باب تفسير قول الله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام
( باب تفسير قول الله تعالى ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وقال أبو كامل فضيل بن حسين البصري ، قال : حدثنا أبو معشر ، حدثنا عثمان بن غياث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي .
طفنا بالبيت وبالصفا والمروة ونسكنا مناسك وأتينا النساء ولبسنا الثياب ، وقال : من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل ج٩ / ص٢٠٦بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي ، كما قال الله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إلى أمصاركم الشاة تجزي ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة ، فإن الله تعالى أنزله في كتابه وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة ، قال الله : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم ، والرفث الجماع ، والفسوق المعاصي ، والجدال المراء . مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا
تعليق وصله الإسماعيلي ، قال : حدثنا القاسم المطرز ، حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو كامل فذكره بطوله لكنه قال عثمان بن سعد بدل عثمان بن غياث ، وكلاهما بصريان لهما رواية عن عكرمة لكن عثمان بن غياث ثقة وعثمان بن سعد ضعيف. ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري مات سنة سبع وثلاثين ومائتين ، الثاني : أبو معشر بفتح الميم واسمه يوسف بن يزيد البراء بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء ، وكان يبري العود العطار أيضا البصري ، الثالث : عثمان بن غياث بكسر الغين المعجمة وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد الألف ثاء مثلثة ، الراسبي بالباء الموحدة الباهلي ، الرابع : عكرمة مولى ابن عباس ، الخامس : عبد الله بن عباس ، وهذا الحديث من أفراده .
( ذكر معناه ) قوله : ( حجة الوداع ) بفتح الحاء والواو وكسرهما ، قوله : ( فلما قدمنا مكة ) أي فلما قربنا من مكة لأن ذلك كان بسرف ، قوله : ( اجعلوا ) خطاب لمن كان أهل بالحج مفردا ؛ لأنهم كانوا ثلاث فرق ، قوله : ( طفنا ) ، وفي رواية الأصيلي : ( فطفنا ) بالفاء العاطفة ، قال بعضهم : هو الوجه ، قلت : كلاهما موجه أما الرواية بالفاء فظاهرة ، وأما الرواية المجردة عنها فوجهها أنه استئناف ويجوز أن يكون جواب ( فلما قدمنا ) ، قوله : ( وقال ) جملة حالية ، وقد مقدرة فيها ، لأن الجملة الفعلية إذا كان فعلها ماضيا ووقعت حالا فلا بد أن يكون فيها كلمة قد إما ظاهرة أو مقدرة ، قوله : ( ونسكنا المناسك ) أي من الوقوف والمبيت بمزدلفة وغير ذلك ، قوله : ( وأتينا النساء ) وابن عباس غير داخل فيه ؛ لأنه حينئذ لم يكن مدركا ، وإنما هو يحكي ذلك عنهم ، قوله : ( ثم أمرنا ) بفتح الراء أي ثم أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( عشية التروية ) أي بعد الظهر ثامن ذي الحجة ، قوله : ( فإذا فرغنا من المناسك ) أي الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي يوم العيد والحلق ، قوله : ( فقد تم حجنا ) ، وفي رواية الكشميهني : ( وقد تم ) بالواو ومن هاهنا إلى آخر الحديث موقوف على ابن عباس ومن أوله إلى هنا مرفوع ، قوله : كما قال الله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قد فسرناه عن قريب ، قوله : ( إذا رجعتم إلى أمصاركم ) تفسير من ابن عباس بمعنى الرجوع ، قوله : ( الشاة تجزي ) تفسير من ابن عباس ، وتجزي بفتح التاء المثناة من فوق ، أي تكفي لدم التمتع ، فإن قلت : ما وقعت هذه الجملة أعني الشاة تجزي ، قلت : جملة حالية وقعت بلا واو ، وهو جائز كما في قولك : كلمته فوه إلى في ، قوله : ( بين نسكين ) وهما الحج والعمرة ، قوله : ( بين الحج والعمرة ) فائدة ذكرهما البيان والتأكيد ؛ لأنهما نفس النسكين وهو بإسكان السين ، قال الجوهري : النسك بالإسكان العبادة وبالضم الذبيحة ، قوله : ( فإن الله أنزله ) أي أنزل الجمع بين الحج والعمرة أخذا من قوله : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، قوله : ( وسنه ) أي شرعه نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمر به أصحابه ، قوله : ( وأباحه ) أي وأباح التمتع للناس غير أهل مكة ، ويجوز في غير النصب والجر ، أما النصب فعلى الاستثناء ، وأما الجر فعلى أنه صفة للناس ، وقال بعضهم بنصب غير ، ويجوز كسره ، قلت : الكسر لا يستعمل إلا في المبني ، وفي المعرب لا يستعمل إلا الجر ، قوله : ( ذلك ) أي التمتع ، وقال الكرماني : هذا دليل للحنفية في أن لفظ ذلك للتمتع لا لحكمه ، ثم أجاب بقوله : قول الصحابي ليس بحجة عند الشافعي ، إذ المجتهد لا يجوز له تقليد المجتهد ، قلت : هذا جواب واه مع إساءة الأدب ، ليت شعري ما وجه هذا القول الذي يأباه العقل ، فإن مثل ابن عباس كيف لا يحتج بقوله ، ج٩ / ص٢٠٧وأي مجتهد بعد الصحابة يلحق ابن عباس أو يقرب منه حتى لا يقلده ، فإن هذا عسف عظيم . قوله : ( التي ذكر الله تعالى ) أي في الآية التي بعدها آية التمتع ، وهو قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ قوله : ( في هذه الأشهر ) وفائدة هذا التقييد هو التنبيه على أن التمتع الذي يوجب الدم أو الصوم هو الذي في أشهر الحج ، قوله : ( شوال ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هي : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، قوله : ( والرفث ) إلى آخره قد مر بيانه مستقصى ، قوله : ( والفسوق ) المعاصي ، فيه إشعار أن الفسوق جمع فسق لا مصدر ، وتفسير الأشهر وسائر الألفاظ زيادة للفوائد باعتبار أدنى ملابسة بين الآيتين . ذكر ما يستفاد منه : فيه دليل على مشروعية التمتع وأن المتمتع على قسمين ، أحدهما : أن يكون سائق الهدي فلا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله ، والآخر غير سائق الهدي فإنه يتحلل إذا فرغ عن عمرته ثم يحرم بالحج ، وفيه : أن المكي لا تمتع عليه ، وعند الجمهور التمتع : أن يجمع الشخص بين العمرة والحج في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد ، وأن يقدم العمرة ، وأن لا يكون مكيا ، فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعا ، وفيه : صوم ثلاثة أيام في الحج لمن لا يجد الهدي ، والأفضل عند أبي حنيفة أن يصوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجة رجاء أن يقدر على الهدي الذي هو الأصل ، والمستحب في السبعة أن يكون صومها بعد رجوعه إلى أهله إذ جواز ذلك مجمع عليه ، ويجوز إذا رجع إلى مكة بعد أيام التشريق في مكة وفي الطريق ، وهو محكي عن مجاهد وعطاء ، وهو قول مالك ، وجوزه أيضا في أيام التشريق ، وهو قول ابن عمر وعائشة والأوزاعي والزهري ولم يجوزه علي بن أبي طالب للنهي عن ذلك ، وقال أحمد : أرجو أن لا يكون به بأس ، وقال إسحاق : يصومها في الطريق ، وللشافعي أربعة أقوال أصحها عنه : رجوعه إلى أهله ، الثاني : الرجوع هو التوجه من مكة ، الثالث : الرجوع من منى إلى مكة ، الرابع : الفراغ من أفعال الحج ، فإن فاته صوم الثلاثة حتى أتى يوم النحر لم يجزه عند أبي حنيفة إلا الدم ، روي ذلك عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد والحسن وعطاء وجوز صومها بعد أيام التشريق حماد والثوري وللشافعي ستة أقوال : أحدها : لا يصوم وينتقل إلى الهدي ، الثاني : عليه صوم عشرة أيام يفرق بيوم ، الثالث : عشرة أيام مطلقا ، الرابع : يفرق بأربعة أيام فقط ، الخامس : يفرق بمدة إمكان السير السادس بأربعة أيام ومدة إمكان السير وهو أصحها عندهم ، وخرج ابن شريح وأبو إسحاق المروزي قولا أن الصوم يسقط ويستقر في ذمته ، والله أعلم .