باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنهما
( باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله عنهما ) أي هذا باب في بيان ما جاء في صفة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفة قبر أبي بكر الصديق وعمر الفاروق من كون قبرهم في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها وكونه مسنما أو غير مسنم ، وكونه بارزا أو غير بارز ، ومن كون أبي بكر وعمر معه صلى الله عليه وسلم ، وفيه فضيلة عظيمة لهما فيما لا يشاركهما فيها أحد ؛ وذلك أنهما كانا وزيريه في حال حياته وصارا ضجيعيه بعد مماته ، وهذه فضيلة عظيمة خصهما الله تعالى بها وكرامة حياهما بها لم تحصل لأحد ، ألا ترى وصية عائشة رضي الله تعالى عنها إلى ابن الزبير - رضي الله تعالى عنهما - أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك ! وهذا من تواضعها وإقرارها بالحق لأهله وإيثارها به على نفسها ، ورأت عمر رضي الله تعالى عنه أهلا ، وأيضا لقرب طينتهما من طينته ، ففي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة عند قبر فقال : من هذا ؟ فقيل : فلان الحبشي . فقال صلى الله عليه وسلم : لا إله إلا الله ، سيق من أرضه وسمائه إلى تربته التي منها خلق . قال الحاكم : صحيح الإسناد .
وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه ؛ لأن الموضع كان بيتها ولها فيه حق ، ولها أن تؤثر به نفسها لذلك ، فآثرت به عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها رأت رؤيا دلتها على ما فعلت حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها ، فقصتها على والدها لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفن في بيتها ، فقال لها أبو بكر : هذا أول أقمارك ، وهو خيرها . ( وقول الله : فأقبره ) ( أقبرت الرجل إذا جعلت له قبرا ، وقبرته دفنته ) أشار بهذا إلى الفرق في المعنى بين أقبرت الذي هو من الثلاثي المزيد من باب الأفعال ، وبين قبرت الذي من الثلاثي المجرد ، وبين أن معنى أقبرت جعلت له قبرا وأن معنى قبرت فلانا دفنته .
( كفاتا يكونون فيها أحياء ويدفنون فيها أمواتا ) أشار به إلى تفسير قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا وقوله : ( كفاتا ) كلمة من القرآن الكريم ، وقوله ( يكونون فيها ) تفسيره . وروى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال في قوله : أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا قال : يكونون فيها ما أرادوا ثم يدفنون فيها ، انتهى . والكفات من كفت الشيء أكفته إذا جمعته وضممته ، قاله الزجاج .
وقال الفراء : نكفتهم أمواتا في بطنها ؛ أي نحفظهم ونحرزهم ، ونصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليه . وفي تفسير الطبري : كفاتا وعاء . وعن ابن عباس : كنا .
وعن مجاهد أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا قال : نكفت أذاهم وما يخرج منهم . وفي المحكم : كفته وكفته قبضه وضمه . قال : وعندي أن الكفات في الآية الكريمة مصدر من كفت .
ج٨ / ص٢٢٣143 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني سليمان ، عن هشام . ح ، وحدثني محمد بن حرب قال : حدثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء ، عن هشام ، عن عروة ، عن عائشة قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتعذر في مرضه أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ؟ استبطاء ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - دفن في بيت عائشة وفيه قبره والترجمة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم .
( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه عبد الله ابن أخت مالك بن أنس ، وقد تقدم . الثاني : سليمان بن بلال ، أبو أيوب . الثالث : هشام بن عروة بن الزبير .
الرابع : محمد بن حرب - ضد الصلح - أبو عبد الله النشائي بفتح النون وبالشين المعجمة ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين . الخامس : أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني ، مات سنة ثمان وثمانين ومائة . السادس : عروة بن الزبير بن العوام .
السابع : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه إسماعيل وسليمان وهشام وعروة مدنيون ومحمد بن حرب شيخه واسطي ويحيى بن أبي زكريا شامي سكن واسط . ( ذكر معناه ) : قوله ( إن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ) ، كلمة " إن " هذه مخففة من الثقيلة فتدخل على الجملتين ، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها خلافا للكوفيين ، وحكى سيبويه : إن عمرا لمنطلق .
وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها ، وهاهنا دخلت على الفعلية ، والأكثر كون الفعل ماضيا . قوله ( ليتعذر ) بالعين المهملة والذال المعجمة ؛ أي يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة رضي الله تعالى عنها ، ويمكن أن يكون بمعنى يتعسر أي يتعسر عليه ما كان عليه من الصبر ، وعند ابن التين في رواية أبي الحسن " ليتقدر " بالقاف والدال المهملة . قال الداودي : معناه يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها ليهون عليه بعض ما يجد ؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الأنس والسكون .
قوله ( أين أنا اليوم ؟ ) ؛ أي أين أكون في هذا اليوم ؟ وأين أكون غدا ؟ وقال الكرماني : يريد بقوله " أين أنا اليوم ؟ " لمن النوبة اليوم ولمن النوبة غدا ؟ أي في حجرة أي امرأة من النساء أكون غدا استبطاء ليوم عائشة رضي الله تعالى عنها ، يستطيل اليوم اشتياقا إليها وإلى نوبتها . قوله ( فلما كان يومي ) ؛ أي في النوبة . قوله ( بين سحري ونحري ) ، السَحْرُ - بفتح السين وسكون الحاء المهملتين - ما التزق بالحلقوم والْمَريءِ من أعلى البطن ، والسحر بفتحتين كذلك وبضم السين كذلك ، والسحر أيضا الرئة ، والجمع سحور ؛ ذكره ابن سيده .
وذكر ابن عديس أيضا في الرئة سحرا بفتحتين ، وفي الصحاح : السحر الرئة ، والجمع أسحار ؛ كبرد وأبراد . وقال الفراء : السحر أكثر قول العرب السحر والنحر - بالنون - الصدر . وقال ابن قتيبة في كتابه الغريب : بلغني عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قال : إنما هو شجري ونحري بالشين المنقوطة والجيم ، فسئل عن ذلك فشبك بين أصابعه وقدمها من صدره كأنه يضم شيئا إليه ، أراد أنه قبض وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها ، والشجر التشبيك .
وفي المخصص : الشجر طرفا اللحيين من أسفل ، وقيل : هو مؤخر الفم ، والجمع أشجار وشجور . ويستفاد من الحديث فضيلة عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله ( ودفن في بيتي ) ، نسبة البيت إليها كما في قوله تعالى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ؛ لأن البيوت كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم .