باب في العطار وبيع المسك
( باب في العطار وبيع المسك ) 53 - حدثني موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا أبو بردة بن عبد الله قال : سمعت أبا بردة بن أبي موسى ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مثل الجليس الصالح ، والجليس السوء ، كمثل صاحب المسك ، وكير الحداد ؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه ، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة .
مطابقته للترجمة للجزء الثاني منها ، وهو بيع المسك ، وقال بعضهم : وبيع المسك ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك ، وكأنه ألحق العطار به ؛ لاشتراكهما في الرائحة الطيبة . ( قلت ) : صاحب المسك أعم من أن يكون حامله أو بائعه ، ولكن القرينة الحالية تدل على أن المراد منه بائعه ، فتقع المطابقة بين الحديث والترجمة ، وأما أنه ذكر العطار - وإن لم يكن له ذكر في الحديث - فلأنه قال : " وبيع المسك " وهو يستلزم البائع ، وبائع المسك يسمى العطار ، وإن كان يبيع غير المسك من أنواع الطيب . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي .
الثاني : عبد الواحد بن زياد العبدي . الثالث : أبو بردة بضم الباء الموحدة ، واسمه بريد - مصغر البرد - ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى . الرابع : أبو بردة بالضم أيضا ، واسمه عامر بن أبي موسى .
الخامس : أبوه أبو موسى الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه السماع .
وفيه العنعنة في موضع . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن شيخه وشيخ شيخه بصريان ، والبقية كوفيون .
وفيه رواية الابن عن الأب ، وعن الجد على ما لا يخفى . وأخرجه البخاري أيضا ، عن أبي كريب . وأخرجه مسلم في الأدب ، عن أبي بكر بن أبي شيبة .
وعن أبي كريب ، عن أبي أسامة . ( ذكر معناه ) : قوله : " مثل الجليس " الجليس على وزن فعيل هو الذي يجالس الرجل ، يقال : جالسته فهو جليسي وجلسي . قوله : " كير الحداد " بكسر الكاف وسكون الياء ، هو زق أو جلد غليظ ينفخ به النار ، وفي رواية أسامة " كحامل المسك ونافخ الكير " وفي الكلام لف ونشر ، وقال الكرماني : المشبه به الكير ، أو صاحب الكير ؛ لاحتمال عطف الكير على الصاحب وعلى المسك ، فأجاب بأن ظاهر اللفظ أنه الكير ، والمناسب للتشبيه أنه صاحبه .
قوله : " لا يعدمك " بفتح الياء وفتح الدال من عدمت الشيء - بالكسر - أعدمه أي فقدته ، وقال ابن التين : وضبط في البخاري بضم الياء وكسر الدال من عدمت الشيء - بالكسر - أعدمه ، ومعناه ليس يعدوك . ( قلت ) : هو رواية أبي ذر فيكون من الإعدام ، وفاعل " لا يعدمك " قوله : " تشتريه " وأصله أن تشتريه ، وكلمة " إما " زائدة ، ويجوز أن يكون الفاعل ما يدل عليه إما ، أي لا يعدمك أحد الأمرين . قوله : ج١١ / ص٢٢١" إما تشتريه أو تجد ريحه " وفي رواية أبي أسامة " إما أن يجديك ، وإما أن تبتاع منه " ورواية عبد الواحد أرجح ؛ لأن الإجداء - وهو الإعطاء - لا يتعين ، بخلاف الرائحة فإنها لازمة ، سواء وجد البيع ، أو لم يوجد .
قوله : " وكير الحداد " إلى آخره ، وفي رواية أبي أسامة " ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك " . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته ، كالمغتاب ، والخائض في الباطل . والندب إلي من ينال بمجالسته الخير ، من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها ؛ وفي الحديث " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " .
وفيه دليل على إباحة المقايسات في الدين ، قاله ابن حبان عند ذكر هذا الحديث . وفيه جواز ضرب الأمثال . وفيه دليل على طهارة المسك .
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " المسك أطيب الطيب "
وفي كتاب الأشراف : روينا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسند جيد " أنه كان له مسك يتطيب به" وعلى هذا جل العلماء من الصحابة وغيرهم ، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأنس وسلمان رضي الله عنهم ، ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد والشافعي ومالك والليث وأحمد وإسحاق . وخالف في ذلك آخرون ، فذكر ابن أبي شيبة : قال عمر رضي الله تعالى عنه : لا تحنطوني به ، وكرهه . وكذا عمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن ومجاهد والضحاك ، وقال أكثرهم : لا يصلح للحي ولا للميت ؛ لأنه ميتة ، وهو عندهم بمنزلة ما أبين من الحيوان ، قال ابن المنذر : لا يصح ذلك إلا عن عطاء .
( قلت ) :
روى ابن أبي شيبة ، عن عطاء من طريق جيدة أنه سئل : أطيب الميت بالمسك ؟ قال : نعم ، أوليس الذي تخمرون به المسك؟ فهو خلاف ما قاله ابن المنذر عنه ، وقولهم : إنه بمنزلة ما أبين من الحيوان - قياس غير صحيح ؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم ، وهذا ليس سبيل نافجة المسك ؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعرة . وقال أبو الفضل عياض : وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله . وقال أصحابنا : المسك حلال بالإجماع يحل استعماله للرجال والنساء ، ويقال : انقرض الخلاف الذي كان فيه ، واستقر الإجماع على طهارته وجواز بيعه .
وقال المهلب : أصل المسك التحريم ؛ لأنه دم ، فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم - وهي الزهم وفاح الرائحة - صار حلالا بطيب الرائحة ، وانتقلت حاله كالخمر تتخل فتحل بعد أن كانت حراما بانتقال الحال ، وفي ( شرح المهذب ) : نقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبا باطلا ، وهو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أُبِينَ من حي فهو ميت ، أو يقال : هو في معنى الجنين والبيض واللبن . وذكر المسعودي في ( مروج الذهب ) أنه تدفع مواد الدم إلى سرة الغزال ، فإذا استحكم لون الدم فيها ونضح آذاه ذلك وحكه ، فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس ، فيحت بها ملتذا بذلك ، فينفجر حينئذ ، وتسيل على تلك الأحجار كانفجار الجراح والدمل ، ويجد بخروجه لذة ، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم تجتمع ثانية ، فيخرج رجال نبت يقصدون تلك الحجارة والجبال ، فيجدونه قد جف بعد إحكام المواد ونضج الطبيعة ، وجففته الشمس ، وأثر فيه الهوى ، فيودعونه في نوافج معهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها معدة معهم . ولغزاله نابان صغيران محدودان ، الأعلى منها مدلى على أسنانه السفلى ، ويداه قصيرتان ، ورجلاه طويلتان ، وربما رموها بالسهام فيصرعونها ويقطعون عنها نوافجها ، والدم في سررها خام لم ينضج ، وطري لم يدرك ، فيكون لرائحته سهولة ، فيبقى زمانا حتى تزول عنه تلك الروائح السهلة الكريهة ، وتكتسب موادا من الهوى وتصير مسكا .