باب الصدقة قبل الرد
حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا أبو عاصم النبيل ، قال : أخبرنا سعدان بن بشر قال : حدثنا أبو مجاهد قال : حدثنا محل بن خليفة الطائي ، قال : سمعت عدي بن حاتم - رضي الله عنه - يقول : كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجلان ، أحدهما يشكو العيلة ، والآخر يشكو قطع السبيل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير ، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ، ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ، ولا ترجمان يترجم له ، ثم ليقولن له أم أوتك مالا ، فليقولن بلى ، ثم ليقولن ألم أرسل إليك رسولا ، فليقولن بلى ، فينظر عن يمينه ، فلا يرى إلا النار ، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار ، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر الجعفي المعروف بالمسندي ، وقد مر .
الثاني : أبو عاصم الضحاك بن مخلد الملقب بالنبيل ، وقد تكرر ذكره . الثالث : سعدان بن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة الجهني . الرابع : أبو مجاهد اسمه سعد الطائي .
الخامس : محل بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام ابن خليفة الطائي . السادس : عدي بن حاتم الطائي . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع .
وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه : السماع . وفيه : القول في موضعين .
وفيه : أن شيخه بخاري ومن أفراده . وفيه : أن شيخ شيخه شيخه أيضا ؛ لأنه روى عنه ، وأنه بصري وأن سعدان من أفراده ، وأنه كوفي وأن لفظ سعدان لقبه واسمه سعدوان أبا مجاهد أيضا من أفراده ، وأنه طائي وأن محل بن خليفة كوفي ، وأنه من أفراده ، قال الكرماني : وجده عدي بن حاتم ، ثم قال : وفي الإسناد ثلاثة طائيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة ، عن محمد بن الحكم ، عن النضر بن شميل وأخرجه النسائي في الزكاة ، عن نضر بن علي الجهضمي مختصرا .
( ذكر معناه ) قوله : يشكو العيلة بفتح العين المهملة ، أي : الفقر من عال إذا افتقر ، قال الجوهري : يقال عال يعيل عيلة وعيولا إذا افتقر ، قال تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً وهو عائل ، وقوم عيلة ، وترك أولاده يتامى عيلى ، أي : فقراء ، وذكره في الأجوف اليائي ، وأما عال عياله عولا وعيالة ، أي : قاتهم ومانهم وأنفق عليهم ، فهو من الأجوف الواوي ، وقال ابن قرقول : وأصله من العول ، وهو القوت ومنه قوله : وابدأ بمن تعول ، أي : بمن تقوت قوله : قطع السبيل هو من فساد السراق واللصوص ، كذا قاله الكرماني . وفيه نظر ؛ لأن قطع السبيل لا يكون إلا من قطاع الطريق جهرا والسارق لا يأخذ جهرا ، وكذلك اللص ، قوله : العير بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف : الإبل التي تحمل الميرة . وفي المطالع العير القافلة ، وهي الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارة ، ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك ، وقال ابن الأثير : العير الإبل بأحمالها ، فعل من عار يعير إذا سار .
وقيل : هي قافلة الحمير ، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة ، كأنها جمع عير ، وكان قياسها أن يكون فعلا بالضم كسقف في سقف ، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة نحو عين ، قوله : خفير بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء ، وهو المجير الذي يكون القوم في ضمانه وذمته ، وقال الكرماني : والمراد منه حتى تخرج القافلة من الشام والعراق ونحوهما إلى مكة بغير البدرقة . وفي الصحاح خفرت الرجل أخفره بالكسر خفرا : إذا آجرته وكنت له خفيرا تمنعه ، قال الأصمعي : وكذلك خفرته تخفيرا وأخفرته : إذا نقضت عهده وغدرت به ، قوله : بين يدي الله هو من المتشابهات والأمة في أمثالها كاليمين ، ونحوه طائفتان المفوضة والمؤولة بما يناسبها ، قوله : ولا ترجمان بضم التاء وفتحها ، والجيم مضمومة فيهما والتاء فيه أصلية ، وقال الجوهري : زائدة ، وقال : هو نحو الزعفران ، فالجيم مفتوحة . هذا على جهة التمثيل ليفهم الخطاب أن الله تعالى لا يحيط به شيء ، ولا يحجبه حجاب ، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب للعجز عن الإدراك في الدنيا فإذا كان يوم القيامة كشف تلك الحجب ، عن أبصارنا وقواها حتى نراه معاينة كما نرى القمر ليلة البدر ، كما ثبت في الأحاديث الصحاح قوله : فليتقين أمر مؤكد بالنون الثقيلة دخلت عليه اللام ، قوله : ولو بشق تمرة بكسر الشين ، معناه : لا تحقروا شيئا من المعروف ولو كان بشق تمرة ، أي : بنصفها ، قوله : فإن لم يجد ، أي : فإن لم يجد أحدكم شيئا يتصدق به على المحتاج فليرده بكلمة طيبة ، وهي التي فيها تطييب قلبه ، فدل على أن الكلمة الطيبة يتقى بها كما أن الكلمة الخبيثة مستوجب بها النار .
وفيه : حث على الصدقة ، وأن لا يحقر شيئا من الخير ، قولا وفعلا وإن قل .