حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب

حدثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول : كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك . وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل قال : اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا ، وصححها لنا ، وانقل حماها إلى الجحفة قالت : وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله قالت : فكان بطحان يجري نجلا تعني ماء آجنا . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لما فهم من الذين قدموا المدينة القلق بسبب نزولهم فيها وهي وبيئة ، دعا الله تعالى أن يحببهم المدينة كحبهم مكة ، وأن يبارك في صاعهم وفي مدهم ، وأن ينقل الحمى منها إلى الجحفة ؛ لئلا تعرى المدينة .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبيد الله بضم العين ابن إسماعيل ، واسمه في الأصل عبيد الله ، يكنى أبا محمد الهباري القرشي ، قال البخاري : مات في شهر ربيع الأول يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة . الثالث : هشام بن عروة .

الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة أم المؤمنين . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده وأمه وأبو أسامة كوفيان ، وهشام وأبوه مدنيان ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وأخرج الحديث مسلم أيضا في الحج .

( ذكر معناه ) قوله : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، كان قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة يوم الاثنين قريبا من وقت الزوال ، قال الواقدي - رحمه الله تعالى - : لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ، وقال ابن إسحاق : لثنتي عشرة ليلة خلت منه ، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور من السنة الأولى من التاريخ الإسلامي ، قوله : وعك جواب لما ، وهو على صيغة المجهول : أي أصابه الوعك وهو الحمى ، وقال ابن سيده : رجل وعك ووعك موعوك ، وهذه الصيغة على توهم فعل كألم ، والوعك لم يجده الإنسان من شدة التعب . وفي الجامع : وعك إذا أخذته الحمى ، والواعك الشديد من الحمى ، وقد وعكته الحمى تعكه إذا أدركته ، وفي المجمل : الوعك الحمى ، وقيل : هو مغث الحمى . قوله : كل امرئ إلى آخره رجز مسدس، قوله : مصبح بلفظ المفعول ، أي يقال له : صبحك الله بالخير ، وأنعم الله تعالى صباحك ، والموت قد يفجؤه فلا يمسي حيا ، قوله : أدنى : أي أقرب من شراك نعله بكسر الشين أحد سيور النعل التي تكون على وجهها ، قوله : إذا أقلع بلفظ المعلوم من الإقلاع عن الأمر وهو الكف عنه ، ويروى بلفظ المجهول ، قوله : عقيرته بفتح العين المهملة وكسر القاف ، وهو الصوت إذا غُني به أو بُكي ، ويقال : أصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها وصرخ ، فقيل لكل رافع صوته : قد رفع عقيرته ، وعن أبي زيد يقال : رفع عقيرته إذا قرأ أو غنى ، ولا يقال في غير ذلك .

وفي التهذيب للأزهري : أصله أن رجلا أصيب عضو من أعضائه ، وله إبل اعتاد حداءها ، فانتشرت عليه إبله ، فرفع صوته بالأنين لما أصابه من العقر في يده ، فسمعت له إبله فحسبته يحدو بها ، فاجتمعت إليه ، فقيل لكل من رفع صوته : رفع عقيرته . وفي المحكم : عقيرة الرجل صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى قوله : ألا ليت شعري إلى آخره من البحر الطويل ، وأصله : فعولن مفاعيلن ثمان مرات ، وفيه القبض ، وكلمة ألا هنا للتمني ، ومعنى ليت شعري ليتني أشعر . قوله : وحولي الواو فيه للحال ، قوله : إذخر بكسر الهمزة وقد مر تفسيره في باب لا ينفر صيد الحرم ، وفي غيره ، قوله : وجليل بفتح الجيم وكسر اللام الأولى وهو الثمام وهو نبت ضعيف يحشى به حصاص البيت ، قوله : وهل أردن بالنون الخفيفة ، وكذلك قوله : وهل يبدون قوله : مياه مجنة المياه جمع ماء ، والمجنة بفتح الميم والجيم وتشديد النون ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران ، وقال الأزرقي : هي على بريد من مكة ، وقال أبو الفتح : يحتمل أن تسمى مجنة ببساتين تتصل بها ، وهي الجنان ، وأن يكون وزنها فعلة من مجن يمجن ، سميت بذلك ؛ لأن ضربا من المجون كان بها ، وزعم ابن قرقول أن ميمها تكسر ، قوله : وهل يبدون : أي هل يظهرن لي شامة بالشين المعجمة ، وطفيل بفتح الطاء وكسر الفاء ، وقال الجوهري هما جبلان ، وقال غيره : طفيل جبل من حدود هرشي ، مشرف هو وشامة على مجنة .

وقال الخطابي : كنت أحسب أنهما جبلان حتى أنبئت أنهما عينان ، وذكر ابن الأثير ، والصاغاني أن شابة بالباء الموحدة بعد الألف ، وقيل : إن هذين البيتين اللذين أنشدهما بلال - رضي الله تعالى عنه - ليسا له ، بل هما لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي ، أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة - شرفها الله - ، وقيل : لغيره . قوله : كما أخرجونا متعلق بقوله : اللهم ، فقوله : اللهم العن معناه : اللهم أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا من مكة ، قوله : إلى أرض الوباء هو مقصور يهمز ولا يهمز ، وهو المرض العام ، قاله بعضهم ، وقال الجوهري : الوباء يمد ويقصر ، ويقال : الوباء الموت الذريع ، وقال الأطباء : هو عفونة الهواء ، قوله : حبب أمر من حبب يحبب ، وقوله : المدينة مفعوله ، قوله : أو أشد : أي أو حبا أشد من حبنا لمكة . قوله : في صاعنا : أي في صاع المدينة ، وهو كيل يسع أربعة أمداد ، والمد رطل وثلث رطل عند أهل الحجاز ، ورطلان عند أهل العراق ، والأول قول الشافعي ، والثاني قول أبي حنيفة ، وقيل : إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه ، فيملأ كفيه طعاما ، وفي رواية ابن إسحاق عن هشام عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - اللهم ، إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة ، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة ، اللهم بارك لنا في مدينتنا الحديث .

قوله : وصححها : أي صحح المدينة من الأمراض ، وزاد في دعائه بقوله : وانقل حماها : أي حمى المدينة ، وكانت وبيئة ، وخصص بهذا في الدعاء ؛ لأن أصحابه حين قدموا المدينة وعكوا ، قوله : إلى الجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة ، وبالفاء ، وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب الآن ، وذكر ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني عنبر وهم أخوة ، عاد من يثرب ، فنزلوا الجحفة ، وكان اسمها مهيعة ، فجاءهم سيل فاجتحفهم ، فسميت الجحفة ، ومعنى اجتحفهم : سلب أموالهم ، وأخرب أبنيتهم ولم يبق شيئا ، وإنما خص الجحفة ؛ لأنها كانت يومئذ دار شرك ، وقال الخطابي : وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا ، وكان – صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يدعو على من لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر ، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه ، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم ، فقال : : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها ، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى ، وإنه ليتقى شرب الماء من عينها الذي يقال له : عين حم ، فقل من شرب منه إلا حم ، ولما دعا عليه الصلاة والسلام بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلا أخذته الحمى ، ويحتمل أن يكون هذا هو السر في أن الطاعون لا يدخل المدينة ؛ لأن الطاعون وباء ، وسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بنقل الوباء عنها ، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد . ( فإن قلت ) : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القدوم على الطاعون ، فكيف قدموا المدينة وهي وبيئة ؟ ( قلت ) : كان ذلك قبل النهي أو أن النهي يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المرض وإن عم ، قوله : قالت يعني عائشة ، وهو متصل بما قبله في رواية عروة عنها ، قوله : وهي : أي المدينة أوبأ أرض الله ، وأوبأ بالهمزة في آخره على وزن أفعل التفضيل من الوباء : أي أكثر وباء ، وأشد من غيرها ، قوله : فكان بطحان بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة ، وهو واد في صحراء المدينة . قوله : يجري نجلا خبر كان ، تعني ماء آجنا ، وهو من تفسير الراوي ، ونجلا بفتح النون وسكون الجيم ، وحكى ابن التين فيه نجلا بفتح الجيم أيضا ، وقال ابن فارس : النجل بفتحتين سعة العين ، وقال ابن السكيت : النجل النز حين يظهر وينبع عين الماء ، وقال الحربن : نجلا أي واسعا ، ومنه عين نجلاء : أي واسعة ، وقيل : هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء ، وغرض عائشة - رضي الله تعالى عنها - بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة ؛ لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض .

قوله : تعني ماء آجنا هذا من كلام الراوي : أي تعني عائشة من قولها : يجري ماء آجنا ، الآجن بالمد : الماء المتغير الطعم ، واللون يقال فيه : أجن وأجن ياجن ، وياجن أجنا وأجونا فهو آجن بالمد ، وأجن قال عياض : هذا تفسير خطأ ممن فسره فليس المراد هنا الماء المتغير ، ورد عليه بأنه ليس كما قال ، فإن عائشة قالت ذلك في مقام التعليل ؛ لكون المدينة كانت وبيئة ، ولا شك أن النجل إذا فسر بكون الماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير ، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه فضل أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - ، بيانه أن الله لما ابتلى نبيه عليه الصلاة والسلام بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بالأمراض ، فتكلم كل إنسان بما فيه ، فأما أبو بكر فتكلم بأن الموت شامل للخلق في الصباح والمساء ، وأما بلال فتمنى الرجوع إلى وطنه ، فانظر إلى فضل أبي بكر على غيره ، وفيه في دعائه – صلى الله عليه وسلم - بأن يحبب الله لهم المدينة حجة واضحة على من كذب بالقدر ؛ لأن الله عز وجل هو المالك للنفوس يحبب إليها ما شاء ، ويبغض ، فأجاب الله دعوة نبيه – صلى الله عليه وسلم - فأحبوا المدينة حبا دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه . وفيه رد على الصوفية إذ قالوا : إن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به ، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه ، فإن دعا فليس في الولاية كاملا ، وفيه حجة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر ، والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا ما سبق به التقدير .

وفيه جواز هذا النوع من الغناء ، وفيه مذاهب ، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة من أهل الكوفة إلى تحريم الغناء ، وذهب آخرون إلى كراهته ، نقل ذلك عن ابن عباس ، ونص عليه الشافعي ، وجماعة من أصحابه ، وحكي ذلك عن مالك وأحمد ، وذهب آخرون إلى إباحته ، لكن بغير هذه الهيئة التي تعمل الآن ، فمن الصحابة عمر - رضي الله تعالى عنه - ذكره أبو عمر في التمهيد ، وعثمان ذكره الماوردي ، وعبد الرحمن بن عوف ذكره ابن أبي شيبة ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة ، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد وبلال وخوات بن جبير ذكرهما البيهقي . وعبد الله بن أرقم ذكره أبو عمر ، وجعفر بن أبي طالب ذكره السهروردي في عوارفه ، والبراء بن مالك ذكره أبو نعيم ، وابن الزبير ذكره صاحب القوت ، وابن جعفر ومعاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان ذكرهم أبو الفرج في تاريخه ، وقطبة بن كعب ذكره الهروي ، ورباح بن المغترف ذكره ابن طاهر ، ومن التابعين جماعة ذكرهم ابن طاهر . وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء الكثير والقليل ، ونقل ذلك عن الشافعي ، وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء فحرموه من الأجانب ، وجوزوه من غيرهم ، وقال ابن حزم : من نوى ترويح به القلب ليقوى على الطاعة فهو مطيع ، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص ، وإن لم ينو شيئا فهو لغو معفو عنه ، وقال الأستاذ أبو منصور : إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود وربما أجر .

وفيه أن الله تعالى أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه ، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به كسؤاله إياه في الرزق ، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه ، وفيه تمثيل الصالحين والفضلاء بالشعر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث