باب ذكر الحجام
( باب ذكر الحجام ) 54 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن حميد ، عن أنس بن مالك رضي الله ج١١ / ص٢٢٢عنه قال : حجم أبو طيبة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فأمر له بصاع من تمر ، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه . مطابقته للترجمة من حيث إن المذكور فيه أن أبا طيبة حجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيطلق عليه أنه حجام .
ورجاله قد ذكروا غير مرة . والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا عن القعنبي ، وأبو طيبة بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، قيل : اسمه دينار . وقيل : نافع .
وقيل : ميسرة ، وقال ابن الحذاء : عاش مائة وثلاثا وأربعين سنة ، وهو مولى محيصة - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالصاد المهملة - ابن مسعود الأنصاري ، وأهله هم بنو بياضة . قوله : " من خراجه " بفتح الخاء المعجمة ، وهو ما يقرره السيد على عبده أن يؤديه إليه كل يوم . وفيه دليل على جواز الحجامة ، وجواز أخذ الأجرة عليها .
وفيه دليل على إباحة مقاطعة المولى عبده على خراج معلوم مياومة أو مشاهرة . وفيه جواز وضع الضريبة عنه ، والتخفيف عليه . وروي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سأله : كم ضريبتك ؟ فقال : ثلاثة آصع ، فوضع عنه صاعا ، وإنما أضيف الوضع إليه ؛ لأنه كان هو الآمر به ، وهذا رواه الطحاوي ، فقال : حدثنا فهد قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا أبا طيبة ، فحجمه ، فسأله : كم ضريبتك ؟ فقال : ثلاثة آصع ، فوضع عنه صاعا " .
وأخرجه أبو يعلى في ( مسنده ) بإسناده إلى جابر ، ولفظه : قال : " بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أبي طيبة ، فحجمه " إلى آخره نحوه ، وأبو بشر اسمه جعفر بن إياس اليشكري ، وعلل بعضهم الحديث بأنه لم يسمع من سليمان بن قيس. وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي جميلة ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : " احتجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأعطى أجره " ولو كان به بأس لم يعطه . وأخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) ، وأبو جميلة اسمه ميسرة وثقه ابن حبان .
( فإن قلت ) : روى الطحاوي عن المزني ، عن الشافعي ، عن ابن أبي فديك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة - أحد بني حارثة - عن أبيه " أنه سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن كسب الحجام ، فنهاه أن يأكل من كسبه ، ثم عاد فنهاه ، ثم عاد فنهاه ، فلم يزل يراجعه ، حتى قال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعلف كسبه ناضحك ، وأطعمه رقيقك " . ( قلت ) : في إباحته - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يطعمه الرقيق والناضح - دليل على أنه ليس بحرام ، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل لا يحل له أيضا أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه ؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قال في الرقيق : " أطعموهم مما تأكلون " فلما ثبت إباحة النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمحيصة أن يعلف ذلك ناضحه ويطعم رقيقه من كسب حجامه ، دل ذلك على نسخ ما تقدم من نهيه عن ذلك ، وثبت حل ذلك له ولغيره ، قاله الطحاوي ، ثم قال : وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى .