حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر

( باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر ) أي هذا باب في بيان شأن من قدم ضعفة أهله ، والضعفة بفتح العين جمع ضعيف ، وقال ابن حزم : الضعفة هم الصبيان والنساء فقط . ( قلت ) : يدخل فيه المشايخ العاجزون ؛ لأنه روي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة بني هاشم وصبيانهم بليل . رواه ابن حبان في الثقات ، وقوله : ضعفة بني هاشم أعم من النساء والصبيان والمشايخ العاجزين وأصحاب الأمراض ؛ لأن العلة خوف الزحام عليهم ، وعن ابن عباس : " أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة .

رواه النسائي ، وقال المحب الطبري : لم يكن ابن عباس من الضعفة ، وما رواه النسائي يرد عليه . قوله : " بليل " ، أي : في ليل ، والباء تتعلق بقوله : قدم وتقديمهم من منزلهم الذي نزلوا به بجمع . قوله : " ويدعون بالمزدلفة " يعني يذكرون الله ما بدا لهم .

قوله : " ويقدم إذا غاب القمر " بيان لقوله بليل ؛ لأن قوله : بليل ، أعم من أن يكون في أول الليل أو في وسطه أو في آخره ، وبينه بقوله : " إذا غاب " ؛ لأن مغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير ، ومن ثمة قيده الشافعي وأصحابه بالنصف الثاني ، وروى البيهقي من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر نساءه وثقله في صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين ، وروى أبو داود ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم ، يعني لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس . وقال الكرماني : ويقدم بلفظ المفعول والفاعل . ( قلت ) : أراد بلفظ البناء للمجهول والبناء للمعلوم ، ففي الأول يرجع الضمير إلى الضعفة فيكون مفعولا ، وفي الثاني يرجع إلى لفظ من فيكون فاعلا ، فافهم .

ج١٠ / ص١٦259 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال سالم : وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ، فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم ، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : " يقدم ضعفة أهله " ، وفي قوله : " فيقفون " ، وفي قوله : " فيذكرون الله تعالى " ؛ لأن المعنى يدعون الله ويذكرونه ما بدا لهم . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري ، والليث بن سعد المصري ويونس بن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر ، وفي رواية مسلم ، عن يونس بن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره .

قوله : " عند المشعر الحرام " بفتح الميم ، وقيل : إن أكثر العرب يكسر الميم ، قال القتبي : لم يقرأ به أحد ، وذكر الهذلي أن أبا السمال باللام في آخره قرأه بالكسر ، وقال ابن قرقول : تكسر في اللغة لا في الرواية ، وهو المزدلفة ، وفي الموعب لابن التياني ، عن قطرب قالوا : مشعر ومشعر ومشعر ثلاث لغات ، وقال الأزهري : يسمى مشعرا ؛ لأنه معلم للعبادة ، وقال الكرماني صاحب المناسك : الأصح أن المشعر الحرام في المزدلفة لا غير المزدلفة ، وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر يمينا وشمالا من الشعاب والجبال . وقال الكرماني الشارح : واختلف فيه ، والمعروف عن أصحابنا أنه قزح بضم القاف وفتح الزاي وبالمهملة ، وهو جبل معروف بالمزدلفة ، والحديث يدل عليه ، وقال غيرهم : إنه نفس المزدلفة ، وفي التلويح : والمزدلفة لها اسمان آخران جمع والمشعر الحرام ، وفي حديث أن قزح هو المشعر الحرام ، وعن ابن عمر أن المشعر الحرام هو المزدلفة كلها ، وقال بعضهم : لو كان المشعر الحرام هو المزدلفة لقال عز وجل : فاذكروا الله في المشعر الحرام ولم يقل عنده ؛ كما إذا قلت : أنا عند البيت لا تكون في البيت . وقال أبو علي الهجري في كتاب النوادر : وآخر مزدلفة محسر ، وأول منى بطن محسر ، ومحسر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المشددة المهملة ، وفي آخره راء واد بجمع وهي مزلدلفة ، وفي التلويح : وهو بين يدي موقف المزدلفة مما يلي منى ، وهو مسيل قدر رمية بحجر بين المزدلفة ومنى ، ذكره أبو عبيد .

وعند الطبري : اسم فاعل من حسر بتشديد السين سمي بذلك ؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه ، أي أعيى وكل عن السير ، قيل : هذا غلط ؛ لأن الفيل لم يعبر الحرم ، وقيل : سمي به ؛ لأنه يحسر سالكه ويتعبهم ، ويسمى واد النار ويقال : إن رجلا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته ، وحكمة الإسراع فيه ؛ لأنه كان موقفا للنصارى فاستحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسراع فيه . قوله : " الحرام " صفة المشعر ، أي : المحرم ، أي : الذي يحرم عليه الصيد فيه وغيره ، فإنه من الحرم ويجوز أن يكون معناه ذا الحرمة . قوله : " ما بدا لهم " بلا همزة ، أي : ما ظهر لهم وسنح في خواطرهم وأرادوه .

قوله : " ثم يرجعون " ، أي : إلى منى قبل أن يقف الإمام بالمزدلفة ، وفي رواية مسلم " ثم يدفعون " . قوله : " وقبل أن يدفع " ، أي : الإمام قوله : " لصلاة الفجر " ، أي : عند صلاة الفجر ، قوله : " رموا الجمرة " ، أي : جمرة العقبة وهي مرمى يوم النحر ، ويقال لها الجمرة الكبرى . قوله : " أرخص " من الإرخاص ، وهو فعل ماض وفاعله قوله : " رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كذا وقع أرخص ، وفي بعض الروايات رخص بالتشديد من الرخصة التي هي ضد العزيمة ، وهذا أظهر وأصح ؛ لأن أرخص من الرخص الذي هو ضد الغلاء .

قوله : " في أولئك " هم الضعفة المذكورة في الحديث ، واحتج به ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة ؛ لأن حكم من لم يرخص فيه ليس كحكم من رخص فيه . ( قلت ) : وقد اختلف السلف في المبيت بالمزدلفة فذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وإسحاق ، وأبو ثور ومحمد بن إدريس في أحد قوليه إلى وجوب المبيت بها ، وأنه ليس بركن ، فمن تركه فعليه دم ، وهو قول عطاء والزهري وقتادة ومجاهد ، وعن الشافعي سنة ، وهو قول مالك ، وقال ابن بنت الشافعي ج١٠ / ص١٧وابن خزيمة الشافعيان : هو ركن ، وقال علقمة والنخعي والشعبي : من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحج ، وفي شرح التهذيب وهو قول الحسن ، وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام ، وقال الشافعي : يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل دون الأول . وعن مالك النزول بالمزدلفة واجب ، والمبيت بها سنة ، وكذا الوقوف مع الإمام سنة ، وقال أهل الظاهر : من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه بخلاف النساء والصبيان والضعفاء ، وعند أصحابنا الحنفية : لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم ، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه ، والمأمور به في الآية الكريمة الذكر دون الوقوف ، ووقت الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدا ، وعن مالك لا يقف أحد إلى الإسفار بل يدفعون قبل ذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث