أبواب المحصر وجزاء الصيد
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾( أبواب المحصر وجزاء الصيد ) أي هذه أبواب في بيان أحكام المحصر ، وأحكام جزاء الصيد الذي يتعرض إليه المحرم ، وثبتت البسملة لجميع الرواة ، وفي رواية أبي ذر أبواب بلفظ الجمع ، وفي رواية غيره باب بالإفراد . ( وقوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ . وقوله بالجر عطف على قوله ( المحصر ) أي : وفي بيان المراد من قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا الكلام هاهنا على أنواع : الأول : في معنى الحصر والإحصار ؛ الإحصار المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده ؛ يقال : أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده ، فهو محصر ، والحصر الحبس ؛ يقال : حصره إذا حبسه فهو محصور ، وقال القاضي إسماعيل : الظاهر أن الإحصار بالمرض ، والحصر بالعدو ، ومنه : فلما حصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ وقال الكسائي : يقال من العدو حصر فهو محصور ، ومن المرض أحصر فهو محصر ، وحكي عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر ، وأنكر المبرد والزجاج ، وقالا : هما مختلفان في المعنى ، ولا يقال في المرض حصره ، ولا في العدو أحصره ، وإنما هذا كقولهم حبسه إذا جعله في الحبس ، وأحبسه أي عرضه للحبس ، وقتله أوقع به القتل ، وأقتله أي عرضه للقتل ، وكذلك حصره حبسه ، وأحصره عرضه للحصر .
النوع الثاني : في سبب نزول هذه الآية ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست ، أي عام الحديبية ، حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت ، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها ، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي ، وكان سبعين بدنة ، وأن يتحللوا من إحرامهم ، فعند ذلك أمرهم عليه السلام أن يذبحوا ما معهم من الهدي وأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا ، فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس ، وكان منهم من قص رأسه ولم يحلقه ؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : رحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة : والمقصرين ، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم ، وقيل : بل كانوا على طرف الحرم . النوع الثالث في تفسير هذه الآية : قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي منعتم عن تمام الحج والعمرة فحللتم فَمَا اسْتَيْسَرَ أي فعليكم ما استيسر مِنَ الْهَدْيِ ، أي ما تيسر منه ، يقال : يسر الأمر ، واستيسر كما يقال : صعب واستصعب ، وقال الزمخشري : الهدي جمع هدية كما يقال في جدية السرج جدي ، وقرئ من الهديّ بالتشديد جمع هدية كمطية ومطي ، وحاصل المعنى : فإن منعتم من المضي إلى البيت ، وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شاة . قوله وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ عطف على قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ، وليس معطوفا على قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ، كما زعمه ابن جرير لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم ، وأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا .
النوع الرابع : اختلاف العلماء في الحصر بأي شيء يكون ، وبأي معنى يكون ، فقال قوم ، وهم عطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري : يكون الحصر بكل حابس من مرض أو غيره من عدو وكسر وذهاب نفقة ، ونحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وزفر ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت . وقال آخرون ، وهم الليث بن سعد ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط ، ولا يكون بالمرض ، وهو قول عبد الله بن عمر . وقال الجصاص في كتاب الأحكام : وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء ، روي عن ابن مسعود ، وابن عباس : العدو والمرض سواء يبعث دما ويحل به إذا أنحر في الحرم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
والثاني : قول ابن عمر : إن المريض لا يحل ولا يكون محصرا إلا بالعدو ، وهو قول مالك ، والشافعي . والثالث : قول ابن الزبير وعروة بن الزبير : إن المرض والعدو سواء لا يحل إلا بالطواف ، ولا نعلم لهما موافقا من فقهاء الأمصار ، وفي شرح الموطأ مذهب مالك والشافعي أن المحصر بالمرض لا يحل دون البيت ، وسواء عند مالك شرط عند إحرامه التحلل للمرض أو لم يشترط ، وقال الشافعي : له شرطه . وقال أبو عمر : الإحصار عند أهل العلم على وجوه ، منها : المحصر بالعدو ، ومنها : بالسلطان الجائر ، ومنها : المرض وشبهه ، فقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت ، ومن حصر بعدو فإنه ينحر هديه حيث حصر ويتحلل وينصرف ، ولا قضاء عليه إلا أن تكون ضرورة فيحج الفريضة ، ولا خلاف بين الشافعي ومالك وأصحابهما في ذلك ، وقال ابن وهب وغيره : كل من حبس عن الحج بعدما يحرم بمرض أو حصار من العدو أو خاف عليه الهلاك فهو محصر ، فعليه ما على المحصر ، ولا يحل دون البيت ، وكذلك من أصابه كسر وبطن متحرق ، وقال مالك : أهل مكة في ذلك كأهل الآفاق ؛ لأن الإحصار عنده في المكي الحبس عن عرفة خاصة ؛ قال : فإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وهو على إحرامه لا يحل من شيء منه حتى يبرأ من مرضه ، فإذا برئ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا وسعى بين الصفا والمروة ، وحل من حجه أو عمرته .
وقال أبو عمر : هذا كله قول الشافعي أيضا ، وقال الطحاوي رحمه الله : إذا نحر المحصر هديه ، هل يحلق رأسه أم لا ؟ فقال قوم : ليس عليه أن يحلق لأنه قد ذهب عنه النسك كله ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال آخرون : بل يحلق ، فإن لم يحلق فلا شيء عليه ، وهذا قول أبي يوسف ، وقال آخرون : يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر ، وهو قول مالك . النوع الخامس : في الاحتجاجات في هذا الباب : احتج الشافعي ومن تابعه في هذا الباب بما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، وابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو ، ورواه الشافعي في مسنده عن ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو ، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء ؛ قال : وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك . واحتج أبو حنيفة ومن تابعه في ذلك بما رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى ، قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا : صدق ، فقد أخرجه الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به ، وفي رواية لأبي داود وابن ماجه : من عرج أو كسر أو مرض ، فذكر معناه ، ورواه عبد بن حميد في تفسيره ثم قال : وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد ، والنخعي ، وعطاء ، ومقاتل بن حبان أنهم قالوا : الإحصار من عدو أو مرض أو كسر ، وقال النووي : الإحصار من كل شيء آذاه .
قلت : وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير وغيره ، وهو أنه لا حصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم . النوع السادس : في حكم الهدي ، فقال ابن عباس : من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن ، وقال الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ قال : شاة ، وكذا قال عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وأبو العالية ، ومحمد بن الحسين ، وعبد الرحمن بن القاسم ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حبان مثل ذلك ، وهو مذهب الأئمة الأربعة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر ، وقد روي عن سالم والقاسم ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير نحو ذلك ، وقيل : الظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية ، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة ، وإنما ذبحوا الإبل والبقر ، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، قال : بقدر يسارته ، وقال العوفي عن ابن عباس : إن كان موسرا ، فمن الإبل ، وإلا فمن البقر ، وإلا فمن الغنم . ( وقال عطاء : الإحصار من كل شيء بحسبه ) . هذا التعليق عن عطاء بن أبي رباح وصله ابن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال : لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس .
( قال أبو عبد الله : حصورا لا يأتي النساء ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وكان دأبه أنه إذا ذكر لفظا جاء في القرآن من مادة ذكر ما هو بصدده ، وكان المذكور هو لفظ المحصر في الترجمة ، وفي الآية لفظ أحصرتم ، وذكر حصورا الذي جاء في القرآن أيضا ، وهو في قوله عز وجل : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ثم إنه فسر الحصور بقوله ( لا يأتي النساء ) ، وروى هذا التفسير ابن مسعود ، وعن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد ، وأبي الشعثاء ، وعطية العوفي ، وعن أبي العالية ، والربيع بن أنس : هو الذي لا يولد له ، وقال الضحاك : هو الذي لا يولد له ، ولا مال له . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يحيى بن المغيرة ، أخبرنا جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس في الحصور الذي لا ينزل الماء ، وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا غريبا فقال : حدثنا أبو جعفر بن غالب البغدادي ، حدثني سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد ، يعني ابن العوام ، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ابن العاص لا يدري عبد الله أو عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ، قال : ثم تناول شيئا من الأرض فقال : كان ذكره مثل هذا .
ورواه ابن المنذر في تفسيره حدثنا أحمد بن داود السجستاني ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا علي بن مسهر عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا ، فإن الله يقول : وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ، قال : وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب ، وأشار بأنمله وذبح ذبحا . وروى ابن أبي حاتم أيضا بإسناده إلى أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فإنه كان وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ، ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : كان ذكره مثل هذه القذاة ، وقال القاضي عياض : اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قاله بعضهم : إنه كان هيوبا أو لا ذكر له ، بل أنكر حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا : هذا نقيصة وعيب ، ولا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصر عنها ، وقيل : مانعا نفسه عن الشهوات ، وقيل : ليست له شهوة في النساء ، والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء كما قاله بعضهم ، بل معناه أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات ، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن ، بل قد يفهم وجود النسل من دعاء زكريا عليه السلام حيث قال : هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً كأنه سأل ولدا له ذرية ونسل وعقب ، والله تعالى أعلم .