حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل الصوم

( باب فضل الصوم )

4 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الصيام جنة ، فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم مرتين ، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك ، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر أمثالها . مطابقته للترجمة ظاهرة .

ورجاله قد تكرر ذكرهم ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه أبو داود في الصوم ، عن القعنبي به ، ولم يذكر الصيام جنة ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك به ، وقال : الصيام جنة ،

وروى الترمذي حدثنا عمران بن موسى القزاز ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن ربكم يقول : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والصوم لي وأنا أجزي به ، والصوم جنة من النار ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ج١٠ / ص٢٥٧ريح المسك ، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إني صائم " ، وقال : حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ، وقد انفرد الترمذي بإخراجه من هذا الوجه
، وقال : وفي الباب عن معاذ بن جبل ، وسهل بن سعد ، وكعب بن عجرة ، وسلامة بن قيصر ، وبشير بن الخصاصية ، قال : واسم بشير زحم ، والخصاصية هي أمه . أما
حديث معاذ فرواه الترمذي أيضا عنه قال : " كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير ، ف( قلت ) : أخبرني بعمل يدخلني الجنة " الحديث ، وفيه : " ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ، الصوم جنة " الحديث ، وقال : هذا حديث حسن صحيح
، ورواه ابن ماجه ، والنسائي في سننه الكبرى .

وأما حديث سهل بن سعد فرواه الترمذي عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " في الجنة باب يدعى الريان ، يدعى له الصائمون ، فمن كان من الصائمين دخله ، ومن دخله لم يظمأ أبدا " ، وكذلك أخرجه ابن ماجه ، وهو متفق عليه من رواية سليمان بن بلال عن أبي حازم على ما يأتي إن شاء الله تعالى .

وأما حديث كعب بن عجرة فأخرجه الترمذي أيضا عنه في حديث فيه " والصوم جنة حصينة " ، وقال : هذا حديث حسن غريب .
وأما حديث سلامة بن قيصر فرواه الطبراني في الكبير من حديث عمر بن ربيعة الحضرمي ، قال : سمعت سلامة بن قيصر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من صام يوما ابتغاء وجه الله تعالى بعده الله - عز وجل - من جهنم بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما " .

وأما حديث بشير بن الخصاصية فرواه البغوي والطبراني في معجميهما من رواية قتادة عن جرير بن كليب عن بشير ابن الخصاصية قال - يعني قتادة - : وحدثنا أصحابنا عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يروي عن ربه تعالى " الصوم لي وأنا أجزي به " الحديث . ( قلت ) وفي الباب أيضا عن أبي سعيد ، وعلي ، وعائشة ، وابن مسعود ، وعثمان ابن أبي العاص ، وأنس ، وجابر ، وأبي عبيدة ، وحذيفة ، وأبي أمامة ، وعقبة بن عامر . وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم والنسائي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يقول إن الصيام لي ، وأنا أجزي به " الحديث .

وأما

حديث علي - رضي الله تعالى عنه - فرواه النسائي من رواية أبي إسحاق عن عبد الله بن الحارث عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يقول : الصوم لي وأنا أجزي به " الحديث ، وقال : إنه خطأ ، والصواب عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود موقوفا عليه .
وأما حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - فأخرجه النسائي أيضا عن عروة عنها ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الصيام جنة من النار " الحديث . وأما حديث ابن مسعود فرواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب طبقات المحدثين بأصبهان ، ورواه النسائي موقوفا عليه " الصوم جنة " من رواية أبي الأحوص عنه .

وأما حديث عثمان بن أبي العاص فرواه النسائي وابن ماجه عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال " ، وزاد النسائي في رواية " جنة من النار " ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه . وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه عنه قال فيه : " والصيام جنة من النار " ، وأما حديث جابر فرواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عنه في حديث قال فيه : " والصوم جنة " . وأما حديث أبي عبيدة فرواه النسائي عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الصوم جنة ما لم يخرقها " وزاد الدارمي " بالغيبة " ، ورواه أيضا موقوفا عليه .

وأما حديث حذيفة فرواه أحمد في مسنده عنه ، قال : أسندت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صدري ، فقال : لا إله إلا الله ، من ختم له بها دخل الجنة ، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة " . وأما حديث أبي أمامة فرواه ابن عدي في الكامل من رواية الوليد بن جميل عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا بعد ما بين السماء والأرض " ، وأما حديث عقبة بن عامر فرواه النسائي عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من صام يوما في سبيل الله - تبارك وتعالى - باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام . ( ذكر معناه ) قوله : " جنة " بضم الجيم كل ما ستر ، ومنه المجن وهو الترس ، ومنه سمي الجن لاستتارهم عن العيون ، والجنان لاستتارها بورق الأشجار ، وإنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات ، والنار محفوفة بالشهوات كما في الحديث الصحيح " حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات " ، وقال ابن الأثير : معنى كونه جنة أي ج١٠ / ص٢٥٨يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات ، وقال عياض : معناه يستر من الآثام أو من النار أو بجميع ذلك ، وبالأخير قطع النووي .

قوله : " فلا يرفث " بفتح الفاء وكسرها وضمها معناه : لا يفحش ، والمراد من الرفث هنا : الكلام الفاحش ، ويطلق على الجماع وعلى مقدماته ، وعلى ذكره مع النساء ، ويحتمل أن يكون النهي عما هو أعم منها . قوله : " ولا يجهل " أي لا يفعل شيئا من أفعال الجاهلية كالعياط والسفه والسخرية ، ووقع في رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه " فلا يرفث ولا يجادل " ، وقال القرطبي : لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر ، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم ، قوله : " وإن امرؤ قاتله " كلمة إن مخففة موصولة بما بعده ، تقديره : وإن قاتله امرؤ ، ولفظ قاتله يفسره كما في قوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ أي استجارك أحد من المشركين ، ومعنى قاتله نازعه ودافعه ، قوله : " أو شاتمه " أي أو تعرض للمشاتمة ، وفي رواية أبي صالح " فإن سابه أحد " ، وفي رواية أبي قرة عن طريق سهيل عن أبيه " وإن شتمه إنسان فلا يكلمه " ونحوه في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ، وفي رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل " فإن سابه أحد أو ماراه " يعني جادله ، وفي رواية ابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة " فإن شاتمك أحد فقل : إني صائم ، وإن كنت قائما فاجلس " ، وقد ذكرنا في رواية الترمذي " وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل إني صائم " . قال شيخنا زين الدين : اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال .

أحدهما : أن يقول ذلك بلسانه : إني صائم ، حتى يعلم من يجهل أنه معتصم بالصيام عن اللغو والرفث والجهل . والثاني : أن يقول ذلك لنفسه أي وإذا كنت صائما فلا ينبغي أن أخدش صومي بالجهل ونحوه فيزجر نفسه بذلك . والقول الثالث : التفرقة بين صيام الفرض والنفل ، فيقول ذلك بلسانه في الفرض ، ويقوله لنفسه في التطوع .

قوله : " فليقل " قال الكرماني : أي كلاما لسانيا ليسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالبا ، أو كلاما نفسانيا أي يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته ، وعند الشافعي يجب الحمل على كلا المعنيين . واعلم أن كل أحد منهي عن الرفث والجهل والمخاصمة لكن النهي في الصائم آكد ، قال الأوزاعي : يفطر السب والغيبة ، فقيل : معناه أنه يصير في حكم المفطر في سقوط الأجر لا أنه يفطر حقيقة ، انتهى كلامه . ( فإن قلت ) قاتله أو شاتمه من باب المفاعلة وهي للمشاركة بين الاثنين ، والصائم مأمور بالكف عن ذلك ( قلت ) لا يمكن حمله على أصل الباب ، ولكنه قد يجيء بمعنى فعل يعني لنسبة الفعل إلى الفاعل لا غير ، كقولك : سافرت ، بمعنى نسبت السفر إلى المسافر ، وكما في قولهم : عافاه الله ، وفلان عالج الأمر ، ويؤيد هذا ما ذكرنا من رواية سهيل عن أبيه " وإن شتمه إنسان فلا يكلمه " ، وقد مضى عن قريب .

قوله : " مرتين " اتفقت الروايات كلها على أنه يقول : إني صائم ، فمنهم من ذكرها مرتين ، ومنهم من اقتصر على واحدة ، قوله : " والذي نفسي بيده " أقسم على ذلك للتأكيد ، قوله : " لخلوف فم الصائم " بضم الخاء المعجمة لا غير هذا هو المعروف في كتب اللغة والحديث ، ولم يحك صاحبا المحكم والصحاح غيره ، وقال عياض : وكثير من الشيوخ يروونه بفتحها ، قال الخطابي : وهو خطأ ، قال القاضي : وحكي عن القابسي فيه الفتح والضم ، وقال : أهل المشرق يقولونه بالوجهين ، والصواب الأول ، وفي التلويح وفي رواية " لخلفة فم الصائم " بالضم أيضا ، وقال البرقي : هو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام ، يقال : خلف فوه بفتح الخاء واللام ، يخلف بضم اللام ، وأخلف يخلف إذا تغير ، واللغة المشهورة خلف ، وقال المازري : هذا مجاز واستعارة لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباع يميل إلى شيء يستطيبه وينفر من شيء يستقذره ، والله سبحانه وتعالى تقدس عن ذلك لكن جرت عادتنا على التقرب للروائح الطيبة فاستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى ، وقال عياض : يجازيه الله تعالى به في الآخرة ، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك ، وقيل : لكثرة ثوابه وأجره ، وقيل : يعبق في الآخرة أطيب من عبق المسك ، وقيل : طيبه عند الله رضاه به وثناؤه الجميل وثوابه ، وقيل : إن المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوق أكثر مما يستطيبون ريح المسك ، وقال البغوي : معناه الثناء على الصائم والرضى بفعله ، وكذا قاله القدوري من الحنفية ، وابن العربي من المالكية ، وأبو عثمان الصابوني ، وأبو بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضى والقبول ، وقال القاضي : وقد يجزيه الله تعالى في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك كما ج١٠ / ص٢٥٩قال في الكلوم في سبيل الله " الريح ريح مسك " ، وقال شيخنا زين الدين - رحمه الله تعالى - وقد اختلف الشيخ تقي الدين ابن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في طيب رائحة الخلوف ، هل هي في الدنيا أو في الآخرة ؟ فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد ، واستدل بما رواه مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح " أطيب عند الله يوم القيامة " ، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا ، فاستدل بما رواه ابن حبان " فم الصائم حين يخلف من الطعام " وبما

رواه الحسن بن شعبان في مسنده والبيهقي في الشعب من حديث جابر في فضل هذه الأمة " فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك " وقال المنذري : إسناده مقارب
، وقال ابن بطال : معنى " عند الله " أي في الآخرة كقوله تعالى وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ يريد أيام الآخرة ( فإن قلت ) يعكر عليه بحديث البيهقي على ما لا يخفى ( قلت ) لا مانع من أن يكون ذلك في الدنيا والآخرة . قوله : " يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلى " أي قال الله تعالى : يترك الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، إنما قدرنا هذا ليصح المعنى ؛ لأن سياق الكلام يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ " والذي نفسي بيده " ولفظ " لأجلي " من متكلم واحد فلا يصح المعنى على ذلك ، فلذلك قدرنا ذلك ، ويؤيد ما قلناه ما رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك فقال بعد قوله : " من ريح المسك يقول الله - عز وجل - إنما يذر شهوته وطعامه " وكذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد ، فقال في أول الحديث : " يقول الله - عز وجل - : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ، وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي " ، قيل : المراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ( قلت ) الشهوة أعم فيكون من قبيل عطف العام على الخاص ، ولكن قدم لفظ الشهوة سعيد بن منصور في الحديث المذكور آنفا ، وكذلك من رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليهما فيكون من قبيل عطف الخاص على العام ، وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه " يدع الطعام والشراب من أجلي ، ويدع لذته من أجلي ، ويدع زوجته من أجلي " ، وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه " يدع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي " وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه " من الطعام والشراب والجماع من أجلي " ، وقال الكرماني هنا : ( فإن قلت ) فهذا قول الله وكلامه فما الفرق بينه وبين القرآن ؟ ( قلت ) القرآن لفظه معجز ومنزل بواسطة جبريل - عليه السلام - ، وهذا غير معجز وبدون الواسطة ، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني ( فإن قلت ) الأحاديث كلها كذلك وكيف وهو ما ينطق عن الهوى ؟ ( قلت ) الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله ومروي عنه بخلاف غيره ، وقد يفرق بأن القدسي ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى وبصفاته الجلالية والجمالية منسوبا إلى الحضرة تعالى وتقدس ، وقال الطيبي : القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز ، والقدسي : إخبار الله رسوله معناه بالإلهام أو بالمنام ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بعبارة نفسه ، وسائر الأحاديث لم يضفه إلى الله ، ولم يروه عنه ، قوله : " الصيام لي " كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها ، وفي الموطأ " فالصيام " بالفاء وهي للسببية أي بسبب كونه لي إنه يترك شهوته لأجلي ، ووقع في رواية مغيرة عن أبي الزناد عن سعيد بن منصور " كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به " ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح التي تأتي قوله : " وأنا أجزي به " بيان لكثرة ثوابه لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظمته وسعته ، وقال الكرماني : تقديم الضمير للتخصيص أو للتأكيد والتقوية ( قلت ) يحتملهما لكن الظاهر من السياق الأول أي أنا أجازيه لا غيري ، بخلاف سائر العبادات فإن جزاءها قد يفوض إلى الملائكة ، وقد أكثروا في معنى قوله : " الصوم لي وأنا أجزي به " وملخصه : أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ؛ لأنه لا يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب ، ويؤيده ما رواه الزهري مرسلا قوله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس في الصوم رياء " رواه أبو عبيد في كتاب الغريب عن شبابة عن عقيل عن الزهري قال : وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس ، وروى البيهقي هذا من وجه آخر عن الزهري موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة ولفظه " الصيام لا رياء فيه ، قال الله - عز وجل - هو لي " وفيه مقال ، قيل : لا يدخله الرياء بفعله وقد يدخله بقوله ، بأن أخبر أنه صائم ، فكان دخول الرياء فيه من جهة الإخبار ، بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها ( قلت ) فيه نظر ؛ ج١٠ / ص٢٦٠لأن دخول الرياء وعدم دخوله بالنظر إلى ذات الفعل والإخبار ليس منه فافهم . وقال الطبري : لما كانت الأعمال يدخلها الرياء ، والصوم لا يطلع عليه بمجرده فعله إلا الله فأضافه إلى نفسه ، ولهذا قال في الحديث " يدع شهوته من أجلي " ، وقال ابن الجوزي : جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم ، وقال القرطبي : معناه أن الله منفرد بعلم مقدار ثواب الصوم وتضعيفه بخلاف غيره من العبادات فقد يطلع عليها بعض الناس ، ويشهد لذلك ما روى في الموطأ " تضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، قال الله : إلا الصوم ، فإنه لي وأنا أجزي به " أي أجازي به عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره ، وهذا كقوله إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال ( قلت ) هذا كلام حسن ، ولكن قوله " الصابرون الصائمون " غير مسلم بل الأمر بالعكس الصائمون الصابرون لأن الصوم يستلزم الصبر ولا يستلزم الصبر الصوم ، وقال بعضهم : سبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه ، فقال : بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك ، واستدل له بأن الصوم هو الصبر ؛ لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات ، وقد قال الله تعالى إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثم قال هذا القائل : ويشهد له رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه " إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لا يدري أحد ما فيه " ثم قال : ويشهد له أيضا ما رواه ابن وهب في جامعه عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده زيد مرسلا ، ووصله الطبراني والبيهقي في الشعب من طريق أخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر مرفوعا " الأعمال عند الله سبع " الحديث ، وفيه " عمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله " ثم قال : " وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله فالصيام " انتهى ، وقد استبعد القرطبي هذا بل أبطله بقوله : قد أتى في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام فهذا نص في إظهار التضعيف .

وقال بعضهم : لا يلزم من الذي ذكر بطلانه ، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام ، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله ، انتهى ( قلت ) لا نسلم أنه لا يلزم من ذلك بطلانه ، بل يلزم لأن كلامه يؤدي إلى تبطيل معنى التنصيص على ما لا يخفى على المتأمل ، وقال ابن عبد البر : معناه أن الصوم أحب العبادات إلي ، والمقدم عندي لأنه قال : " الصيام لي " فأضافه إلى نفسه وكفى به فضلا على سائر العبادات ، وقال بعضهم : وروى النسائي من حديث أبي أمامة مرفوعا " عليك بالصوم فإنه لا مثل له " لكن يعكر عليه بما في الحديث الصحيح " اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " ( قلت ) لا يعكر أصلا لأنه إنما قال ذلك بالنسبة إلى سؤال المخاطبين كما قال في حديث آخر " خير الأعمال أدومها وإن كان يسيرا " وقيل : هو إضافة تشريف كما في قوله ( ناقة الله ) مع أن العالم كله لله - عز وجل - وقيل : لأن الاستغناء عن الطعام من صفات الله - عز وجل - فيقرب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء ، وقيل : إنما ذلك بالنسبة إلى الملائكة ؛ لأن ذلك من صفاتهم ، وقيل : إضافته إليه لأنه لم يعبد أحد غير الله بالصوم فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة وغير ذلك ، ونقضه بعضهم بأرباب الاستخدامات فإنهم يصومون للكواكب ، وليس هذا بنقض لأن أرباب الاستخدامات لا يعتقدون أن الكواكب آلهة ، وإنما يقولون إنها فعالة بأنفسها وإن كانت عندهم مخلوقة ، وقال بعضهم : هذا الجواب عندي ليس بطائل ( قلت ) هذا الجواب جواب شيخه الشيخ زين الدين - رحمة الله تعالى عليه - فكان عليه أن بين وجه ما ذكره ، وقيل : وجه ذلك أن جميع العبادات توفي منها مظالم العباد إلا الصيام ، روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب عن حسان الواسطي عن أبيه عن ابن عيينة قال : " إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله ، حتى لا يبقى له إلا الصوم ، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة " وقال القرطبي : هذا حسن غير أني وجدت في حديث المقاصة ذكر الصوم في جملة الأعمال لأن فيه " المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وضرب هذا ، وأكل مال هذا " الحديث ، وفيه " فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار " ، وظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك ، وقال بعضهم : إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك ( قلت ) يجري الإمكان في كل عام ولا يثبت التخصيص إلا بدليل ، وإلا يلزم إلغاء حكم ج١٠ / ص٢٦١العام وهو باطل وقال هذا القائل ، وقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - يرفعه " كل العمل كفارة إلا الصوم ، الصوم لي وأنا أجزي به " ، وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن محمد بن زياد ولفظه " قال ربكم - تبارك وتعالى - : كل العمل كفارة إلا الصوم " ( قلت ) أخرجه البخاري في التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ " يرويه عن ربكم قال : لكل عمل كفارة ، والصوم لي وأنا أجزي به " انتهى ، ولم يذكر إلا الصوم فدخل في صدر الكلام الصوم لأن لفظ كل إذا أضيف إلى النكرة يقتضي عموم الأفراد ولكنه أخرجه من ذلك بقوله : " والصوم لي وأنا أجزي به " لخصوصية فيه من الوجوه التي ذكرناها وإن كانت جميع الأعمال لله تعالى ، وقيل : إن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب ، وقيل : استند قائله إلى

حديث واه جدا ، أورده ابن العربي في المسلسلات ولفظه " قال الله : الإخلاص سر من سري أستودعه قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده "
، قيل : اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا ، ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص ، فقال : إن الصوم على أربعة أنواع صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع ، وصيام خواص العوام وهو الصوم ، وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل ، وصيام الخواص وهو الصوم عن ذكر غير الله وعبادته ، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلا يوم لقائه قوله : " الحسنة بعشر أمثالها " كذا وقع مختصرا عند البخاري ، وروى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله : " والحسنة بعشر أمثالها ، فقال : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به " فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف في هذا الحديث ، وإنما عقبه بقوله : " والحسنة بعشر أمثالها " إعلاما بأن الصوم مستثنى من هذا الحكم فكأنه قال سائر الحسنات بعشر الأمثال بخلاف الصوم فإنه بأضعافه بدون الحساب ، والحاصل أن الصيام لا يتقيد بأعداد التضعيف بل الله يجزيه على ذلك بغير حساب ( فإن قلت ) الأمثال جمع مثل وهو مذكر ، فمنزلته بعشرة أمثالها بالتاء التي هي علامة التأنيث ( قلت ) مثل الحسنة هو الحسنة فكأنه قال بعشر حسنات ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) قد يكون لسبعمائة والله يضاعف لمن يشاء ( قلت ) هذا أقله والتخصيص بالعدد لا يدل على الزائد ولا عدمه .

ورد في أحاديث8 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث