حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الحجامة والقيء للصائم

باب الحجامة والقيء للصائم أي هذا باب في بيان أحكام الحجامة والقيء هل يرخصان للصائم أو لا ، وإنما أطلق ولم يذكر الحكم لمكان الخلاف فيه ، ولكن الآثار التي أوردها في هذا الباب تشعر بأنه عدم الإفطار بهما ، وقال بعضهم باب الحجامة والقيء للصائم ، أي هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم . قلت : اللام في قوله : للصائم تمنع هذا التقدير الذي قدره ، ولا يخفى ذلك على من له أدنى ذوق من أحوال التركيب . قيل جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما ، وعادته تفريق التراجم إذا نظمهما خبر واحد فضلا عن خبرين ، وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما ؛ لأنهما إخراج والإخراج لا يقتضي الإفطار .

وقال لي يحيى بن صالح ، حدثنا معاوية بن سلام قال : حدثنا يحيى ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج . عادة البخاري إذا أسند شيئا من الموقوفات يأتي بهذه الصيغة ، ويحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي الحمصي ، ومعاوية بن سلام بتشديد اللام مر في كتاب الكسوف ، ويحيى هو ابن أبي كثير ، وعمر بن الحكم بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين ابن ثوبان بالثاء المثلثة الحجازي أبو حفص المدني . قوله : إذا قاء أي الصائم .

قوله : وإنما يخرج من الخروج . قوله : ولا يولج من الإيلاج أي لا يدخل ؛ المعنى أن الصوم لا ينقض إلا بشيء يدخل ولا ينقض بشيء يخرج ، وفي رواية الكشميهني أنه يخرج ولا يولج ؛ أي أن القيء يخرج ولا يدخل ، وهذا الحصر منقوض بالمني ، فإنه مما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة . وهذا الحديث رواه الأربعة مرفوعا من حديث هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض وقال الترمذي : حديث أبي هريرة حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس قال : وقد روي هذا الحديث من غير وجهه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح إسناده ، وقال البخاري : لم يصح وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، وعبد الله ضعيف ، ورواه الدارمي من طريق عيسى بن يونس ، ونقل عن عيسى أنه قال : زعم أهل البصرة أن هشاما وهم فيه ، وقال أبو داود : سمعت أحمد يقول : ليس من ذا شيء ، وقال الخطابي : يريد أنه غير محفوظ ، وقال ابن بطال : تفرد به عيسى وهو ثقة إلا أن أهل الحديث أنكروه عليه ووهم عندهم فيه ، وقال أبو علي الطوسي : هو حديث غريب ، والصحيح رواية أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر وقال الترمذي : حديث أبي الدرداء أصح شيء في القيء والرعاف .

قلت : حديث أبي الدرداء رواه الأربعة ، ورواه الطحاوي قال : حدثنا ابن مرزوق قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال : حدثنا أبي ، عن حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن يعيش بن الوليد ، عن أبيه ، عن معدان بن طلحة ، عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال : فلقيت ثوبان في مسجد دمشق . قلت : إن أبا الدرداء أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر ، فقال : صدق . أنا صببت له وضوءه ، ثم قال الطحاوي : فذهب قوم إلى أن الصائم إذا قاء أفطر ، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث .

قلت : أراد بالقوم عطاء والأوزاعي وأبا ثور ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا إن استقاء أفطر ، وإن ذرعه القيء أي سبقه وغلب عليه لم يفطر وأراد بالآخرين القاسم بن محمد ، والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ، والشعبي وعلقمة والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكا والشافعي ، وأحمد وإسحاق ، ويروى ذلك عن علي وابن عباس وابن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم ، وقد قام الإجماع على أن من ذرعه القيء لا قضاء عليه ، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الاستقاء مفطر ، ونقل العبدري عن أحمد أنه قال : من تقيأ فاحشا أفطر ، وقال الليث والثوري والأربعة بالقضاء ، وعليه الجمهور ، وعن ابن مسعود وابن عباس أنه لا يفطر ، ولكن في مصنف ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس أنه إذا تقيأ أفطر ، ونقل ابن التين عن طاوس عدم القضاء قال : وبه قال ابن بكير ، وقال ابن حبيب : لا قضاء عليه في التطوع دون الفرض ، وقال الأوزاعي وأبو ثور : عليه القضاء والكفارة مثل كفارة الأكل عامدا في رمضان ، وهو قول عطاء ، واحتجوا بحديث أبي الدرداء المذكور الذي أخرجه ابن حبان والحاكم أيضا في صحيحيهما ، وأجاب أبو عمر أنه ليس بالقوي ، وقال الطحاوي : قد يجوز أن يكون قوله : فأفطر أي ضعف فأفطر ، ويجوز هذا في اللغة يعني يجوز هذا التقدير في اللغة لتضمن مثل ذلك لعلم السامع به كما في حديث فضالة : ولكني قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت ، وليس فيه أن القيء كان مفطرا ، وقال الترمذي : معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائما متطوعا فقاء فضعف فأفطر لذلك ، هكذا روي في بعض الحديث مفسرا ، وأجاب البيهقي بأن هذا الحديث مختلف في إسناده ، فإن صح فمحمول على العامد ، وكأنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم متطوعا بصومه . وحديث فضالة رواه الطحاوي ، حدثنا ربيع المؤذن قال : حدثنا أسد قال : حدثنا ابن لهيعة قال : حدثنا يزيد بن أبي حبيب قال : حدثنا أبو مرزوق ، عن حنش ، عن فضالة بن عبيد قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب فقال له : ألم تصبح صائما يا رسول الله ؟ قال : بلى ولكن قئت وأخرجه الطبراني والبيهقي أيضا وأبو مرزوق اسمه حبيب بن الشهيد ، وقيل : زمعة بن سليم قال العجلي : مصري تابعي ثقة ، وروى له أبو داود وابن ماجه ، وحنش هو ابن عبد الله الصنعاني صنعاء دمشق ، روى له الجماعة غير البخاري ، فإن قلت : ابن لهيعة فيه مقال . قلت : الطحاوي أخرجه من أربع طرق : الأول : ما ذكرناه الذي فيه ابن لهيعة والبقية عن أبي بكرة ، عن روح وعن محمد بن خزيمة ، عن حجاج ، وعن حسين بن نصر ، عن يحيى بن حسان قالوا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق ، عن حنش ، عن فضالة إلى آخره ، وقال الترمذي : والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، وإذا استقاء عمدا فليقض ، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق ، وقال ابن المنذر : وهو قول كل من يحفظ عنه العلم قال : وبه أقول قال أصحابنا : ويستوي فيه ملء الفم وما دونه لإطلاق حديث أبي هريرة المرفوع ، فإن عاد وكان ملء الفم لا يفسد صومه عند أبي حنيفة ومحمد قال في المحيط وهو الصحيح ، وذكر في قاضيخان ، عن محمد وحده وعند أبي يوسف : يفسد وإن أعاده وكان أقل من ملء الفم يفسد عند محمد وزفر ، وهذا إذا تقيأ مرة أو طعاما أو ماء ، فإن تقيأ ملء فيه بلغما لا يفسد عندهما خلافا لأبي يوسف .

ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر يذكر على صيغة المجهول علامة التمريض يعني : إذا قاء الصائم يفطر يعني ينتقض صومه ، ذكره الحازمي عنه رواية عن بعضهم ، ويمكن الجمع بين قوليه بأن قوله : لا يفطر يحمل على ما فصل في حديثه المرفوع ويحمل قوله : أنه يفطر على ما إذا تعمد القيء . والأول أصح أي عدم الإفطار أصح قال : الكرماني أو الإسناد الأول . قلت : هو قوله ، وقال لي يحيى بن صالح : حدثنا معاوية بن سلام إلى آخره .

وقال ابن عباس وعكرمة : الفطر مما دخل وليس مما خرج . هذان التعليقان رواهما ابن أبي شيبة فالأول : قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس في الحجامة للصائم فقال : الفطر مما يدخل وليس مما يخرج ، والثاني رواه ابن أبي شيبة ، عن هشيم ، عن حصين ، عن عكرمة مثله . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم ، ثم تركه فكان يحتجم بالليل مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا التعليق وصله مالك في الموطأ ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه احتجم وهو صائم ، ثم ترك ذلك فكان إذ صام لم يحتجم حتى يفطر ، وقال ابن أبي شيبة ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع أن ابن عمر كان فذكره وحدثنا وكيع ، عن هشام بن الغاز وحدثنا ابن إدريس ، عن يزيد ، عن عبد الله ، عن نافع بزيادة فلا أدري لأي شيء تركه كرهه أو للضعف ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، وكان ابن عمر كثير الاحتياط ؛ فكأنه ترك الحجامة نهارا لذلك .

واحتجم أبو موسى ليلا أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن محمد بن أبي عدي ، عن حميد ، عن بكير بن عبد الله المزني ، عن أبي العالية قال : دخلت على أبي موسى وهو أمير البصرة ممسيا ، فوجدته يأكل تمرا وكامخا وقد احتجم فقلت له : ألا تحتجم بنهار قال : أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم . ويذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة احتجموا صياما سعد هو ابن أبي وقاص أحد العشرة ، وزيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي ، وأم سلمة أم المؤمنين واسمها هند بنت أبي أمية . قوله : صياما أي صائمين نصب على الحال ، وإنما ذكر هذا بصيغة التمريض لسبب يظهر بالتخريج ، أما أثر سعد فوصله مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان ، وهذا منقطع عن سعد ، لكن ذكره أبو عمر من وجه آخر ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، وأما أثر زيد بن أرقم فوصله عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن يونس بن عبد الله الجرمي ، عن دينار حجمت زيد بن أرقم ودينار هو الحجام مولى جرم بفتح الجيم لا يعرف إلا في هذا الأثر ، وقال أبو الفتح الأزدي : لا يصح حديثه ، وأما أثر أم سلمة فوصله ابن أبي شيبة من طريق الثوري أيضا ، عن فرات ، عن مولى أم سلمة أنه رأى أم سلمة تحتجم وهي صائمة ، وفرات هو ابن أبي عبد الرحمن ثقة ، ولكن مولى أم سلمة مجهول الحال .

وقال بكير ، عن أم علقمة : كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهى بكير بضم الباء الموحدة ابن عبد الله بن الأشج واسم أم علقمة مرجانة سماها البخاري وذكرها ابن حبان في الثقات ، وهذا التعليق وصله البخاري في تاريخه من طريق مخرمة بن بكير ، عن أم علقمة قال : كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم . قوله : فلا تنهى بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون أي فلا تنهى عائشة عن الاحتجام ، ويروى فلا ننهى بضم النون الأولى التي للمتكلم مع الغير وسكون الثانية على صيغة المجهول . ويروى عن الحسن ، عن غير واحد من الصحابة مرفوعا فقال : أفطر الحاجم والمحجوم .

أي ويروى عن الحسن البصري ، عن غير واحد من الصحابة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : فقال بالفاء ويروى قال بدون الفاء ، وأشار بهذا إلى أنه روي عن الحسن ، عن جماعة من الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفطر الحاجم والمحجوم وهم أبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار وعلي بن أبي طالب وأسامة رضي الله عنهم . أما حديث أبي هريرة فرواه النسائي قال : أخبرنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الوهاب ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم ثم قال النسائي ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي هريرة فيه ثم روى من حديث أبي عمرو ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم ثم قال : وقفه إبراهيم بن طهمان ، ثم روى من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : أفطر الحاجم والمحجوم ثم رواه من طريق آخر من حديث شقيق بن ثور ، عن أبي هريرة قال : يقال أفطر الحاجم والمحجوم أما أنا فلو احتجمت ما باليت أبو هريرة يقول هذا ثم روى من حديث عطاء ، عن أبي هريرة قال : أفطر الحاجم والمحجوم وفي لفظ عن عطاء ، عن أبي هريرة ولم يسمعه منه قال : أفطر الحاجم والمحجوم وفي لفظ عن عطاء عن رجل ، عن أبي هريرة قال : أفطر الحاجم والمحجوم .

وأما حديث ثوبان فقال علي بن المديني : روى حديث أفطر الحاجم والمحجوم قتادة ، عن الحسن ، عن ثوبان ، وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية أبي قلابة أن أبا أسماء الرحبي حدثه أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وأخرجه الحاكم في المستدرك ، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وأما حديث معقل بن يسار فرواه النسائي من رواية سليمان بن معاذ عن عطاء بن السائب قال : شهد عندي نفر من أهل البصرة منهم الحسن ، عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رأى رجلا يحتجم وهو صائم فقال أفطر الحاجم والمحجوم . وأما حديث علي رضي الله تعالى عنه فرواه النسائي أيضا من رواية سعد بن أبي عروبة ، عن مطر ، عن الحسن ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم .

وأما حديث أسامة بن زيد فرواه النسائي من رواية أشعث بن عبد الملك ، عن الحسن ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم قال النسائي : ولم يتابع أشعث أحد علمناه على روايته ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : قد تابعه عليه يونس بن عبيد إلا أنه من رواية عبيد الله بن تمام ، عن يونس رواه البزار في زيادات المسند وقال وعبيد الله هذا فغير حافظ . انتهى . وقد اختلف فيه على الحسن فقيل عنه هكذا ، وقيل عنه عن ثوبان ، وقيل عنه عن علي ، وقيل عنه عن معقل بن يسار ، وقيل عن معقل بن سنان ، وقيل عنه عن أبي هريرة ، وقيل عنه عن سمرة ، قال شيخنا : ويمكن أن يكون ليس باختلاف ، فقد روي عن الحسن ، عن رجال ذوي عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن بعض من سمي من الصحابة لم يسمع منه الحسن منهم علي وثوبان وأبو هريرة على ما قيل ، وقال ابن عبد البر : حديث أسامة ومعقل بن سنان وأبي هريرة معلولة كلها لا يثبت منها شيء من جهة النقل .

واعلم أنه قد روي في هذا الباب ، عن رافع بن خديج ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم رواه الترمذي ، وتفرد به ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ، وروي عن علي بن المديني قال : لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثا أصح من هذا ، وأخرجه البزار في زيادات المسند من طريق عبد الرزاق ، عن معمر وقال : لا نعلم يروى عن رافع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ، وقال أحمد : تفرد به معمر ، وروي أيضا عن شداد بن أوس ، رواه أبو داود والنسائي من رواية أبي قلابة ، عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم أتى علي رجل بالبقيع وهو آخذ بيدي لثماني عشر خلت من رمضان فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها رواه النسائي من رواية ليث عن عطاء ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وليث هو ابن سليم مختلف فيه ، وعن ابن عباس رواه النسائي أيضا من رواية قبيصة بن عقبة ، حدثنا مطر ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم ورواه البزار أيضا قال : ورواه غير واحد عن مطر ، عن عطاء مرسلا ، وعن أبي موسى رواه النسائي من حديث أبي رافع قال : دخلت على أبي موسى الحديث ، وفيه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفطر الحاجم والمحجوم وعن بلال رضي الله تعالى عنه رواه النسائي أيضا من رواية شهر ، عن بلال ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وعن ابن عمر رواه ابن عدي من رواية نافع عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم وعن ابن مسعود رواه العقيلي في الضعفاء من رواية الأسود عنه قال : مر بي النبي صلى الله عليه وسلم على رجلين يحجم أحدهما الآخر فاغتاب أحدهما ولم ينكر عليه الآخر فقال أفطر الحاجم والمحجوم وعن جابر رواه البزار من رواية عطاء عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وعن سمرة أيضا من رواية الحسن ، عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أفطر الحاجم والمحجوم وعن أبي زيد الأنصاري رواه ابن عدي من حديث أبي قلابة عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم وعن أبي الدرداء ذكره النسائي عند ذكر طرق حديث عائشة في الاختلاف على ليث ، ولما روى الطحاوي حديث أبي رافع وعائشة وثوبان وشداد بن أوس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قال : فذهب قوم إلى أن الحجامة تفطر الصائم حاجما كان أو محجوما واحتجوا في ذلك بهذه الآثار أي أحاديث هؤلاء المذكورين . قلت : أراد بالقوم هؤلاء عطاء بن أبي رباح والأوزاعي ومسروقا ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل وإسحاق ، فإنهم قالوا : الحجامة لا تفطر مطلقا ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا تفطر الحجامة حاجما أو محجوما . قلت : أراد بهم عطاء بن يسار والقاسم بن محمد وعكرمة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبا العالية وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا ومالكا والشافعي وأصحابه إلا ابن المنذر فإنهم قالوا الحجامة لا تفطر ، ثم قال : وممن روينا عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص والحسين بن علي وعبد الله بن مسعود وابن زيد وابن عباس وزيد بن أرقم وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم .

ثم أجاب الطحاوي عن الأحاديث المذكورة بأنه ليس فيها ما يدل على أن الفطر المذكور فيها كان لأجل الحجامة ، بل إنما ذلك كان لمعنى آخر وهو أن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان رجلا ؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم ما قال ، وكذا قال الشافعي رحمه الله فحمل أفطر الحاجم والمحجوم بالغيبة على سقوط أجر الصوم ، وجعل نظير ذلك أن بعض الصحابة قال للمتكلم يوم الجمعة لا جمعة لك ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام صدق ولم يأمره بالإعادة ، فدل على أن ذلك محمول على إسقاط الأجر قال الطحاوي : وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ، ولكن حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلك كالمفطرين لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء ، وهذا كما قيل الكذب يفطر الصائم ليس يراد به الفطر الذي يوجب القضاء إنما هو على حبوط الأجر قال : وهذا كما يقول فسق القائم ليس معناه أنه فسق لأجل قيامه ، ولكنه فسق لمعنى آخر غير القيام ، ثم روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : إنا كرهنا الحجامة للصائم من أجل الضعف ، وروى أيضا عن حميد قال : سأل ثابتا البناني أنس بن مالك هل كنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا إلا من أجل الضعف ، وروي أيضا عن جابر بن أبي جعفر ، وسالم عن سعيد ومغيرة عن إبراهيم وليث عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف . انتهى . وقد ذكرت وجوه أخرى .

منها ما قيل إن فيها التعرض للإفطار ، أما المحجوم فللضعف وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم ، وهذا كما يقال للرجل يتعرض للهلاك قد هلك فلان وإن كان سالما ، وكقوله من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين يريد أنه قد تعرض للذبح لا أنه ذبح حقيقة . ومنها ما قيل إنه صلى الله عليه وسلم مر بهما مساء فقال أفطر الحاجم والمحجوم ، فكأنه عذرهما بهذا أو كانا أمسيا ودخلا في وقت الإفطار قاله الخطابي ، ومنها ما قيل إن هذا على التغليظ لهما كقوله : من صام الدهر لا صام ولا أفطر ومنها ما قيل إن معناه جاز لهما أن يفطرا كقوله احصد الزرع إذا حان أن يحصد ، ومنها ما قيل إن أحاديث الحاجم والمحجوم منسوخة بحديث ابن عباس الذي يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث