حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب مهل أهل مكة للحج والعمرة

( باب مهل أهل مكة للحج والعمرة )

121 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشأم الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، هن لهن ، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك ، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة . مطابقته للترجمة في قوله : حتى أهل أهل مكة من مكة ، يعني : لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام ، بل مهلهم للحج ، أي : موضع إهلالهم لأجل الحج ، هو مكة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، وقال الكرماني : غرض البخاري بيان أن الإحرام لا بد ، وأن يكون من هذه المواقيت ، فما وجه دلالته عليه ، إذ ليس فيه إلا أن التلبية من ثمة ، ( قلت ) : التلبية إما واجبة في الإحرام ، أو سنة فيه ، وعلى التقديرين ، فالإحرام لا يخلو منها ، فالمهل هو الميقات .

انتهى ، ( قلت ) : ليس غرضه ما ذكره الكرماني ، وإنما غرضه بيان مهل أهل مكة ، ولهذا ترجم بقوله باب مهل أهل مكة للحج والعمرة ، ومحل الشاهد هو قوله : حتى أهل مكة من مكة ، كما ذكرنا ، وهذا بظاهره يدل على أن مهلهم هو مكة ، سواء كان للحج ، أو العمرة ، ولكن مهل أهل مكة للعمرة الحل ، كما سيجيء بيانه . ج٤ / ص١٤٠( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، قد ذكروا ، ووهيب هو ابن خالد البصري ، وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس يروي عن أبيه طاوس اليماني . وأخرجه البخاري أيضا عن معلى بن أسد ، ومسلم بن إبراهيم فرقهم ، وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه النسائي فيه عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي ، وعن يعقوب بن إبراهيم .

( ذكر معناه ) : قوله : ( وقت ) ، أي : عين وقت من التوقيت ، وهو التعيين ، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به ، وقال عياض : وقت ، أي : حدد ، وقد يكون بمعنى أوجب ، ويؤيده الرواية الماضية بلفظ فرض . قوله : ( قرن المنازل ) قد ذكرنا تفسير القرن في باب فرض مواقيت الحج ، وكذلك ذكرنا تفسير ذي الحليفة ، والجحفة ، وهناك ذكر لفظ القرن فقط ، وهاهنا ذكر بلفظ قرن المنازل ، وهو جمع منزل ، قال الكرماني : والمركب الإضافي هو اسم المكان ، وقد يقتصر على لفظ المضاف ، كما في الحديث المتقدم ، ( قلت ) : النكتة في ذكره هنا بهذه اللفظة هي أن المكان الذي يسمى القرن موضعان : أحدهما في هبوط ، وهو الذي يقال له قرن المنازل ، والآخر في صعود ، وهو الذي يقال له قرن الثعالب ، والمعروفالأول ، وذكر في ( أخبار مكة ) للفاكهي أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع ، وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب ، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت ، وقد وقع ذكره في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في إتيان النبي صلى الله عليه وسلم الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه ، قال : فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، الحديث ذكره ابن إسحاق في ( السيرة النبوية ) . قوله : ( ويلملم ) بفتح الياء آخر الحروف ، وباللامين ، وسكون الميم الأولى غير منصرف ، وقال عياض : ويقال ألملم ، وهو الأصل ، والياء بدل منه ، وهي على ميلين من مكة ، وهو جبل من جبال تهامة ، وقال ابن حزم : هو جنوب مكة ، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلا ، وفي ( المحكم ) يلملم ، وألملم جبل ، وقال البكري : أهله كنانة ، وتنحدر أوديته إلى البحر ، وهو في طريق اليمن إلى مكة ، وهو من كبار جبال تهامة ، وقال الزمخشري : هو واد به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبه عسكرت هوازن يوم حنين ، ( فإن قلت ) : ما وزنه ، ( قلت ) : فعمعل كصمحمح ، وليس هو من لملمت .

لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة في أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج ، ( قلت ) : فعلى هذا الميم الأولى ، واللام الثانية زائدتان ، ولهذا قال الجوهري في باب الميم ، وفصل الياء : يلم ، ثم قال : يلملم لغة في ألملم ، وهو ميقات أهل اليمن ، وحكى ابن سيده فيه يرمرم براءين بدل اللامين ، وقد جمع واحد مواقيت الإحرام بنظم ، وهو قوله :

قرن يلملم ذو الحليفة جحفة قل ذات عرق كلها ميقات
نجد تهامة والمدينة مغرب شرق وهن إلى الهدى مرقات
قوله : ( هن لهن ) ، أي : هذه المواقيت لهذه البلاد ، والمراد أهلها ، وكان الأصل أن يقال هن لهم ؛ لأن المراد الأهل ، وقد ورد ذلك في بعض الروايات في ( الصحيح ) ، وقال القرطبي : هن ضمير جماعة مؤنث العاقل في الأصل ، وقد يعاد على ما لا يعقل ، وأكثر ذلك في العشرة ، فما دونها ، فإذا جاوزها قالوه بهاء المؤنث ، كما قال الله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ثم قال : مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ أي : من الاثني عشر ، ثم قال : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي : في هذه الأربعة ، وقد قيل : في الجميع ، وهو ضعيف شاذ . قوله : ( ولمن أتى عليهن ) ، أي : على هذه المواقيت من غيرهن ، أي : من غير أهلهن ، مثلا إذا أتى الشامي إلى ذي الحليفة يكون مهله ذا الحليفة ، وكذا الباقي نحوه . قوله : ( ومن كان دون ذلك ) ، يعني : من كان بين الميقات ومكة .

قوله : ( فمن حيث أنشأ ) الفاء جواب الشرط ، أي : فمهله من حيث قصد الذهاب إلى مكة ، يعني : يهل من ذلك الموضع . قوله : ( حتى أهل مكة من مكة ) ، يعني : إذا قصد المكي الحج فمهله من مكة ، وأما إذا قصد العمرة فمهله من الحل لقضية عائشة رضي الله تعالى عنها حين أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحريم منه ، ( فإن قلت ) : قوله : ( حتى أهل مكة من مكة ) أعم من أن يكون المكي قاصدا للحج والعمرة ، ولهذا ترجم البخاري بقوله : باب مهل أهل مكة للحج والعمرة ، ( قلت ) : قضية عائشة رضي الله تعالى عنها تخصص هذا ، ولكن الظاهر أن البخاري نظر إلى عموم اللفظ حتى ترجم بهذه الترجمة . ج٤ / ص١٤١( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن هذه المواقيت المذكورة لأهل هذه البلاد ، واختلفوا هل الأفضل التزام الحج منهن ، أو من منزله ، فقال مالك ، وأحمد ، وإسحاق : إحرامه من المواقيت أفضل ، واحتجوا بحديث الباب وشبهه ، وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وآخرون : الإحرام من المواقيت رخصة ، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فإنهم أحرموا من قبل المواقيت ، وهم ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وغيرهم قالوا : وهم أعرف بالسنة ، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات ، إلا أن يصح إجماع على خلافه ، قال أبو عمر : كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات ، وفي تعليق البخاري : كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان ، وكره الحسن ، وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد ، وقال ابن بزيزة : في هذا ثلاثة أقوال : منهم من جوزه مطلقا ، ومنهم من كرهه مطلقا ، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : الإحرام من قبل هذه المواقيت أفضل لمن قوي على ذلك ، وقد

صح أن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وعمران بن حصين ، وابن عباس ، وابن عمر أحرموا من المواضع البعيدة
، وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية ، وهي قرية من البصرة ، وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ، ومسلم بن يسار من الدارات ، وأحرم أبو مسعود من السيلحين ، وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له ، وفي رواية أبي داود من أهل بحجة ، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ، ووجبت له الجنة ، شك عبد الله أيتهما ، قال : ( قلت ) : عبد الله هو ابن عبد الرحمن أحد رواة الحديث ، وقال أبو داود : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني : إلى مكة ، وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر ، وقال ابن حزم : لا يحل لأحد أن يحرم بالحج ، أو بالعمرة قبل المواقيت ، فإن أحرم أحد قبلها ، وهو يمر عليها ، فلا إحرام له ، ولا حج ، ولا عمرة له ، إلا أن ينوي إذا صار في الميقات تحديد إحرام ، فذلك جائز ، وإحرامه حينئذ تام .

وفيه من أتى على ميقات من المواقيت لا يتجاوزه غير محرم عند أبي حنيفة ، سواء قصد دخول مكة ، أو لم يقصد ، وقال القرطبي : أما من مر على الميقات قاصدا دخول مكة من غير نسك ، وكان ممن لا يتكرر دخوله إليها فهل يلزمه دم ، أو لا ، اختلف فيه أصحابنا ، وظاهر الحديث أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النسكين خاصة ، وهو مذهب الزهري ، وأبي مصعب في آخرين ، وقال ابن قدامة : أما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين أحدهما : لا يريد دخول مكة ، بل يريد حاجة فيما سواها ، فهذا لا يلزمه الإحرام بلا خلاف ، ولا شيء عليه في تركه الإحرام ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أتى بدرا مرتين ، ولم يحرم ، ولا أحد من أصحابه ، ثم متى بدأ لهذا الإحرام ، وتجدد له العزم عليه أن يحرم من موضعه ، ولا شيء عليه ، هذا ظاهر كلام الحرقي ، وبه يقول مالك ، والثوري ، والشافعي ، وصاحبا أبي حنيفة ، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة ، وهو لا يريد الحج ، فجاوز ذا الحليفة ، ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم ، وبه قال إسحاق ، القسم الثاني : من يريد دخول الحرم إما إلى مكة ، أو غيرها ، فهم على ثلاثة أضرب : أحدها : من يدخلها لقتال مباح ، أو من خوف ، أو لحاجة متكررة كالحشاش ، والحطاب ، وناقل الميرة ، ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها ، فهؤلاء لا إحرام عليهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالا ، وعلى رأسه المغفر ، وكذا أصحابه ، ولا نعلم أن أحدا منهم أحرم يومئذ ، ولو وجب الإحرام على من يتكرر دخولها أفضى إلى أن يكون جميع زمنه محرما ، وبهذا قال الشافعي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث