حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم

حدثنا قتيبة قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، قال : فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ، ثم قال له : كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أربع إحداهن في رجب ، فكرهنا أن نرد عليه ، قال : وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة ، فقال عروة : يا أماه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ؟ قالت : ما يقول ؟ قال : يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب ، قالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده ، وما اعتمر في رجب قط . مطابقته في قوله : كم اعتمر ، وفي قوله : اعتمر أربع عمرات ، وفي كونها ثلاثا على قول عائشة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وجرير بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر .

والحديث أخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير إلى آخره نحوه غير أن في روايته والناس يصلون صلاة الضحي وفي روايته فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه . قوله : دخلت أنا وعروة إلى آخره فيه دفع لما ذكره يحيى بن سعيد ، وابن معين ، وأبو حاتم في آخرين أن مجاهدا لم يسمع من عائشة . قوله : المسجد يعني مسجد المدينة النبوية .

قوله : فإذا كلمة إذا للمفاجأة ، وعبد الله مبتدأ ، وجالس خبره ، وكذلك وإذا الثانية للمفاجأة ، والواو فيه للحال . قوله : ناس بغير ألف في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره وإذا أناس بالألف ، وهما بمعنى واحد . قوله : قال : فسألناه عن صلاتهم أي فسألنا ابن عمر عن صلاة هؤلاء الذين يصلون في المسجد .

قوله : بدعة أي صلاتهم بدعة ، وإنما قال بدعة ، وإنما البدعة إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى في بيت أم هانئ ، وقد مر في باب صلاة الضحى ، لأن الظاهر أنها لم تثبت عنده ، فلذلك أطلق عليها البدعة ، وقيل : أراد أنها من البدع المستحسنة كما قال عمر رضي الله تعالى عنه في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه ، وقيل : أراد أن إظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة ، لا أن نفس تلك الصلاة بدعة ، وهذا هو الأوجه . قوله : قال أربع كذا هو مرفوعا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر أربعا ، ولقد نقل الكرماني وغيره عن ابن مالك في وجه هذا الرفع والنصب ما فيه تعسف جدا ، والأحسن أن يقال : إن وجه الرفع هو أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره الذي اعتمره النبي صلى الله عليه وسلم أربع أي أربع عمر ، ووجه النصب على أن يكون خبر كان محذوفا تقديره الذي اعتمره كان أربعا . قوله : وسمعنا استنان عائشة قيل : استنانها سواكها ، وقيل : استعمالها الماء ، قال ابن فارس : سننت الماء على وجهي إذا أرسلته إرسالا إلا أن يكون استن لم تستعمله العرب إلا في السواك ، وقيل : معناه سمعنا حس مرور السواك على أسنانها .

( قلت ) : فيه ما فيه ، وفي رواية عطاء عن عروة عند مسلم قال وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن قوله : يا أماه كذا هو بالألف ، والهاء الساكنة في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر يا أمه بحذف الألف . ( فإن قلت ) : ما فائدة قوله : يا أم المؤمنين بعد أن قال يا أماه ؟ ( قلت ) : أراد بقوله يا أماه المعنى الأخص لكون عائشة خالته ، وأراد بقوله يا أم المؤمنين المعنى الأعم لكونها أم المؤمنين . قوله : أبو عبد الرحمن هو كنية عبد الله بن عمر .

قوله : عمرات يجوز ضم الميم فيها وسكونها وبضمها كما في عرفات وحجرات . قوله : إحداهن في رجب أي إحدى العمرات كانت في شهر رجب . قوله : يرحم الله أبا عبد الرحمن ذكرته بكنيته تعظيما له .

قوله : ما اعتمر أي النبي صلى الله عليه وسلم عمرة قط إلا وهو أي ابن عمر شاهده أي حاضر معه ، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان ، ولم تنكر عائشة على ابن عمر إلا قوله : إحداهن في رجب . واعلم أن إحدى العمرات في رواية منصور عن مجاهد كانت في رجب وخالفه أبو إسحاق فرواه عن مجاهد عن ابن عمر قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم مرتين ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : اعتمر أربع مرات . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، فجعل منصور الاختلاف في شهر العمرة ، وأبو إسحاق جعل الاختلاف في عدد الاعتمار ، وفي أفراد مسلم من حديث البراء بن عازب : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين ، وفي سنن أبي داود بإسناد على شرط الشيخين من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في شوال ، أخرجه مالك في موطئه أيضا ، وفي سنن الدارقطني من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في رمضان ، وهو غريب ، قال ابن بطال : والصحيح أنه اعتمر ثلاثا ، والرابعة إنما تجوز نسبتها إليه لأنه أمر الناس بها ، وعملت بحضرته لا أنه اعتمرها بنفسه ، فيدل على صحة ذلك أن عائشة ردت على ابن عمر قوله : وقالت ما اعتمر في رجب قط ، وقال أبو عبد الملك : إنه وهم من ابن عمر لإجماع المسلمين أنه اعتمر ثلاثا ، وروى البيهقي من رواية عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ، عمرة في شوال ، وعمرتين في ذي القعدة .

والحديث عند أبي داود من رواية داود بن عبد الرحمن عن هشام ، إلا أنه قال : اعتمر عمرة في ذي القعدة ، وعمرة في شوال ، وروى البيهقي أيضا من رواية عمر بن ذر عن مجاهد عن أبي هريرة قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلها في ذي القعدة ، وقال شيخنا : كأن عائشة تريد - والله أعلم - بعمرة شوال عمرة الحديبية ، والصحيح إنما كانت في ذي القعدة كما في حديث أنس في الصحيح ، وإليه ذهب الزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم ، واختلف فيه على عروة بن الزبير ، فروى هشام ابنه عنه أنها كانت في شوال ، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه أنها كانت في ذي القعدة ، قال البيهقي : هو الصحيح ، وقد عد الناس هذه في عمره صلى الله عليه وسلم ، وإن كان صد عن البيت فنحر الهدي وحلق . وأما العمرة الثانية فهي أيضا في ذي القعدة سنة سبع ، وهو متفق عليه فيما علمت ، قاله نافع مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وسليمان التيمي ، وعروة بن الزبير ، وموسى بن عقبة ، وابن شهاب ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم ، لكن ذكر ابن حبان في صحيحه أنها كانت في رمضان ، وقال المحب الطبري في كتاب العرى ولم ينقل ذلك أحد غيره ، والمشهور أنها في ذي القعدة ، وعند الدارقطني خرج معتمرا في رمضان ، وقال المحب : فلعلها التي فعلها في شوال ، وكان ابتداؤها في رمضان ، وروى أبو بكر بن أبي داود في فوائده من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اعتمر قبل حجته عمرتين أو ثلاثا ، إحدى عمره في رمضان . ولعله أراد ابتداء إحرامه بها ، وتسمى عمرة القضاء ، وعمرة القضية ، وعمرة القصاص ، وسميت عمرة القضاء لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يعتمر العام المقبل ، لأن المسلمين قضوها عن عمرة الحديبية ، وعن ابن عمر : لم تكن هذه العمرة قضاء ، ولكن شرطا على المسلمين أن يعتمروا القابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه .

وسميت عمرة القصاص لأن الله عز وجل أنزل في تلك العمرة الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه ، وقيل : يحتمل أن يكون من القصاص الذي هو أخذ الحق فكأنهم اقتصوا أي أخذوا في السنة الثانية ما منعهم المشركون من الحق في كمال عمرهم . وأما العمرة الثالثة فهي في ذي القعدة أيضا سنة ثمان ، وهي عمرة الجعرانة ، قال ذلك عروة بن الزبير ، وموسى بن عقبة ، وغيرهما ، وهو كذلك ، وفي الصحيح من حديث أنس أنها كانت في ذي القعدة ، وقال ابن حبان في صحيحه : إن عمرة الجعرانة كانت في شوال . قال المحب الطبري : ولم ينقل ذلك أحد غيره فيما علمت ، والمشهور أنها في ذي القعدة ، وقال المحب الطبري : إن الثلاث كانت في ذي القعدة .

وأما العمرة الرابعة فهي التي مع حجته صلى الله عليه وسلم ، وكانت أفعالها في الحجة بلا خلاف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في الرابع من ذي الحجة ، وأما إحرامها فالصحيح أنه كان في ذي القعدة لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة كما في الصحيح ، وكان إحرامه فيها في وادي العقيق كما في الصحيح ، وذلك قبل أن يدخل ذو الحجة ، وقيل : كان إحرامه لها في ذي الحجة لأن في بعض طرق الحديث خرجنا موافين لهلال ذي الحجة ، والصحيح الأول ، وأسقط بعضهم عمرته هذه فجعلها ثلاث عمر ، وهو الذي صححه القاضي عياض . ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر عام حجة الوداع عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده ، أما قبله فلأنه لم يحل حتى فرغ من الحج ، وأما بعده فلم ينقل أنه اعتمر ، فلم يبق إلا أنه قرن الحج بعمرة ، وهذا هو الصواب جمعا بين الأحاديث إلا أنه أحرم أولا بالحج ، ثم أدخل عليه العمرة بالعقيق لما جاءه جبريل عليه السلام ، وقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة ، ولهذا اختلفت الصحابة في عدد عمره ، فمن قال أربعا فهذا وجهه ، ومن قال ثلاثا أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحج ، ومن قال : اعتمر عمرتين أسقط العمرة الأولى وهي عمرة الحديبية ، لكونهم صدوا عنها ، وأسقط الأخيرة لدخولها في أعمال الحج ، وأثبت عمرة القضية وعمرة الجعرانة .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث