باب فرض مواقيت الحج والعمرة
( باب فرض مواقيت الحج والعمرة ) 119 - حدثنا مالك بن إسماعيل ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثني زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في منزله ، وله فسطاط وسرادق ، فسألته من أين يجوز أن أعتمر ، قال فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرنا ، ولأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشأم الجحفة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، فإن فيه بيان توقيت لأهل هذه الأماكن الثلاثة .
( ذكر رجاله ) : وهم أربعة ، الأول : مالك بن إسماعيل أبو غسان ، مر في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان . الثاني : زهير بضم الزاي ، وفتح الهاء مصغر الزهر بن معاوية الجعفي ، مر في باب لا يستنجى بروث . الثالث : زيد بن جبير بضم الجيم ، وفتح الباء الموحدة ابن حرمل الجشمي من بني جشم بن معاوية .
الرابع : عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه السؤال ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته الثلاثة كوفيون ، وفيه أن زيد بن جبير ليس له في البخاري إلا هذا الحديث ، وفي الرواة زيد بن جبيرة بفتح الجيم وزيادة هاء في آخره لم يخرج له البخاري شيئا . وهذا الحديث بهذا الوجه من أفراد البخاري رحمه الله .
ج٤ / ص١٣٧( ذكر معناه ) : قوله : ( وله فسطاط ) هو بيت من شعر ، وفيه ست لغات : فسطاط ، وفستاط ، وفساط بالضم ، والكسر فيهن ، وقد بسطنا الكلام فيه فيما مضى . قوله : ( وسرادق ) هي واحدة السرادقات التي تحد فوق صحن الدار ، وكل بيت من كرسف ، فهو سرادق ، وكل ما أحاط بشيء فهو سرادق ، ومنه أحاط بهم سرادقها ، وقيل : السرادق ما يجعل حول الخباء بينه وبينه فسحة كالحائط ونحوه ، وظاهره أن ابن عمر كان معه أهله ، وأراد سترهم بذلك لا للتفاخر . قوله : ( فسألته ) فيه التفات ؛ لأنه قال أولا : إنه أتى ابن عمر ، فكان السياق يقتضي أن يقول : فسأله ، ووقع عند الإسماعيلي فدخلت عليه فسألته .
قوله : ( فرضها ) ، أي : قدرها ، وبينها ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المواقيت بالقرينة الحالية ، قال بعضهم : ويحتمل أن يكون المراد أوجبها ، وبه يتم مراد المصنف ، ويؤيده قرينة قول السائل : من أين يجوز ، قلت : من أين علم أن البخاري فرض الإهلال من ميقات من المواقيت حتى يكون تفسير قوله : فرضها بمعنى أوجبها حتى يتم مراده . قوله : ( لأهل نجد ) النجد في اللغة ما أشرف من الأرض ، واستوى ، ويجمع على أنجد ، وأنجاد ، ونجود ، ونجد بضمتين ، وقال القزاز سمي نجدا لعلوه ، وقيل : سمي بذلك لصلابة أرضه وكثرة حجارته وصعوبته من قولهم : رجل نجد إذا كان قويا شديدا ، وقيل : يسمى نجد الفزع من يدخله لاستيحاشه ، واتصال فزع السالكين له من قولهم : رجل نجد إذا كان فزعا ، ونجد مذكر ، ولو أنثه أحد ورده على البلد لجاز له ذلك ، والعرب تقول : نجد ، ونجد بفتح النون وضمها ، وقال الكلبي في ( أسماء البلدان ) ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب إلى الطائف ، فالطائف من نجد ، وأرض اليمامة ، والبحرين إلى عمان ، وقال أبو عمر : نجد ما بين جرش إلى سواد الكوفة ، وحده مما يلي المغرب الحجاز ، وعن يسار الكعبة اليمن ، ونجد كلها من عمل اليمامة ، وقال ابن الأثير : نجد ما بين العذيب إلى ذات عرق ، وإلى اليمامة ، وإلى جبل طيء ، وإلى وجرة ، وإلى اليمن ، والمدينة لا تهامية ، ولا نجدية ، فإنها فوق الغور ، ودون نجد ، وقال الحازمي : نجد اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة ، واليمن ، والعراق ، والشام ، وقال السكري : حد نجد ذات عرق من ناحية الحجاز ، كما يدور الجبال معها إلى جبال المدينة ، وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة ، وقال الخطابي : نجد ناحية المشرق ، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها ، وهي مشرق أهلها ، وذكر في ( المنتهى ) نجد من بلاد العرب ، وهو خلاف الغور ، أعني تهامة ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد . قوله : ( قرنا ) بفتح القاف ، وسكون الراء ، وقال الجوهري : هو بفتحها وغلطوه ، وقال القابسي : من قال بالسكون أراد الجبل المشرف على الموضع ، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يعرف منه ، فإنه موضع فيه طرق متفرقة ، وقال ابن الأثير في ( شرح المسند ) وكثيرا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها ، وليس بصحيح ، وقال ابن التين : رويناه بالسكون ، وعن الشيخ أبي الحسن أن الصواب فتحها ، وعن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن إن قلت : قرن المنازل أسكنته ، وإن قلت : قرنا فتحت ، ( قلت ) : لما قال الجوهري بالفتح ، ومنه أويس القرني ، وقال النسابون : أويس منسوب إلى قرن بالفتح اسم قبيلة ، وهو على يوم وليلة من مكة ، وقال ابن قرقول : هو قرن المنازل ، وقرن الثعالب ، وقرن غير مضاف ، وقال الكرماني : وفي بعض الرواية كتبت بدون الألف ، فهو إما باعتبار العلمية ، والتأنيث ، وإما على اللغة الربيعية حيث يقفون على المنون المنصوب بالسكون فيكتب بدون الألف لكن يقرأ بالتنوين .
انتهى ، ( قلت ) : على الوجه الأول : هو غير منصرف للعلمية ، والتأنيث ، فلا يقرأ بالتنوين . قوله : ( ذا الحليفة ) ، أي : عين لأهل المدينة ذا الحليفة ، وقد فسرناها عن قريب . قوله : ( ولأهل الشام الجحفة ) ، أي : قدر الجحفة ، وهي بضم الجيم ، وسكون الحاء المهملة ، وقال أبو عبيد : هي قريبة جامعة بها منبر بينها وبين البحر ستة أميال ، وغدير خم على ثلاثة أميال منها ، وهي ميقات المتوجهين من الشام ومصر ، والمغرب ، وهي على ثلاثة مراحل من مكة ، أو أكثر ، وعلى ثمانية مراحل من المدينة ، سميت بذلك ؛ لأن السيول أجحفت بما حولها ، وقال الكلبي : أخرجت العماليق بني عبيل وهم أخوة عاد من يثرب ، فنزلوا الجحفة ، وكان اسمها مهيعة فجاءهم السيل ، فأجحفتهم فسميت الجحفة ، وفي كتاب ( أسماء البلدان ) ؛ لأن سيل الجحاف نزل بها ، فذهب بكثير من الحاج ، وبأمتعة الناس ورحالهم ، فمن ذلك سميت الجحفة ، وقال أبو عبيد : وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيعة بفتح الميم ، وسكون الهاء ، وفتح الياء آخر الحروف ، والعين المهملة ، وقال القرطبي : قال بعضهم ج٤ / ص١٣٨بكسر الهاء ، وقال ابن حزم رحمه الله تعالى : الجحفة ما بين المغرب ، والشمال من مكة ، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلا ، والله تعالى أعلم .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه رد على عطاء ، والنخعي ، والحسن في زعمهم أن لا شيء على من ترك الميقات ، ولم يحرم ، وهو يريد الحج والعمرة ، وهو شاذ ، ونقل ابن بطال عن مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي أنه يرجع من مكة إلى الميقات واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أم لا ، فقال مالك ، والثوري في رواية : لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرما ، وهو قول ابن المبارك ، وقال أبو حنيفة : إن رجع إليه فلبى ، فلا دم عليه برجوعه إليه محرما ، وإن لم يلب فعليه دم ، وقال الثوري في رواية ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه على كل وجه ، أي : قبل أن يطوف ، فإن طاف ، فالدم باق ، وإن رجع ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : الإحرام بالعمرة لا يلزم أن يكون من المذكورات ، بل يصح من الجعرانة ونحوها ، قلت : هي للمكي ، وأما الآفاقي ، فلا يصح له الإحرام بها إلا من المواضع المذكورة .