حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب رثا النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة

حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا فقلت : بالشطر ؟ فقال : لا ثم قال : الثلث والثلث كبير أو كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك فقلت : يا رسول الله أخلف بعد أصحابي قال : إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة ، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . ‎مطابقته للترجمة في قوله : لكن البائس سعد بن خولة إلى آخره هذا التطابق إنما يوجد إذا كان الذي يرثي سعد بن خولة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما إذا كان غيره كما ذكرنا فلا تطابق إلا إذا قلنا : إنه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن المعنى هو الإشفاق والتوجع ، وإظهار التحزن كما ذكرنا . ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعامر وسعد تقدما في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في عشرة مواضع في المغازي عن أحمد بن يونس ، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل ، وفي الهجرة عن يحيى بن قزعة ، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل ، وفي الفرائض عن أبي اليمان ، وفي الوصايا ، عن أبي نعيم ، وفي النفقات عن محمد بن كثير ، وفي الوصايا أيضا عن محمد بن عبد الرحيم ، عن زكريا بن عدي ، وفي الطب أيضا عن مكي بن إبراهيم ، وأخرجه مسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى ، وعن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى ، وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد . وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة . وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن يحيى .

وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن عثمان ، وفي عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي اليوم والليلة عن محمد بن سلمة ، وأخرجه ابن ماجه في الوصايا أيضا عن هشام بن عمار والحسن بن أبي الحسن المروزي وسهل بن أبي سهل الرازي ، ثلاثتهم عن سفيان به . ( ذكر معناه ) قوله : يعودني من العيادة وهي الزيارة ، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض . قوله : عام حجة الوداع نصب على الظرف وهي السنة العاشرة من الهجرة ، وسميت حجة الوداع ؛ لأنه ودعهم فيها ، وسمي أيضا البلاغ لأنه قال : هل بلغت ، وحجة الإسلام لأنها الحجة التي فيها حج الإسلام ليس فيها مشرك هذا قول الزهري .

وقال سفيان بن عيينة : كان ذلك يوم فتح مكة حين عاد عليه الصلاة والسلام سعدا وهو من أفراده . وقال البيهقي : خالف سفيان الجماعة فقال عام الفتح ، والصحيح في حجة الوداع . قوله : من وجع الوجع اسم لكل مرض قال الجوهري : الوجع المرض والجمع أوجاع ووجاع مثل جبل وأجبال وجبال ، ووجع فلان يوجع وييجع وياجع فهو وجع وقوم وجعون ووجعى مثل مرضى ووجاعى ونساء وجاعى أيضا ووجعات ، وبنو أسد يقولون : ييجع بكسر الياء .

قوله : اشتد بي أي : قوي علي . قوله : قد بلغ بي أي بلغ أثر الوجع في ووصل غايته ، وفي رواية أشفيت منه على الموت أي : قاربت ولا يقال أشفى إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب . قوله : ولا ترثني إلا ابنة اسمها عائشة كذا ذكرها الخطيب وغيره ، وليست بالتي روى عنها مالك تيك أخت هذه وهي تابعية وعائشة لها صحبة ، وكان قد زعم بعض من لا علم عنده أن مالكا تابعي بروايته عنها وليس كذلك .

وقوله : إلا ابنة لي أي : من الولد وخواص الورثة وإلا فقد كان له عصبة ، وقيل : معناه لا يرثني من أصحاب الفروض سواها ، وقيل : من النساء وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور . قوله : أفأتصدق بثلثي مالي الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، يحتمل أن يريد به منجزا أو معلقا بما بعد الموت ، وفي رواية للبخاري تأتي أفأوصي بدل أفأتصدق . قوله : قال لا أي : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تتصدق بالثلثين .

قوله : فقلت بالشطر أي : أتصدق بالشطر أي بالنصف بدليل رواية أخرى للبخاري تأتي فأوصي بالنصف ويروى فالشطر بالفاء ورفع الشطر . فإن قلت : بماذا ارتفاع فالشطر ، قلت : مرفوع على الابتداء وخبره محذوف تقديره فالشطر أتصدق به . قوله : ثم قال الثلث والثلث يجوز في الثلث الأول النصب والرفع ، فالنصب على الإغراء أو على تقدير أعط الثلث ، والرفع على أنه فاعل أي يكفيك الثلث ، أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه ، والثلث الثاني مبتدأ وكثير خبره وهو بالثاء المثلثة ، وقوله أو كبير بالباء الموحدة .

قوله : إنك إن تذر أي : إن تترك وهذا من الذي أميت ماضيه قال عياض : رويناه بفتح الهمزة وكسرها وكلاهما صحيح ، وقال ابن الجوزي : سمعناه من رواة الحديث بكسر إن ، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي : إنما هو بفتح الألف ، ولا يجوز الكسر لأنه لا جواب له ، وقال القرطبي : روايتنا بفتح الهمزة ، وقد وهم من كسرها بين أن جعلها شرطا لا جواب له أو يبقى خبرا لا رافع له . وقال بعضهم : ولا يصح كسرها لأنها تكون شرطية ، والشرط لما يستقبل وهو فقد كان فات انتهى . قلت : التحقيق فيه ما قاله ابن مالك أن الأصل إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير لك ، فحذف الفاء والمبتدأ ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب : فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها وقوله لهلال بن أمية : البينة وإلا حد في ظهرك وذلك مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة وليس مخصوصا بها ، بل يكثر استعماله في الشعر ويقل في غيره ، ومن خص هذا الحذف بالشعر حاد عن الطريق وضيق حيث لا تضييق .

قوله : عالة أي : فقراء وقال ابن التين : العالة جمع عائل ، وقيل : العائل الكثير العيال حكاه الكسائي وليس بمعروف ، بل العائل الفقير ، وقيل : العيل والعالة الفقر . قوله : يتكففون الناس أي : يطلبون الصدقة من أكف الناس ، وقيل : يسألونهم بأكفهم . قوله : وإنك لن تنفق عطف على قوله : إنك إن تذر وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث ، كأنه قيل : لا تفعل لأنك إن مت وتذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء ، فإن عشت تصدقت بما بقي من الثلث وأنفقت على عيالك يكن خيرا لك .

قوله : إلا أجرت على صيغة المجهول . قوله : بها أي بتلك النفقة . قوله : حتى ما تجعل أي : الذي تجعله قال ابن بطال : تجعل برفع اللام وما كافة كفت حتى عملها .

قوله : في في امرأتك أي : في فم امرأتك ، وأصل فم فوه ؛ لأن الجمع أفواه ، وعند الإفراد لا يحتمل الواو التنوين فحذفوها وعوضوا من الهاء ميما ، وقالوا : هذا فم وفمان وفموان ، ولو كان الميم عوضا من الواو لما اجتمعا . قوله : أخلف على صيغة المجهول يعني أخلف في مكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك ، قال أبو عمر : يحتمل أن يكون لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنك لن تنفق نفقة ، وتنفق فعل مستقبل أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك أو ظن ذلك فاستفهمه هل يبقى بعد أصحابه فأجابه صلى الله عليه وسلم بضرب من قوله : لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله وهو قوله : إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة . وقال القرطبي : هذا الاستفهام إنما صدر من سعد رضي الله تعالى عنه مخافة المقام بمكة إلى الوفاة فيكون قادحا في هجرته كما نص عليه في بعض الروايات إذ قال : خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها فأجابه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك لا يكون وأنه يطول عمره ، وقال عياض : كان حكم الهجرة باقيا بعد الفتح بهذا الحديث ، وقيل : إنما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح ، فأما من هاجر بعده فلا .

قوله : إلا ازددت به أي بالعمل الصالح . قوله : ثم لعلك أن تخلف المراد بتخلفه طول عمره ، وكان كذلك عاش زيادة على أربعين سنة فانتفع به قوم وتضرر به آخرون . وقال ابن بطال : لما أمر سعد على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم فتاب بعضهم وأصر بعضهم فقتلهم فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون ، وحكى الطحاوي هذا عن بكير بن الأشج ، عن أبيه عامر أنه سأله عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول وأن المرتدين كانوا يسجعون سجعة مسيلمة ، قال الطحاوي : ومثل هذا لم يقله عامر استنباطا ، وإنما هو توقيف إما أن يكون سمعه من أبيه أو ممن يصلح له أخذ ذلك عنه ، واعلم أن كلمة لعل معناها للترجي إلا إذا وردت عن الله أو رسوله أو أوليائه فإن معناها التحقيق .

قوله : اللهم أمض بقطع الهمزة يقال : أمضيت الأمر أي أنفذته أي : تممها لهم ولا تنقصها عليهم فيرجعون إلى المدينة . قوله : ولا تردهم على أعقابهم أي : بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية فيخيب قصدهم ويسوء حالهم ، ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه رجع على عقبه وحار ، ومنه الحديث أعوذ بك من الحور بعد الكور أي : من النقصان بعد الزيادة . قوله : لكن البائس بالباء الموحدة وفي آخره سين مهملة ، وهو الذي عليه أثر البؤس أي : الفقر والعيلة ، وقال الأصيلي : البائس الذي ناله البؤس وقد يكون بمعنى مفعول كقوله : عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : مرضية .

قوله : سعد بن خولة مرفوع لأنه خبر لقوله : البائس وعامة المؤرخين يقولون ابن خولة إلا أبا معشر ، فإنه يقول : ابن خولى . وقال ابن التين : خولة ساكنة الواو عند أهل اللغة والعربية ، وكذا رواه بعضهم . وقال الشيخ أبو الحسن : ما سمعنا قط أحدا قرأه إلا بفتحها والمحدثون على ذلك قيل : إنه أسلم ولم يهاجر من مكة حتى مات بها ، وذكره البخاري فيمن هاجر وشهد بدرا وغيرها ، وتوفي بمكة في حجة الوداع كما ذكرناه .

قوله : يرثي له أي يرق له ويترحم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : أن مات بفتح الهمزة أي لأنه مات بالأرض التي هاجر منها ، وهذا كلام سعد بن أبي وقاص صرح به البخاري في كتاب الدعوات ، وقال ابن بطال : وأما يرثي له صلى الله عليه وسلم فهو من كلام الزهري وهو تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم : لكن البائس سعد بن خولة أي : رثى له حين مات بمكة وكان يهوى أن يموت بغيرها . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال أبو عمر : هذا حديث اتفق أهل العلم على صحة سنده ، وجعله جمهور الفقهاء أصلا في مقدار الوصية ، وأنه لا يتجاوز بها الثلث إلا أن في بعض ألفاظه اختلافا عند نقلته ، فمن ذلك ابن عيينة قال فيه عن الزهري عام الفتح انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت ، وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ويونس بن يزيد ، وعبد العزيز بن أبي سلمة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي عتيق ، وإبراهيم بن سعد فكلهم قال عن ابن شهاب عام حجة الوداع كما قال مالك ، وكذلك قال شعيب قال ابن المنذر : الذين قالوا حجة الوداع أصوب .

قال أبو عمر : وكذا رواه عفان بن مسلم ، عن وهيب بن خالد ، عن عبد الله بن عثمان ، عن عمرو بن القارئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة عام الفتح فخلف سعدا مريضا حتى خرج إلى جنين ، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه وهو وجع مغلوب ، فقال سعد : يا رسول الله إن لي مالا الحديث . والعمل على هذا الحديث أن أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث ، ويستحبون أن ينقص من الثلث ، وقال الثوري : كانوا يستحبون في الوصية الخمس بعد الربع والربع دون الثلث ، فمن أوصى بالثلث فلم يترك شيئا فلا يجوز له إلا الثلث ، وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا ترك ورثة من بنين وعصبة ، واختلفوا إذا لم يتركهما ولا وارثا بنسب أو نكاح ، فقال ابن مسعود : إذا كان كذلك جاز له أن يوصي بماله كله وعن أبي موسى مثله ، وقال بقولهما قوم منهم مسروق وعبيدة وإسحاق ، واختلف في ذلك قول أحمد ، وذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن لا يقول بقول زيد بن ثابت في هذه المسألة ، وعن عبيدة إذا مات الرجل وليس عليه عقد لأحد ولا عصبة ترثه فإنه يوصي بماله كله حيث شاء . وعن مسروق وشريك مثله ، وعن الحسن وأبي العالية مثله ذكره في المصنف .

قال القرطبي : وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق ومالك في أحد قوليهما ، وقال زيد بن ثابت : لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا كان له بنون أو ورثة كلالة أو ورث جماعة المسلمين ؛ لأن بيت مالهم عصبة من لا عصبة له ، وإليه ذهب جماعة . وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت ، وإن لم تجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث ، وأبى ذلك أهل الظاهر فمنعوها ، وإن أجازتها الورثة وهو قول عبد الرحمن بن كيسان ، وكذلك قالوا : إن الوصية للوارث لا تجوز وإن أجازها الورثة لحديث لا وصية لوارث وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة ويجعلونها هبة ، وفي الحديث دلالة على أن الثلث هو الغاية تنتهي إليها الوصية وأن التقصير عنه أفضل . وكره جماعة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث ، قال طاوس : إذا كانت ورثته قليلا وماله كثيرا فلا بأس أن يبلغ الثلث ، واستحب طائفة الوصية بالربع ، وهو مروي عن ابن عباس وقال إسحاق : السنة الربع لقوله : الثلث كثير إلا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهة فيجوز له الثلث قال أبو عمر : لا أعلم لإسحاق حجة في قوله : السنة الربع .

وقال ابن بطال : أوصى عمر رضي الله تعالى عنه بالربع ، واختار آخرون السدس . وقال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل رواه عنه ابن أبي شيبة بسند صحيح ، وكان السدس أحب إليه من الثلث ، وأوصى أنس فيما ذكره في المصنف من حديث عبادة الصيدلاني عن ثابت عنه بمثل نصيب أحد ولده ، وأجاز آخرون العشر ، وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه يفضل الوصية بالخمس وبذلك أوصى وقال : رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه يعني خمس الغنيمة . واستحب جماعة الوصية بالثلث محتجين بحديث الباب ، وبحديث ضعيف رواه ابن وهب عن طلحة بن عمرو ، وتفرد بذكره مع ضعفه عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم .

وفيه جواز ذكر المريض ما يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية أو نحو ذلك ، وإنما يكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه ، فإنه قادح في أجر مرضه وفيه في قوله : أفأتصدق مالي كله في رواية إن صحت حجة قاطعة لما ذهب إليه جمهور أهل العلم في هبات المريض وصدقته وعتقه أن ذلك من ثلثه لا من جميع ماله ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وعامة أهل الحديث والرأي محتجين بحديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم ، ثم توفي فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثنين وأرق أربعة . وقالت فرقة من أهل النظر وأهل الظاهر في هبة المريض : إنها من جميع المال . وقال ابن بطال : هذا القول لا نعلم أحدا من المتقدمين قال به .

وقال أبو عمر : قد قال بعض أهل العلم : إن عامر بن سعد هو الذي قال في حديث سعد أفأتصدق ، وأما مصعب بن سعد فإنما قال : أفأوصي ولم يقل : أفأتصدق . قال أبو عمرو : الذي أقوله أن ابن شهاب رواه عن سعد فقال : أفأوصي كما قال مصعب وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . وقد روى شعبة والثوري عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر ، عن سعد أفأوصي بمالي كله ، وكذا روى عبد الملك بن عمير ، عن مصعب ، وفيه استحباب عيادة المريض للإمام وغيره ، وفيه إباحة جمع المال وأنه لا عيب في ذلك كما يدعيه بعض المتصوفة ، وفيه الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب واستحباب الإنفاق في وجوه الخير وأن الأعمال بالنيات ، وأن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ويثاب به ، وقد نبه عليه بأحسن الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند المداعبة ، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة ، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله تعالى فيحصل به الأجر فغيره بالطريق الأولى .

فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص ذكر الزوجة دون غيرها ؟ قلت : لأن زوجة الإنسان من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته ، وفيه من إعلام نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم حيث أطلعه الله تعالى أن سعدا لا يموت حتى يخلف جماعة ، كما أطلعه على أنه لا يموت حتى ينتفع به قوم ويتضرر به آخرون على ما ذكرناه ، حتى إنه عاش وفتح العراق وغيره ، وفيه أن الإنفاق إنما يحصل فيه الأجر إذا أريد به وجه الله ، والنفقة على العيال تحتمل وجهين : الأول أن يكون المعنى يكتب له بذلك أجر الصدقة ، الثاني أنه لما أراد أن يتصدق بماله أخبره أن ما يناله العيال فيه أجر كما في الصدقة ، قال القرطبي : يفيد منطوقه أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة وإن كانت واجبة ، ومفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها والمعنيان صحيحان ، وهل إذا أنفق نفقة واجبة على الزوجة أو الولد الفقير ولم يقصد التقرب هل تبرأ ذمته أم لا ؟ فالجواب أنها تبرأ ذمته من المطالبة ؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى فتجزئ بغير نية كالديون وأداء الأمانات وغيرها من العبادات ، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر ، وفيه فضيلة طول العمر للازدياد من الخير ، وفيه وجوب استدامة حكم الهجرة ولكنه ارتفع يوم الفتح واستبعد القاضي عياض ارتفاع حكم الهجرة بعد الفتح قال : وحكمه باق بعد الفتح لهذا الحديث ، وقيل : إنما لزم المهاجرين المقام بالمدينة بعد الهجرة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ الشريعة عنه وشبه ذلك ، فلما مات ارتحل أكثرهم منها وقال عياض : قيل : لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة وموته بها إذا كان لضرورة ، وإنما يحبطه ما كان بالاختيار . وقال قوم : المهاجر بمكة تحبط هجرته كيف ما كان ، وقيل : لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة ، وفيه أن طلب الغنى للورثة أرجح على تركهم عالة ، ومن هنا أخذ ترجيح الغني على الفقير ، وفيه جواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة ، وهو قول الجمهور والله أعلم .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث