حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي

حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنها جزء من الحديث . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وإسماعيل ابن أبي أويس واسمه عبد الله وهو ابن أخت مالك رحمه الله .

والحديث أخرجه مسلم في صفة النار عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين . ( ذكر معناه ) : قوله ( بالغداة ) ؛ أي في الغداة وفي العشي . قوله ( إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ) ؛ يعني : إن كان الميت من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه ، وقال الطيبي : يجوز أن يكون المعنى إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يكتنه كنهه ؛ لأن هذا المنزل لطليعة تباشير السعادة الكبرى ، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الفخامة كقولهم : من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى .

قلت : الصمان - بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون - جبل ينقاد ثلاث ليال وليس له ارتفاع ، سمي به لصلابته . قوله ( حتى يبعثك الله يوم القيامة ) ، وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك : حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . وحكى ابن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب مالك وأن الأكثرين رووه كرواية البخاري وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم ، قال : والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد .

ويحتمل أن يعود الضمير على الله ، وإلى الله ترجع الأمور ، وكونه عائدا إلى المقعد الذي يصير إليه أشبه ، ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ : ثم يقال : هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة ، أخرجه مسلم . وقد أخرج النسائي رواية ابن القاسم ، لكن لفظه كلفظ البخاري ، وقال الطيبي : معنى حتى يبعثك الله - وحتى للغاية - أنه يرى بعد البعث من عند الله كرامة ومنزلة ينسى عنده هذا المقعد ، كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ؛ أي إنك مذموم مدعو عليك باللعنة إلى يوم الدين ، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن معه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه عرض مقعد الميت عليه ، قيل : معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى ، وأريد بالبكور بالغداة والعشي تذكارهم بذلك ، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة هي في الفوات وأكل التراب لها والفناء ولا يعرض شيء على الفاني ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة لأنها لا تفنى .

وقال أبو الطيب : اتفق المسلمون على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة ، وإنما هو في الدنيا ، فهم معرضون بعد مماتهم على النار ، وقيل يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، انتهى . قلت : قال الله تعالى : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا والذي يقال في هذه الآية يقال في هذا أيضا ، والله تعالى أعلم . وقال ابن التين : ويحتمل أن يراد بالغداة والعشي غداة واحدة وعشية واحدة يكون العرض فيها ، ومعنى قوله حتى يبعثك الله أي لا تصل إليه إلى يوم البعث ، ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي وذلك لا يكون إلا بأن يكون الإحياء بجزء منه ، فإنا نشاهد الميت ميتا بالغداة والعشي وذلك يمنع إحياء جميعه وإعادة جسمه ، ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه ، وتصح مخاطبته والعرض عليه ، ويحتمل أن يريد بذلك غداة واحدة ويكون العرض فيها ويكون معنى قوله حتى يبعثك الله أي أنه مقعدك لا تصل إليه حتى يبعثك الله .

وقال القرطبي : يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط ، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن . قال : وهذا في حق المؤمن والكافر واضح ، وأما المؤمن المخلط فيحتمل أيضا في حقه لأنه يدخل الجنة في الجملة ثم هو مخصوص بغير الشهداء . وقيل : يحتمل أن يقال إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها ، فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن ، وفيه ما قال ابن عبد البر عن بعضهم وهو الاستدلال به على أن الأرواح على أفنية القبور .

قال : والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية القبور لا أنها لا تفارق الأفنية ، بل هي كما قال مالك أنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت . قلت : كونها تسرح حيث شاءت لا يمنع كونها على الأفنية ؛ لأنها تسرح ثم تأوي إلى القبر ، وعن مجاهد : الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث