باب إثم من كاد أهل المدينة
( باب إثم من كاد أهل المدينة ) 449 - حدثنا حسين بن حريث قال : أخبرنا الفضل ، عن جعيد ، عن عائشة قالت : سمعت سعدا - رضي الله عنه - قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء . ج١٠ / ص٢٤١مطابقته للترجمة ظاهرة ، بيانه أن الذي يكيد أهل المدينة يذيبه الله تعالى في النار ذوب الرصاص ، ولا يستحق هذا ذاك العذاب إلا عن ارتكابه إثما عظيما ، وهذا مأخوذ من حديث مسلم من طريق عامر بن سعد ، عن أبيه في أثناء حديث : " ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص ، أو ذوب الملح في الماء " ، وحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت بن قطبة أبو عمار المروزي مولى عمران بن الحصين الخزاعي قال السراج : مات بقصر اللصوص منصرفه من الحج سنة أربع وأربعين ومائتين ، والفضل هو ابن موسى السيناني بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالنونين ، وقد مر في باب من توضأ من الجنابة ، وجعيد بضم الجيم وفتح العين المهملة مصغرا ومكبرا ابن عبد الرحمن ، وقد مر في الوضوء ، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص ماتت بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة .
وهذا الحديث من أفراد البخاري بهذا الطريق ، وأخرجه مسلم من طرق : منها من حديث أبي عبد الله القراظ أنه قال : أشهد على أبي هريرة أنه قال : قال أبو القاسم – صلى الله تعالى عليه وسلم - : " من أراد أهل هذه البلدة بسوء يعني المدينة أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " . ومنها من حديث عمرو بن يحيى بن عمارة أنه سمع القراظ ، وكان من أصحاب أبي هريرة يزعم أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " من أراد أهلها بالسوء " ، يريد المدينة " أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " ، ومنها من حديث عمر بن نبيه قال : أخبرني دينار القراظ قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " . ومنها من حديث عمر بن نبيه الكعبي ، عن أبي عبد الله القراظ أنه سمع سعد بن مالك يقول : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بمثله غير أنه قال : بدهم أو بسوء ، ومنها من حديث أسامة بن زيد ، عن أبي عبد الله القراظ قال : سمعته يقول : سمعت أبا هريرة وسعدا يقولان : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم بارك لأهل المدينة في مدهم " ، وساق الحديث ، وفيه : " من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " ، وروى النسائي من حديث السائب بن خلاد ، رفعه : " من أخاف أهل المدينة ظالما لهم أخافه الله ، وكانت عليه لعنة الله " الحديث ، وروى ابن حبان نحوه من حديث جابر - رضي الله عنه - .
قوله : " سمعت سعدا " يعني أباها سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - ، قوله : " إلا انماع " : أي ذاب ، وعلى وزن انفعل من الميعان ، يقال : ماع الشيء يميع ، وانماع ينماع إذا ذاب ، ويجوز بادغام النون في الميم قال الكرماني : ذاب وجرى على وجه الأرض مثلا شيئا ، وقال النووي : يعني أراد الله المكر بهم ، لا يمهله الله ، ولم يمكن له كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية ، مثل مسلم بن عقبة ، فإنه هلك في منصرفه عنها ، ثم هلك مرسله إليها يزيد بن معاوية على إثر ذلك ، وغيرهما ممن صنع صنيعهما ، وقيل : المراد من كادها اغتيالا وعلى غفلة من أهلها لا يتم له أمر ، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بسوء اضمحل أمره ، كما يضمحل الرصاص في النار . قوله : " كما ينماع الملح في الماء " وجه هذا التشبيه أنه شبه أهل المدينة مع وفور علمهم وصفاء قرائحهم بالماء ، وشبه من يريد الكيد بهم بالملح ؛ لأن نكاية كيدهم لما كانت راجعة إليه شبهوا بالملح الذي يريد إفساد الماء فيذوب هو بنفسه . ( فإن قلت ) : يلزم على هذا كدورة أهل المدينة بسبب فنائهم ( قلت ) : المراد مجرد الإفناء ، ولا يلزم في وجه التشبيه أن يكون شاملا جميع أوصاف المشبه به نحو قولهم : النحو في الكلام كالملح للطعام .