باب من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات
حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سموا الله عليه وكلوه . مطابقته للترجمة تؤخذ من مطابقته الحديث السابق للترجمة . ورجاله خمسة : أحمد بن المقدام بكسر الميم للمبالغة العجلي بكسر العين المهملة وسكون الجيم البصري الحافظ المجود ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين ، والطفاوي بضم الطاء المهملة وخفة الفاء نسبة إلى الطفاوة بنت جرم بن ريان بن الحاف بن قضاعة ، وقيل : الطفاوة موضع بالبصرة ، قلت : يحتمل أن يكون هذا الموضع نزله بنو طفاوة فسمي بهم ، وهذا كثير فيهم والطفاوي هذا مات في سنة سبع وثمانين ومائة .
والحديث انفرد به البخاري وقال الكرماني : قوله : سموا أي اذكروا اسم الله عليه ، وفيه دليل على أن التسمية عند الذبح غير واجبة إذ هذه التسمية هي المأمور بها عند أكل الطعام وشرب الشراب ، انتهى . قلت : كيف غفل الكرماني عن هذه الآية : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهذا عام في كل ذبيح ترك عليه التسمية ، لكن المتروك سهوا صار مستثنى بالإجماع ، فبقي الباقي تحت العموم ولا يجوز حمل الآية على تحريم الميتة ؛ لأنه صرف الكلام إلى مجازه مع إمكان الإجراء على حقيقته كيف وتحريم الميتة منصوص عليه في الآية ، وقد قيل في معنى هذا الحديث : إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقال ابن التين : وهذا القول ذكره مالك في الموطأ ، وقد روي ذلك مبينا في حديث عائشة من أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام ممن يصح أن لا يعلموا أن مثل هذا شرع ، وأما الآن فقد بان ذلك حتى لا تجد أحدا أنه لا يعلم أن التسمية مشروعة ولا يظن بالمسلمين تعمد تركها ، وأما الساهي فليسم إذا ذكرها ويسمي الآكل لما يخشى من النسيان فإن قلت : قال أبو عمر : مما يدل على بطلان قول من قال إن ذلك كان قبل نزول : وَلا تَأْكُلُوا إن هذا الحديث كان بالمدينة وأن أهل باديتها هم الذين أشير إليهم بالذكر في الحديث ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في الأنعام بمكة والأنعام مكية قلت : ذكر أبو العباس الضرير في كتابه مقامات التنزيل والثعلبي وغيرهما أن في الأنعام آيات ست مدنيات نزلن بها فإطلاق أبي عمر كلامه بأن كلها مكية غير صحيح ، وقال ابن الجوزي : سموا أنتم وكلوا ليس معنى أنه يجزئ عما لم يسم عليه ، ولكن لأن التسمية على الطعام سنة ، وقال ابن التين : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا السؤال وجوابه لهم بما جاء بهم يدل على اعتبار التسمية في الذبائح والله أعلم بحقيقة الحال .