باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا
( باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا ) 96 - حدثنا محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا زكرياء بن إسحاق ، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ، عن أبي معبد مولى ابن عباس ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : إنك ستأتي قوما أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب .
مطابقته للترجمة في قوله : " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " وهذا الحديث قد مضى في أول باب وجوب الزكاة ، فإنه أخرجه هناك عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن زكرياء بن إسحاق إلى آخره ، وهنا أخرجه عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى وهاهنا زيادة وهي قوله : " فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم " إلى آخره ، ولنذكر هنا ما لم نذكره هناك فقوله : " عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " هكذا هو في جميع الطرق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن وكيع ، فقال فيه عن ابن عباس " عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن " فعلى هذا فهو من مسند معاذ وسائر الروايات غير هذه من مرسل ابن عباس ، وأخرجه الترمذي عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث معاذا ، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه عن وكيع نحوه ، وكذا رواه أحمد في ( مسنده عن وكيع ، وأخرجه عنه أبو داود ، وأخرجه البخاري في المظالم عن يحيى بن موسى عن وكيع كذلك ، وأخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه عن محمد بن عبد الله المخزومي وجعفر بن محمد الثعلبي والإسماعيلي من طريق أبي خيثمة وموسى بن المسندي ، والدارقطني من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وإسحاق بن إبراهيم البغوي كلهم عن وكيع كذلك ، ولا يستبعد حضور ابن عباس لذلك لأنه كان في أواخر حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو إذ ذاك مع أبويه . قوله : " ستأتي قوم " توطئة للوصية ليقوي همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة ، فلذلك خصهم بالذكر تفضيلا لهم على غيرهم . قوله : " أهل كتاب " بدل لا صفة ، وكان في اليمن أهل الذمة وغيرهم ، وحكى ابن إسحاق في أول ( السيرة ) أن أصل دخول اليهود في اليمن في زمن أسعد أبي كرب وهو تبع الأصغر .
قوله : " فإذا جئتهم " إنما ذكر لفظة إذا دون أن تفاؤلا بحصول الوصول إليهم . قوله : " فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها ، وفي رواية روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية " فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى فإذا عرفوا الله " ، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه " إلى أن يوحدوا الله وإذا عرفوا ذلك " . قوله : " فإن هم أطاعوا لك بذلك " أي : شهدوا وانقادوا ، وفي رواية ابن خزيمة " فإن هم أجابوا لذلك " ، وفي رواية الفضل ابن العلاء " فإذا عرفوا ذلك " وإنما عدى أطاعوا باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقادوا .
قوله : " فإياك " كلمة تحذير . قوله : " وكرائم " منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره ، قال ابن قتيبة : ولا يجوز الواو أما عدم جواز إظهار الفعل فللقرينة الدالة عليه ولطول الكلام ، وقيل : لأن مثل هذا يقال عند تشديد الخوف ، وأما عدم جواز حذف ج٩ / ص٩٤الواو لأنها حرف عطف فيختل الكلام بحذفه ، والكرائم جمع كريمة وهي النفيسة . قوله : " واتق دعوة المظلوم " أي : تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم ، وقيل : هو تذييل لاشتماله على الظلم الخاص وهو أخذ الكرائم وعلى غيره قوله : " فإنه " أي : فإن الشأن وهو تعليل للاتقاء وتمثيل للدعوة كمن يقصد إلى السلطان متظلما فيم يحجب عنه .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه عظة الإمام وتخويفه من الظلم قال تعالى : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ولعنة الله إبعاده من رحمته والظلم محرم في كل شريعة ، وقد جاء " إن دعوة المظلوم لا ترد ، وإن كانت من كافر " ، وروى أحمد في ( مسنده ) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه " ومعنى ذلك أن الرب سبحانه وتعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن ، وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يظلم الناس شيئا ، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر ، وحذر معاذا رضي الله تعالى عنه من الظلم مع علمه وفضله وورعه وأنه من أهل بدر ، وقد شهد له بالجنة غير أنه لا يأمن أحدا بل يشعر نفسه بالخوف ، وفوائده كثيرة ذكرناها في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه في أول الزكاة .