باب صدقة السر
( باب صدقة السر ) وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه " . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن قوله : " فأخفاها " ، أي : الصدقة ، وهي صدقة السر ، وهذا المعلق ذكره موصولا في باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ، عن محمد بن بشار ، عن يحيى ، عن عبيد الله ، عن حبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سبعة يظلهم الله في ظله " الحديث ، وهذا المعلق قطعة منه ، ولكن لفظه هناك : ورجل تصدق بصدقة ، وأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه .
وذكره أيضا بتمامه في الباب الثالث بعد هذا الباب ، وهو باب الصدقة باليمين على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، قوله : " ورجل " عطف على ما قبله في الحديث المذكور . وقال الله تعالى : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة ظاهرة ، وأولها : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي : إن أظهرتموا الصدقة فنعم شيء هي . وقيل : فنعمت الخصلة هي ، نزلت لما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة السر أفضل أم الجهر ؟ قال الطبري : وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ إلى قوله تعالى : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة ، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات أقربت الصدقات إليها ، وعن قتادة : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا كل مقبول إذا كانت النية صادقة وصدقة السر أفضل ، وذكر لنا : أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار .
وقاله أيضا الربيع ، وعن ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ، يقال : بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها تفضل من سرها ، يقال : بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها ، وقال سفيان : هو سوى الزكاة ، وقال آخرون : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ يعني : على أهل الكتابين من اليهود والنصارى ، فنعما ج٨ / ص٢٨٥هي ، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم ، فهو خير لكم ، قالوا : فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع ، فإخفاؤه أفضل ، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب ، ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء ، وصدقة التطوع على العكس من ذلك ، ونقل أبو إسحاق الزجاج : أن إخفاء الزكاة في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان أفضل ، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها ، فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل ، وقال أبو عطية : ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل ، فقد كثر المانع لها ، وصار إخراجها عرضة للرياء ، قوله : " إِنْ تُبْدُوا " قال الزجاج : يعني : تظهروا ، يقال : بدا يبدو : إذا ظهر ، وأبديته إبداء : إذا أظهرته ، وبدا لي بداء : إذا تغير رأيه عما كان عليه ، قوله : " فَنِعِمَّا هِيَ " فيه قراآت ، موضعها في محلها ، قوله : " وَإِنْ تُخْفُوهَا " من الإخفاء ، يقال : أخفيت الشيء إخفاء : إذا سترته ، وخفي الشيء خفاء : إذا استتر ، وخفيته أخفيه خفيا : إذا أظهرته ، وأهل المدينة يسمون النباش المختفي . وفي تفسير ابن كثير قوله : " وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ " فيه دليل على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ؛ لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يتربت على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية ، والإسرار أفضل لهذه الآية ، ولما ثبت في الصحيح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سبعة يظلهم الله " الحديث ، وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها ، فاستقرت فتعجب الملائكة من خلق الجبال ، فقالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ، فقال : نعم ، الحديد ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم الماء ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله " ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤذن محارب ، أخبرنا موسى بن عمير ، عن عامر الشعبي في قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال : أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟ قال : خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر ، فجاء بماله كله ، فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : ما خلفت وراءك يا أبا بكر ؟ فقال : عدة الله وعدة رسوله ، فبكى عمر ، وقال : بأبي أنت يا أبا بكر ، والله ما أسبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا ، وتمام الآية المذكورة وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي : نكفر عنكم بدل الصدقات من سيئاتكم ، أي : من ذنوبكم ، قرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص : " يكفر " بالياء وضم الراء ، وقرأ حمزة ونافع والكسائي " ونكفر " بالنون ، وجزم الراء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر " ونكفر " بالنون وضم الراء ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . أي : لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجزيكم عليه ، والله أعلم بحقيقة الحال .