باب تزويج المحرم
ج١٠ / ص١٩٥( باب تزويج المحرم ) 412 - حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال : حدثنا الأوزاعي قال : حدثني عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تزويج المحرم ، وفيه بيان أيضا لما أبهمه في الترجمة وهو أنه جائز .
وأبو المغيرة بضم الميم وكسرها عبد القدوس بن الحجاج الحمصي ، مات سنة ثنتي عشرة ومائتين ، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمر . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الحج عن صفوان بن عمرو الحمصي ، وفيه وفي الصوم عن شعيب بن شعيب ، وفي الصوم أيضا عن سليمان بن أيوب مرسلا ، وروى الترمذي من حديث هشام بن حسان عن عكرمة : " عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم " . ورواه البخاري من رواية وهيب ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس نحوه ، ورواه أبو داود عن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ،
ورواه الترمذي أيضا من حديث عمرو بن دينار قال : سمعت أبا الشعثاء يحدث : " عن ابن عباس أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم " قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وأبو الشعثاء اسمه جابر بن زيد .
ورواه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه كلهم من رواية سفيان عن عمرو بن دينار نحوه ، وقال الترمذي : وفي الباب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - . ( قلت ) : أخرجه ابن حبان في صحيحه ، والبيهقي في سننه من رواية أبي عوانة ، عن أبي الضحى ، عن مسروق : " عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج وهو محرم " ، وأخرجه الطحاوي أيضا ولفظه : " تزوج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بعض نسائه وهو محرم " ، وأبو عوانة الوضاح ، وأبو الضحى مسلم بن صبيح . ( قلت ) : وفي الباب أيضا عن أبي هريرة رواه الطحاوي من رواية كامل أبي العلاء ، عن أبي صالح : " عن أبي هريرة قال : تزوج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ميمونة وهو محرم " ، واحتج بهذا الحديث إبراهيم النخعي ، والثوري ، وعطاء بن أبي رباح ، والحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان ، وعكرمة ، ومسروق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد قالوا : لا بأس للمحرم أن ينكح ، ولكنه لا يدخل بها حتى يحل وهو قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وقال سعيد بن المسيب ، وسالم ، والقاسم ، وسليمان بن يسار ، والليث ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : لا يجوز للمحرم أن ينكح ولا ينكح غيره ، فإن فعل ذلك فالنكاح باطل ، وهو قول عمر ، وعلي - رضي الله تعالى عنهما - ، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم ، حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك ، عن نافع ، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير ، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك ، وهو أمير الحاج فقال أبان : سمعت عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " ، وأخرجه أبو داود أيضا عن القعنبي ، عن مالك إلى آخره .
قوله : " ولا ينكح " بضم الياء وكسر الكاف من الإنكاح ، ومعناه لا ينكح غيره : أي لا يعقد على غيره ، ووجهه أنه لما كان ممنوعا من نكاح نفسه مدة الإحرام كان معزولا تلك المدة أن يعقد لغيره ، وشابه المرأة التي لا تعقد على نفسها وعلى غيرها . قوله : " ولا يخطب " لما في الخطبة من التعرض إلى النكاح ، ثم قالوا لأهل المقالة الأولى : من يتابعكم أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم ، وهذا أبو رافع وميمونة يذكران أن ذلك كان منه وهو حلال ، فذكروا ما رواه الترمذي ، حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن مطر الوراق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع قال : " تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما " . وحديث ميمونة رواه مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا جرير بن حازم قال : حدثنا أبو فزارة ، " عن يزيد بن الأصم قال : حدثتني ميمونة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال ، قال : وكانت خالتي وخالة ابن عباس " ، وأخرجه ج١٠ / ص١٩٦الترمذي ، وفي آخره : " وبنى بها حلالا ، وماتت بسرف ، ودفنها في الظلة التي بنى فيها " ، وأجاب أهل المقالة الأولى عن هذا بأن في حديث أبي رافع مطرا الوراق ، وهو عندهم ليس ممن يحتج بحديثه ، وقد رواه مالك ، وهو أضبط منه وأحفظ ، فقطعه ، وقال الترمذي : وهذا حديث حسن ، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق ، عن ربيعة .
ورواه مالك بن أنس " عن سليمان بن يسار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال " رواه مالك مرسلا قال : رواه أيضا سليمان بن بلال ، عن ربيعة مرسلا ، وقال أبو عمر : حديث مالك عن ربيعة في هذا الباب غير متصل ، وقد رواه مطر الوراق فوصله ، رواه حماد بن زيد ، عن مطر الوراق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع ، وهذا عندي غلط في مطر ؛ لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين ، وقيل : سنة تسع وعشرين ، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير ، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان من أبي رافع ، فلا معنى لرواية مطر ، وما رواه مالك أولى ، والعجب من البيهقي يعرف هذا المقدار في هذا الحديث ، ثم يسكت عنه ، ويقول : مطر بن طهمان الوراق قد احتج به مسلم بن الحجاج . قلنا : ولئن سلمنا ذلك فهو ليس كرواة حديث ابن عباس ، ولا قريبا منهم ، وقد قال النسائي : مطر ليس بالقوي ، وعن أحمد كان في حفظه سوء ، وأجابوا عن حديث ميمونة بأن عمرو بن دينار قد ضعف يزيد بن الأصم في خطابه للزهري ، وترك الزهري الإنكار عليه ، وأخرجه من أهل العلم ، وجعله أعرابيا بوالا على عقبيه ، وهم يضعفون الرجل بأقل من هذا الكلام ، وبكلام من هو أقل من عمرو بن دينار والزهري ، ومع هذا فالذين رووا أنه – صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم نحو سعيد بن جبير ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وجابر بن زيد أعلى وأثبت من الذين رووا أنه تزوجها وهو حلال ، وميمون بن مهران ، وحبيب بن الشهير ونحوهما لا يلحقون هؤلاء الذين ذكرناهم . وروى ابن أبي شيبة ، عن عيسى بن يونس ، عن ابن جريج " عن عطاء قال : تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم " .
وفي الطبقات لابن سعد : أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران قال : كنت جالسا عند عطاء ، فسأله رجل : هل يتزوج المحرم ؟ فقال عطاء : ما حرم الله النكاح منذ أحله قال ميمون : فذكرت له حديث يزيد بن الأصم : " تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال قال : فقال عطاء : ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة ، وكذا نسمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو محرم " . وأنبأنا ابن نمير ، والفضل بن دكين ، عن زكريا بن أبي زائدة " عن الشعبي ، أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم " ، وأنبأنا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن مجاهد ، وأنبأنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا قرة بن خالد ، حدثنا أبو يزيد المديني قالا : " إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم " ، وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال : سألت أنس بن مالك ، عن نكاح المحرم فقال : ما به بأس ، هل هو إلا كالبيع ، وذكره أيضا ابن حزم ، عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - . ( فإن قلت ) قال ابن حزم : يقول : من أجاز نكاح المحرم لا يعدل يزيد بن الأصم أعز أبي بابن عباس قالوا : وقد يخفى على ميمونة كون سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرما ، فالمخبر بكونه كان محرما معه زيادة علم ، قالوا : وخبر ابن عباس وارد بزيادة حكم فهو أولى ، وقالوا في خبر عثمان : معناه لا يوطئ غيره ولا يطأ ، قال أبو محمد : هو ابن حزم ، وهذا ليس بشيء ، أما تأويلهم في خبر عثمان فقد بينه قوله – صلى الله عليه وسلم - : " ولا يخطب " فصح أنه أراد النكاح الذي هو العقد ، وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم ، والله لا يقرن يزيد بعبد الله ولا كرامة ، وهذا تمويه منهم ؛ لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة ، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس ، ونحن لا نقرن ابن عباس صغير من الصحابة إلى ميمونة أم المؤمنين ، لكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس ، ولا نقطع بفضلهم عليه ، وأما قولهم : قد يخفى على ميمونة إحرامه إذا تزوجها فيعارضون بأن يقال لهم : قد يخفى على ابن عباس إحلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إحرامه ، فالمخبرة بكونه قد أحل زائدة علما ، وأما قولهم : خبر ابن عباس وارد بحكم زائد فليس كذلك ، بل خبر عثمان هو الزائد الحكم ، فبقي أن يرجح خبر عثمان ، وخبر ميمونة على خبر ابن عباس .
فنقول : خبر يزيد عنها هو الحق ، وقول ابن عباس وهم لا شك فيه ؛ لوجوه : أولها ، أنها على علم بنفسها منه ، ثانيها أنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة ، وكان ابن عباس يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر ، فبين الضبطين فرق لا يخفى ، ثالثها أنه – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إنما تزوجها في عمرة القضاء ، هذا مما لا يختلف فيه اثنان ، ومكة يومئذ دار حرب ج١٠ / ص١٩٧وإنما هادنهم النبي – عليه الصلاة والسلام - على أن يدخلها معتمرا ، ويبقى فيها ثلاثة أيام فقط ، ثم يخرج ، فأتى من المدينة محرما بعمرة ، ولم يقدم شيئا إذ دخل على الطواف والسعي ، وتم إحرامه في الوقت ، ولم يشك أحد في أنه إنما تزوجها بمكة حاضرا بها لا بالمدينة ، فصح أنها بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه لا في حال طوافه وسعيه ، فارتفع الإشكال جملة ، وبقي خبر عثمان وميمونة لا معارض لهما ، ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين ، ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هذا الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه ؛ لأن النكاح قد أباحه الله تعالى في كل حال ، ثم لما أمر – صلى الله عليه وسلم - أن لا ينكح المحرم كان بلا شك ناسخا للحال المتقدمة من الإباحة ، لا يمكن غير هذا أصلا ، وكان يكون خبر ابن عباس منسوخا بلا شك ؛ لموافقته للحال المنسوخة بيقين انتهى . ( قلت ) : الجواب عن كل فصل ، أما عن قوله : يزيد إنما رواه عن ميمونة ، وهي امرأة عاقلة وابن عباس صغير ، فلقائل أن يقول : إن كان يزيد رواه عن خالته ، فابن عباس من الجائز غير المنكر أن يرويه عنه – صلى الله تعالى عليه وسلم - أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقد النكاح بمشهد عنه ومرأى ، أو يرويه عن خالته المرأة العاقلة وأيا ما كان فليس صغيرا ، فروايته مقدمة على رواية يزيد بن الأصم ، ولأن لعبد الله متابعين وليس ليزيد عن خالته متابع منهم عطاء ، بقوله : بسند صحيح ما كنا نأخذ هذا إلا من ميمونة - رضي الله تعالى عنها - ومسروق بسند صحيح ، وليس لقائل أن يقول : لعل عطاء ومسروقا أخذاه عن ابن عباس ؛ لتصريح عطاء بأخذه إياه من ميمونة ، وأما مسروق فلا نعلم له رواية عن عبد الله ، فدل أنه أخذه عن غيره . وأما عن قوله : نعدل يزيد إلى أصحاب عبد الله ، ولا نقطع بفضلهم عليه ، فكيف يكون شخص واحد حديثه عند مسلم وحده يعدل بعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء ، وعكرمة في آخرين من أصحاب عبد الله الذين رووا عنه هذا الحديث .
وأما عن قوله : هي أعلم بنفسها من عبد الله ، فنقول بموجبه : نعم ، هي أعلم بنفسها ؛ إذ حدثت عطاء ، وابن أختها بما هي أعلم به من غيرها . وأما عن قوله : إنما تزوجها بمكة حاضرا بها فيرده ما رواه مالك عن ربيعة ، عن سليمان بن يسار ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع ورجلا من الأنصار يزوجانه ميمونة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قبل أن يخرج انتهى ، فيشبه أنهما زوجاه إياها وهو ملتبس بالإحرام في طريقه إلى مكة ، ولما حل بنى بها ، وذكر موسى بن عقبة " عن ابن شهاب : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمرا في ذي القعدة ، فلما بلغ موضعا ذكره بعث جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - بين يديه إلى ميمونة يخطبها عليه ، فجعلت أمرها إلى العباس ، فزوجها منه " . وقد أوضح ذلك أبو عبيدة في كتابه الزوجات توجه – صلى الله عليه وسلم - إلى مكة معتمرا سنة سبع ، وقدم جعفر يخطب عليه ميمونة ، فجعلت أمرها إلى العباس ، فأنكحها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم ، وبنى بها بسرف وهو حلال .
وأما عن قوله : وبقي خبر عثمان وميمونة لا معارض لهما ، فنقول : المعارضة لا تكون إلا مع التساوي والتساوي هنا غير ممكن ؛ لأن حديث ابن عباس رواه عنه من ذكرناهم من الأئمة الأعلام ، وحديث عثمان رواه نبيه بن وهب ، وهو من أفراد مسلم ، وليس له من الحفظ والعلم ما يساوي أحدا منهم ، فإذا كان كذلك فكيف تصح دعوى النسخ فيه ؟ . ( فإن قلت ) : قال قوم ممن رد حديث ابن عباس على تسليم صحته : إن معنى تزوجها محرما أي في الحرم وهو حلال ؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم محرم ، وإن كان حلالا ، وهي لغة شائعة معروفة ، ومنه البيت المشهور .
( فإن قلت ) قالوا : قد تعارض معنى فعله – عليه الصلاة والسلام - وقوله : والراجح القول ؛ لأنه يتعدى إلى الغير ، والفعل قد يكون مقصورا عليه . ( قلت ) : قد فهم الجواب من قولنا الآن : إن التعارض قد يكون عند التساوي . ( فإن قلت ) : قال بعض الشافعية : إن هذا من خصائصه وهو أصح الوجهين عندهم .
( قلت ) : دعوى التخصيص تحتاج إلى دليل . ( فإن قلت ) : يحتمل أنه زوجها حلالا ، وظهر أمر تزوجها وهو محرم ، ( قلت ) : هذا لا يساوي شيئا ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - قدم مكة محرما لا حلالا فكيف يتصور ذلك .