باب هل يشتري صدقته
( باب هل يشتري صدقته ) ( ولا بأس أن يشتري صدقته غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى المتصدق خاصة عن الشراء ولم ينه غيره ) 89 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يحدث أن عمر بن الخطاب تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده يباع فأراد أن يشتريه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأمره فقال : لا تعد في صدقتك ، فبذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يترك أن يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة .
ج٩ / ص٨٥مطابقته للترجمة من حيث إن تقديرها لا يشتري في جواب الاستفهام كما ذكرناه . ورجاله ستة قد ذكروا كلهم ، وعقيل بضم العين ابن خالد ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وأخرجه النسائي في الزكاة عن محمد بن عبد الله المخزومي ، ورواه معن بن عيسى ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، وكذا رواه أبو قلابة ، عن بشر بن عمر ، عن مالك رضي الله عنه ، ورواه عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، وقال الدارقطني : والأشبه بالصواب قول من قال : عن ابن عمر أن عمر ، وفي رواية للبخاري " عن ابن عمر أن عمر حمل على فرس في سبيل الله أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحمل عليها ، فحمل عليها رجلا " الحديث ، وفي رواية ابن عبد البر : " لا تشتره ولا شيئا من نتاجه " ، وفي ( العلل ) لابن أبي حاتم : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا تصدقت بصدقة فأمضها ، لقد تصدقت بتمر على مساكين فوجدت تمرة فأدخلت يدي في في ، ثم لفظتها خشية أن تكون من الصدقة " ، وفي ( المصنف ) فرآه عمر رضي الله تعالى عنه أو شيئا من نسله يباع في السوق ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتركه حتى يوافيك يوم القيامة ، وعن الزبير بن العوام أن رجلا حمل على فرس في سبيل الله تعالى ، فرأى فرسه أو مهره يباع بنسب فرسه فنهى عنها " ،
وعن أسامة بسند جيد " أنه حمل على مهر له في سبيل الله تعالى فرآه بعد ذلك يباع ، فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم عنه فنهاني عنه "، وروى الشعبي عن زياد بن حارثة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث أسامة . ( ذكر معناه ) : قوله : " تصدق بفرس " أي : حمل عليه رجلا " ومعناه أنه ملكه له ، فلذلك ساغ له بيعه ، وقال ابن عبد البر : أي : حمله على فرس حمل تمليك وغزا به ، فله أن يفعل فيه ما شاء في سائر أمواله ، وقيل : كان عمر رضي الله تعالى عنه قد حبسه ، وفي هذا الوجه إنما ساغ للرجل بيعه لأنه انهزل وعجز لأجله عن اللحاق بالخيل ، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به ، وقال ابن سعد : كان اسم هذا الفرس الورد وكان لتميم الداري ، فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه لعمر رضي الله تعالى عنه .
قوله : " في سبيل الله " المراد به جهة الغزاة ، وقال الكرماني : المفهوم من السبيل الوقف ، فكيف يصح الابتياع . ( قلت ) : تمليكه للغازي ، والمتبادر إلى الذهن من سبيل الله الجهاد . ( قلت ) : لا نسلم أن المفهوم من السبيل الوقف بل المراد من سبيل الله الغازي أو الحاج وفيه خلاف .
قوله : " يباع " على صيغة المجهول جملة حالية لأن وجده بمعنى أصابه . قوله : " فاستأمره " أي : استشاره . قوله : " فلا تعد " أي : فلا ترجع في صدقتك ، ولو كان حبسا لعلله به ، وبهذا يرد على من قال : إنه كان محبسا ، ولئن كان حبسا يحتمل أن عمر رضي الله تعالى عنه ظن أنه يجوز له هذا ويباح له شراء الحبس غير أن منعه صلى الله عليه وسلم من شرائه ، وتعليله بالرجوع دليل على أنه لم يكن حبسا .
قوله : " فبذلك " أي : فبسبب ذلك كان ابن عمر يعني : عبد الله . قوله : " لا يترك " كذا هو بحرف النفي في رواية أبي ذر ، ويروى يترك ووجهه ظاهر ، وأما وجه " لا يترك " فهو أن الترك بمعنى التخلية ، وكلمة " من " مقدرة أي : لا يخلي الشخص من أن يبتاعه في حال إلا حال جعله صدقة أو لغرض إلا لغرض الصدقة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه كراهة شراء الرجل صدقته ، وقال ابن بطال : كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر رضي الله تعالى عنه ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي ، وسواء كانت الصدقة فرضا أو تطوعا ، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه ، وأولى به التنزه عنها ، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين ، وقال ابن المنذر : رخص في شراء الصدقة الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي ، قال ابن القصار : قال قوم : لا يجوز لأحد أن يشتري صدقته ويفسخ البيع ، ولم يذكر قائل ذلك ، وكأنه يريد به أهل الظاهر .
وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له ، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت ، قال : وجب أجرك ، وردها على الميراث . وقال ابن التين : وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث ، ورأوه من باب الرجوع في الصدقة ، وهو سهو لأنها تدخل قهرا ، وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المصدق بها عليه فيصير عائدا في بعض صدقته لأن العادة أن الصدقة التي تصدق بها عليه يسامحه إذا باعها ، ويقال : لا يكون الحبس إلا أن ينفق عليه المحبس من ماله ، وإذا خرج خارج إلى الغزو ودفعه إليه مع نفقته على أن يغزو به ويصرفه إليه فيكون موقوفا على مثل ذلك ، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع ، وأما إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا يجوز بيعه ، وقال جماعة من العلماء : كان عمر رضي الله تعالى عنه لا يكره أن ج٩ / ص٨٦يشتري الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره رواه الحسن عنه وقال به هو وابن سيرين .