باب الحلق والتقصير عند الإحلال
( باب الحلق والتقصير عند الإحلال ) أي هذا باب في بيان الحلق والتقصير فيه عند إحلاله من الإحرام ، قيل : أشار البخاري بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله : عند الإحلال ، وهو قول الجمهور إلا في رواية ضعيفة عن الشافعي أنه استباحة محظور . ( قلت ) : وجمهور العلماء على أن من ج١٠ / ص٦٢لبد رأسه وجب عليه الحلاق كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وكذلك لو ضفر رأسه أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد ، وفي كامل ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا : " من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق " ، وقال أبو حنيفة : من لبد رأسه أو ضفره ، فإن قصر ولم يحلق أجزأه . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول : من لبد أو عقص أو ضفر فإن نوى الحلق فليحلق ، وإن لم ينوه فإن شاء حلق وإن شاء قصر .
وقال شيخنا زين الدين في شرح الترمذي : إن الحلق نسك ، قاله النووي ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وهو القول الصحيح للشافعي ، وفيه خمسة أوجه أصحها أنه ركن لا يصح الحج والعمرة إلا به ، والثاني أنه واجب ، والثالث أنه مستحب ، والرابع أنه استباحة محظور ، والخامس أنه ركن في الحج واجب في العمرة ، وإليه ذهب الشيخ أبو حامد وغير واحد من الشافعية . 308 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، قال نافع : كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته . مطابقته للترجمة في قوله : " حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وأبو اليمان الحكم بن نافع ، قال بعضهم : والحديث طرف من حديث طويل أوله : لما نزل الحجاج بابن الزبير ، نبه عليه الإسماعيلي .
( قلت ) : روى مسلم من حديث نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزول الحجاج بابن الزبير ، الحديث ، وفيه : " ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق " . قوله : " في حجته " وهي حجة الوداع ، يدل عليه الأحاديث الكثيرة ، وأما قوله : " اللهم ارحم المخلقين " ففيه خلاف ، وقال بعضهم : كان في حجة الوداع ، وقال القاضي عياض : كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق على ما نذكره عن قريب ، ويحتمل أنه كان في الموضعين ، وهو الأشبه ؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت في الحلق فيهما . ثم الكلام في حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وما يتعلق به على أنواع : الأول : في كيفية حلقه - صلى الله عليه وسلم - ، روى مسلم من حديث أنس " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى من منى ، فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى ونحر ، وقال للحلاق : خذ ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس " ، وروى الترمذي من حديث أنس أيضا قال : " لما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة نحر نسكه ، ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه ، فقال : اقسمه بين الناس " ، ثم ظاهر رواية الترمذي أن الشعر الذي أمر أبا طلحة بقسمته بين الناس هو شعر الشق الأيسر ، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة ، وأما رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما أن الشق الذي قسمه بين الناس هو الأيمن ، وكلا الروايتين عند مسلم ، وأما رواية حفص فقال أبو كريب عنه : فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ، ثم قال بالأيسر فصنع مثل ذلك ، وقال أبو بكر في روايته ، عن حفص : قال للحلاق : ها ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا ، فقسم شعره بين من يليه ، قال : ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه ، فأعطاه أم سليم ، وقال يحيى بن يحيى في روايته ، عن حفص : ثم قال للحلاق : خذ ، وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم للأيسر ، ثم جعل يعطيه الناس ، فلم يذكر يحيى بن يحيى في روايته أبا طلحة ولا أم سليم ، وأما رواية عبد الأعلى فقال فيها : وقال بيده فحلق شقه الأيمن ، فقسمه فيمن يليه ، ثم قال : احلق الشق الآخر ، فقال : أين أبو طلحة فأعطاه إياه .
وقد اختلف أهل الحديث في الاختلاف الواقع في هذا الحديث ، فذهب بعضهم إلى الجمع بينهما ، وذهب بعضهم إلى الترجيح لتعذر الجمع عنده ، وقال صاحب الفهم : إن قوله : " لما حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة " ليس مناقضا لما في الرواية الثانية : أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس ، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم ، وهي امرأة أبي طلحة ، وهي أم أنس - رضي الله تعالى عنها - قال : وحصل من مجموع هذه الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس ، ففعل أبو طلحة وناول شعر الشق الأيسر ليكون عند أبي طلحة ، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه والله أعلم ، وقد جمع المحب الطبري في موضع إمكان جمعه ، ورجح في مكان تعذره ، فقال : والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن ، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم ، ولا تضاد بين الروايتين ؛ لأن أم سليم امرأة أبي طلحة ، فأعطاه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لهما ، فنسب العطية تارة إليه وتارة إليها ، انتهى . وفي رواية أحمد ج١٠ / ص٦٣في المسند ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه أم سليم امرأة أبي طلحة ، فإنه قال فيها : لما حلق رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده ، فلما فرغ ناولني فقال : يا أنس انطلق بهذا إلى أم سليم ، قال : فلما رأى الناس ما خصنا به ، تنافسوا في الشق الآخر ، هذا يأخذ الشيء ، وهذا يأخذ الشيء . قال شيخنا زين الدين : وكان المحب الطبري رجح رواية تفرقة الشق الأيمن بكثرة الرواة ، فإن حفص بن غياث وعبد الأعلى اتفقا على ذلك عن هشام ، وخالفهما ابن عيينة وحده ، ثم قال الشيخ : وقد ترجح تفرقة الأيسر بكونه متفقا عليه ، وتفرقة الأيمن من أفراد مسلم ، فقد وقع عند البخاري من رواية ابن عون ، عن ابن سيرين ، " عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره " ، فهذا يدل على أن الذي أخذه أبو طلحة الأيمن ، وإن كان يجوز أن يقال : أخذه ليفرقه ، فالظاهر أنه إنما أراد الذي أخذه أبو طلحة لنفسه ، فقد اتفق ابن عون ، عن هشام من طريق ابن عيينة عنه على أن أبا طلحة أخذ الشق الأيمن ، واختلف فيه على هشام ، فكانت الرواية التي لا اختلاف فيها أولى بالقبول والله أعلم .
النوع الثاني : أن فيه ما يدل على وجوب استيعاب حلق الرأس ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حلق جميع رأسه ، وقال : خذوا عني مناسككم ، وبه قال مالك وأحمد في رواية كالمسح في الوضوء ، وقال مالك في المشهور عنه : يجب حلق أكثر الرأس ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال عطاء : يبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين ؛ لأنهما منتهى نبات الشعر ليكون مستوعبا لجميع رأسه . وقال أبو حنيفة : يجب حلق ربع الرأس ، وقال أبو يوسف : يجب حلق نصف الرأس ، وذهب الشافعي إلى أنه يكفي حلق ثلاث شعرات ، ولم يكتف بشعرة أو بعض شعرة كما اكتفى بذلك في مسح الرأس في الوضوء . النوع الثالث : أنه يستدل به على أفضلية الحلق على التقصير ، وسنبينه في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى .
النوع الرابع : أن فيه طهارة شعر الآدمي ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو الصحيح من مذهب الشافعي ، وخالف في ذلك أبو جعفر الترمذي منهم ، فخصص الطهارة بشعره - صلى الله عليه وسلم - وذهب إلى نجاسة شعر غيره . النوع الخامس : فيه التبرك بشعره - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو ، وقد روى أحمد في مسنده بسنده إلى ابن سيرين أنه قال : فحدثنيه عبيدة السلماني ، يريد هذا الحديث ، فقال : لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض وفي بطنها ، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - كان في قلنسوته شعرات من شعره - صلى الله عليه وسلم - ، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فتح له ، ويؤيد ذلك ما ذكره الملا في السيرة أن خالدا سأل أبا طلحة حين فرق شعره - صلى الله عليه وسلم - بين الناس أن يعطيه شعرة ناصيته ، فأعطاه إياه فكان مقدم ناصيته مناسبا لفتح كل ما أقدم عليه . النوع السادس : أن فيه أنه لا بأس باقتناء الشعر البائن من الحي وحفظه عنده ، وأنه لا يجب دفنه كما قال بعضهم : إنه يجب دفن شعور بني آدم أو يستحب ، وذكر الرافعي في سنن الحلق فقال : وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ، ثم بالأيسر وأن يكون مستقبل القبلة ، وإنما يكبر بعد الفراغ وأن يدفن شعره ، وزاد المحب الطبري ، فذكر من سننه صلاة ركعتين بعده ، فسننه إذا خمسة .
النوع السابع : فيه مواساة الإمام والكبير بين أصحابه فيما يقسمه بينهم ، وإن فاضل بينهم لأمر اقتضى ذلك . النوع الثامن : فيه أنه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة لأمر يراه ويؤدي إليه اجتهاده ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - خصص أبا طلحة وأم سليم بشعر أحد الشقين كما تقدم . النوع التاسع : أن الحالق المذكور اختلف في تعيينه ، فقال البخاري في صحيحه : زعموا أنه معمر بن عبد الله ، وقال النووي : إنه الصحيح المشهور ، قال البخاري في التاريخ الكبير : قال علي بن عبد الله : حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن عقبة مولى معمر ، عن معمر العدوي قال : " كنت أرجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قضى حجه ، وكان يوم النحر جلس يحلق رأسه ، فرفع رأسه فنظر في وجهي ، فقال : يا معمر أمكنك النبي - صلى الله عليه وسلم - من شحمة أذنه ، وفي يدك الموسى ؟ فقال : ذاك من الله تعالى علي وفضله قال : نعم فحلقته " ، وقيل : إن الذي حلق رأسه ج١٠ / ص٦٤عليه السلام هو خراش بن أمية بن ربيعة ، حكاه النووي في شرح مسلم ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله تعالى : هذا وهم من قائله ، وإنما حلق رأسه خراش بن أمية يوم الحديبية ، وقد بينه ابن عبد البر فقال في ترجمة خراش : وهو الذي حلق رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، انتهى .
فمن ذكر أنه حلق له يوم النحر في حجته فقد وهم ، وإنما حلق له يوم النحر معمر بن عبد الله العدوي كما تقدم ، وهو الصواب . النوع العاشر : أن عند أبي حنيفة يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق قاله الكرماني في مناسكه ، وعند الشافعي : يبدأ بيمين المحلوق ، والصحيح عند أبي حنيفة مثله . النوع الحادي عشر : ما ذكره صاحب التوضيح فقال : يدخل وقت الحلق من طلوع الفجر عند المالكية ، وعندنا بنصف ليلة النحر ولا آخر لوقته ، والحلق بمنى يوم النحر أفضل قالوا : ولو أخره حتى بلغ بلده حلق أو أهدى ، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي بخلاف الصيد على المشهور عندهم ، وقال ابن قدامة : يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر ، فإن أخره عن ذلك ففيه روايتان ولا دم عليه ، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور ، ويشبه مذهب الشافعي ؛ لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ الآية ولم يبين آخره ، فمتى أتى به أجزأه ، وعن أحمد : عليه دم بتأخيره ، وهو مذهب أبي حنيفة ؛ لأنه نسك أخره عن محله ، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والساهي والعامد ، وقال مالك والثوري وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد : من تركه حتى حل فعليه دم ؛ لأنه نسك ، فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه .