع . القول الثاني : أنه مستحب ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ، وهم : أبو موسى الأشعري ، ورافع بن خديج ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، وإليه ذهب جماعة من التابعين ، وهم : محمد بن سيرين ، وعروة ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وعروة بن الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وسليمان بن يسار ، وكانوا يضطجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر ، وصلاة الصبح .
القول الثالث : أنه واجب مفترض لا بد من الإتيان به ، وهو قول أبي محمد بن حزم فقال : ومن ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح إلا بأن يضطجع على جنبه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر وبين تكبيره لصلاة الصبح ، وسواء ترك الضجعة عمدا أو نسيانا ، وسواء صلاها في وقتها أو صلاها قاضيا لها من نسيان أو نوم ، وإن لم يصل ركعتي الفجر لم يلزمه أن يضطجع ، واستدل فيه بما رواه أبو داود ، حدثنا مسدد ، وأبو كامل ، وعبيد الله بن عمرو بن ميسرة قالوا : حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه " . ورواه الترمذي أيضا وقال : حديث حسن صحيح غريب ، وروى ابن ماجه من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع " فما رواه أبو داود يخبر عن أمره ، وما رواه ابن ماجه يخبر عن فعله ، وأجابوا عن هذا بأجوبة : الأول : أن عبد الواحد الراوي عن الأعمش قد تكلم فيه ، فعن يحيى أنه ليس بشيء ، وعن عمرو بن علي الفلاس سمعت أبا داود قال : عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها يقول : حدثنا الأعمش ، حدثنا مجاهد في كذا وكذا . الثاني : أن الأعمش قد عنعن ، وهو مدلس .
الثالث : أنه لما بلغ ذلك ابن عمر قال : أكثر أبو هريرة على نفسه حتى حدث بهذا الحديث . الرابع : أن الأئمة حملوا الأمر الوارد فيه على الاستحباب ، وقيل في رواية الترمذي عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : إنه معلول ، لم يسمعه أبو صالح عن أبي هريرة ، وبين الأعمش وبين أبي صالح كلام ، ونسب هذا القول إلى ابن العربي ، وقال الأثرم : سمعت أحمد يسأل عن الاضطجاع قال : ما أفعله أنا . ( قلت ) : فإن فعله رجل ثم سكت كأنه لم يعبه أن فعله قيل له : لم لا تأخذ به قال : ليس فيه حديث يثبت .
( قلت ) : له حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : رواه بعضهم مرسلا . ( فإن قلت ) : عبد الواحد بن زياد ج٧ / ص٢١٩احتج به الأئمة الستة ، ووثقه أحمد ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ومحمد بن سعد ، والنسائي ، وابن حبان . ( قلت ) : سلمنا ذلك ، ولكن الأجوبة الباقية تكفي لدفع الوجوب بحديث أبي هريرة .
القول الرابع : أنه بدعة ، وممن قال به من الصحابة عبد الله بن مسعود ، وابن عمر على اختلاف عنه ، فروى ابن أبي شيبة في مصنفه من رواية إبراهيم قال : قال عبد الله : ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة والحمار إذا سلم فقد فصل ، وروى أيضا ابن أبي شيبة من رواية مجاهد قال : صحبت ابن عمر في السفر والحضر ، فما رأيته اضطجع بعد الركعتين ، ومن رواية سعيد بن المسيب قال : رأى ابن عمر رجلا يضطجع بين الركعتين فقال : أحصبوه ومن رواية أبي مجلز قال : سألت ابن عمر عن ضجعة الرجل على يمينه بعد الركعتين قبل صلاة الفجر ، قال : يتلعب بكم الشيطان ، ومن رواية زيد العمي ، عن أبي الصديق الناجي قال : رأى ابن عمر قوما اضطجعوا بعد ركعتي الفجر ، فأرسل إليهم فنهاهم فقالوا : نريد بذلك السنة فقال ابن عمر : ارجع إليهم ، فأخبرهم أنها بدعة ، وممن كره ذلك من التابعين الأسود بن زيد ، وإبراهيم النخعي ، وقال : هي ضجعة الشيطان ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، ومن الأئمة مالك بن أنس ، وحكاه القاضي عياض عنه ، وعن جمهور العلماء . القول الخامس : إنه خلاف الأولى ، روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر . القول السادس : أنه ليس مقصودا لذاته ، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة ، إما باضطجاع أو حديث أو غير ذلك ، وهو محكي عن الشافعي كما ذكرنا .
النوع الثالث : أنه على قول من يراه مستحبا أو سنة أن يكون على يمينه ، لورود الحديث به كذلك ، وهل تحصل سنة الاضطجاع بكونه على شقه الأيسر ، أما مع القدرة على ذلك فالظاهر أنه لا تحصل به السنة لعدم موافقته للأمر ، وأما إذا كان به ضرر في الشق الأيمن لا يمكن معه الاضطجاع ، أو يمكن لكن مع مشقة ، فهل يضطجع على اليسار أو يشير إلى الاضطجاع على الجانب الأيمن لعجزه عن كماله كما يفعل من عجز عن الركوع والسجود في الصلاة ، قال شيخنا زين الدين : لم أر لأصحابنا فيه نصا ، وجزم ابن حزم بأنه يشير إلى الاضطجاع على الجانب الأيمن ، ولا يضطجع على الأيسر . النوع الرابع : في الحكمة على الجانب الأيمن ، وهي أن القلب في جهة اليسار ، فإذا نام على اليسار استغرق في النوم لاستراحته بذلك ، وإذا نام على جهة اليمين تعلق في نومه فلا يستغرق .