حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب شراء الإبل الهيم أو الأجرب الهائم المخالف للقصد في كل شيء

( باب شراء الإبل الهيم أو الأجرب الهائم المخالف للقصد في كل شيء ) أي هذا باب في بيان شراء الإبل الهيم ، و " الهيم " بكسر الهاء جمع أهيم ، والمؤنث هيماء ، والأهيم العطشان الذي لا يروى ، وهو من هامت الدابة تهيم هيمانا بالتحريك ، وقال ابن الأثير في حديث الاستسقاء : " هامت دوابنا " أي عطشت ، ومنه حديث ابن عمر " أن رجلا باعه إبلا هيما " أي مراضا جمع أهيم ، وهو الذي أصابه الهيام ، واليهام هو داء يكسبها العطش ، فتمص الماء مصا ، ولا تروى منه ، وقال ابن سيده : الهيام والهيام داء يصيب الإبل عن بعض المياه بتهامة ، يصيبها منه مثل الحمى ، وقال الهجري : الهيام داء يصيبها عن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت به الذبان ، جمع ذباب ، وقال الفراء : والهيام الهيام بضم الهاء وكسرها ، وفي ( كتاب الإبل ) للنضر بن شميل : وأما الهيام فنحو الدوار جنون يأخذ الإبل ، حتى تهلك ، وفي كتاب ( خلق الإبل ) للأصمعي : إذا سخن جلد البعير وله شره للماء ونحل جسمه ، فذلك الهيام . وقيل : الهيام داء يكون معه الجرب ؛ ولهذا ترجم البخاري شراء الإبل الهيم والأجرب ، وأما معنى قوله تعالى : فشاربون شرب الهيم ، فقال ابن عباس : هيام ج١١ / ص٢١٨الأرض . الهيام - بالفتح - تراب يخالطه رمل ينشف الماء نشفا ، وفي تقديره وجهان ؛ أحدهما أن الهيم جمع هيام جمع على فعل ، ثم خفف وكسرت الهاء لأجل الياء ، والثاني : أن يذهب إلى المعنى ، وأن المراد الرمال الهيم ، وهي التي لا تروى ، يقال : رمل أهيم .

قوله : " أو الأجرب " أي أو شراء الأجرب من الإبل ، وفي رواية النسفي " والأجرب " بدون الهمزة ، وقال بعضهم : وهو من عطف المفرد على الجمع في الصفة ؛ لأن الموصوف هنا الإبل ، وهم اسم جنس صالح للجمع والمفرد . ( قلت ) : قال صاحب ( المخصص ) : الإبل اسم واحد ليس بجمع ، ولا اسم جمع ، وإنما هو دال عليه ، وجمعها آبال . وعن سيبويه : قالوا : إبلان ؛ لأنه اسم لم يكسر عليه ، وإنما يريدون قطيعين .

قوله : " الهائم " المخالف للقصد في كل شيء ، أي يهيم ويذهب على وجهه ، وقال ابن التين : وليس الهائم واحد الهيم ، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه ، وأجيب عن هذا بأن البخاري لما رأى أن الهيم من الإبل كالذي قاله النضر بن شميل شبهها بالرجل الهائم من العشق ، فقال : الهائم المخالف للقصد في كل شيء ، فكذلك الإبل الهيم تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء . 51 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : قال عمرو : كان هاهنا رجل اسمه نواس ، وكانت عنده إبل هيم ، فذهب ابن عمر رضي الله عنهما ، فاشترى تلك الإبل من شريك له ، فجاء إليه شريكه ، فقال : بعنا تلك الإبل ، فقال : ممن بعتها ؟ قال : من شيخ كذا وكذا ، فقال : ويحك ، ذاك والله ابن عمر ، فجاءه ، فقال : إن شريكي باعك إبلا هيما ، ولم يعرفك ، قال : فاستقها ، قال : فلما ذهب يستاقها ، فقال : دعها ، رضينا بقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لا عدوى . سمع سفيان عمرا .

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه شراء الإبل الهيم ، وهو شراء عبد الله بن عمر ، وهذا الحديث من أفراد البخاري ، وعلي هو ابن عبد الله المعروف بابن المديني ، وفي بعض النسخ : حدثنا علي بن عبد الله . وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار المكي . قوله : " كان هاهنا " أي بمكة ، وفي رواية ابن أبي عمر ، عن سفيان عند الإسماعيلي " من أهل مكة " .

قوله : " نواس " بفتح النون وتشديد الواو وفي آخره نون ، وقال ابن قرقول : هكذا هو عند الأصيلي والكافة ، وعند القابسي بكسر النون وتخفيف الواو ، وعند الكشميهني نواسي بالفتح والتشديد وياء النسب . قوله : " فجاء إليه " أي إلى نواس . قوله : " قال : من شيخ " ويروى : " فقال : من شيخ " بالفاء .

قوله : " ويحك " كلمة " ويح " تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، بخلاف " ويل " فإنها للذي يستحقها ، وذكر ابن سيده أنها كلمة تقال للرحمة ، وكذلك ويحما . وقيل : ويح تقبيح ، وفي الجامع هو مصدر لا فعل له ، وفي الصحاح : لك أن تقول ويحا لزيد وويح لزيد ، ولك أن تقول : ويحك وويح زيد . قوله : " ذاك " أي الرجل الذي بعث الإبل الهيم له " واللهِ ابن عمر " .

قوله : " ولم يعرفك " بفتح الياء ، ويروى عن المستملي " ولم يعرفك " بضم الياء من التعريف ، يعني لم يعلمك بأنها هيم . قوله : " فاستقها " بصيغة الأمر قال الكرماني : من السوق . ( قلت ) : لا ، بل هو أمر من الاستياق ، والقائل به هو ابن عمر ، وهذا يحتمل أن يكون قاله مجمعا على رد المبيع أو مختبرا هل الرجل مسقط لها أم لا .

قوله : " فلما ذهب " أي شريك نواس . قوله : " يستاقها " جملة حالية . قوله : " فقال : دعها " أي قال ابن عمر : دع الإبل ، ولا تستقها .

قوله : " لا عدوى " تفسير لقوله : " رضينا بقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " يعني بحكمه بأنه لا عدوى ، وهو اسم من الإعداء ، يقال : أعداه الداء يعديه إعداء ، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء ، وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا ، فيتقي مخالطته بإبل أخرى ؛ حذار أن يتعدى ما به من الجرب إليها ، فيصيبها ما أصابه ، وقد أبطله الشارع بقوله : " لا عدوى " يعني ليس الأمر كذلك ، وإنما الله عز وجل هو الذي يمرض وينزل الداء ؛ ولهذا قال في الحديث : " فمن أعدى البعير الأول ؟ " أي من أين صار فيه الجرب ، وقال الجوهري : العدوى ما يعدي من جرب أو غيره ، وهو مجاوزته من صاحبه إلى غيره ، والعدوى أيضا طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك ، أي ينتقم منه . وقيل : معنى " لا عدوى " هنا رضيت بهذا البيع على ما فيه من العيب ، ولا أعدي على البائع حاكما ، واختار ج١١ / ص٢١٩ابن التين هذا المعنى ، وقال الداودي : معنى قوله : " لا عدوى " النهي عن الاعتداء والظلم . ( قلت ) : الحديث يكون موقوفا على اختيار ابن التين ، ويكون من كلام ابن عمر ، وعلى ما فسرنا أولا يكون في حكم المرفوع .

قوله : " سمع سفيان عمرا " هذا قول شيخ البخاري علي بن عبد الله ، أي سمع سفيان بن عيينة عمرو بن دينار ، والحديث رواه الحميدي في مسنده ، عن سفيان قال : حدثنا عمرو به . وفي الحديث جواز شراء المعيب ومنعه إذا كان البائع قد عرف عيبه ورضيه المشتري ، وليس هذا من الغش ، وأما ابن عمر فرضي بالعيب ، والتزمه ، فصحت الصفقة فيه . وفيه تجنب ظلم الصالح لقوله : " ويحك ، ذاك ابن عمر " .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث