باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام على الباب فلم يدخله ، فعرفت في وجهه الكراهية ، فقلت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله وإلى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ما بال هذه النمرقة ؟ قلت : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون ، فيقال لهم : أحيوا ما خلقتم . وقال : إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة . وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قد مر في أول الباب ، وقال الكرماني : الاشتراء أعم من التجارة فكيف يدل على الخاص الذي هو التجارة التي عقد عليها الباب ؟ فأجاب بأن حرمة الجزء مستلزمة لحرمة الكل ، وهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء .
ورجاله مشهورون ، مذكورون غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في النكاح ، عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي اللباس عن القعنبي ، وفي اللباس أيضا عن حجاج بن منهال ، وفي بدء الخلق ، عن محمد هو ابن سلام ، عن مخلد هو ابن يزيد . وأخرجه مسلم في اللباس ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به .
وعن إسحاق بن إبراهيم . وعن عبد الوارث بن عبد الصمد . وعن قتيبة بن سعيد .
وعن محمد بن رمح . وعن هارون بن سعيد . وعن أبي بكر بن إسحاق .
قوله : نمرقة بضم النون والراء ، ضبطه ابن السكيت هكذا ، وضبطها أيضا بكسر النون والراء وبغير هاء ، وجمعها نمارق ، وقال ابن التين : ضبطناها في الكتب بفتح النون وضم الراء ، وقال عياض وغيره : هي وسادة . وقيل : مرفقة . وقيل : هي المجالس ، ولعله يعني الطنافس ، وفي ( المحكم ) : النمرق والنمرقة قد قيل : هي التي يلبسها الرجل ، وفي ( الجامع ) : النمرق تجعل تحت الرحل ، وفي ( الصحاح ) : النمرقة وسادة صغيرة ، وربما سموا الطنفسة التي تحت الرحل نمرقة .
قوله : الصور بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة ، الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها ، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته ، وعلى معنى صفته ، يقال : صورة الفعل كذا وكذا ، أي هيئته ، وصورة الأمر كذا وكذا ، أي صفته . قوله : أحيوا بفتح الهمزة أمر تعجيز من الإحياء . قوله : ما خلقتم أي صورتم كصورة الحيوان .
قوله : لا تدخله الملائكة أي غير الحفظة . وقيل : ملائكة الوحي ، وأما الحفظة فلا تفارقه إلا عند الجماع والخلاء ، كما أخرجه ابن عدي وضعفه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : أن بيع الثياب التي فيها الصور المكروهة ، فظاهر حديث عائشة أن بيعها لا يجوز ، لكن قد جاءت آثار مرفوعة ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تدل على جواز بيع ما تمتهن فيها الصورة ، منها ستر عائشة فيه تصاوير ، فهتكه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فجعلته قطعتين ، فاتكأ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إحداهما ، رواه وكيع عن أسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، فإذا تعارضت الآثار فالأصل الإباحة حتى يرد الحظر ، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة في النمرقة - لو لم يعارضه غيره - محمولا على الكراهة دون التحريم ، بدليل أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفسخ البيع في النمرقة التي اشترتها عائشة .
الثاني : أن تصوير الحيوان حرام ، واختلفوا في هذا الباب : فقال قوم من أهل الحديث وطائفة من الظاهرية : التصوير حرام ، سواء في ذلك تصوير ذي روح وغيره ، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث عبد الله قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون رواه مسلم وغيره . وقال الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث : كل صورة لا تشبه صورة الحيوان كصور الشجر والحجر والجبل ونحو ذلك ، فلا بأس بها ، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم قال : قرأت على نصر بن علي الجهضمي ، عن عبد الأعلى قال : حدثنا يحيى بن إسحاق عن سعيد بن أبي الحسن قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : إني رجل أصور هذه الصور ، فأفتني فيها ، فقال : ادن مني ، ثم قال : ادن مني ، فدنا منه ، حتى وضع يده على رأسه قال : أنبئك بما سمعت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفسا ، فيعذبه في جهنم ، وقال : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له فأقر به نصر بن علي . والدليل على ذلك ما رواه الطحاوي من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال : استأذن جبريل عليه السلام على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : ادخل ، فقال : كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال ؟ فإما أن تقطع رؤوسها وإما أن تجعلها بساطا ؛ فإنا - معشر الملائكة - لا ندخل بيتا فيه تماثيل قال الطحاوي : فلما أبيحت التماثيل بعد قطع رؤوسها الذي لو قطع من ذي الروح لم يبق ، دل ذلك على إباحة تصوير ما لا روح له ، وعلى خروج ما لا روح لمثله من الصور مما قد نهي عنه في الآثار .
الثالث : فيه أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ، وقد مر عن قريب أن المراد من الملائكة غير الحفظة ، وقال النووي : أما الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والاستغفار ، وقال الخطابي : إنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور ، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما ، فلا يمنع دخول الملائكة بسببه . وأشار القاضي إلى نحو ما قال الخطابي . والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة ، وأنهم يمنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ، قاله النووي ، وقال أيضا : ولأن الجرو الذي كانت في بيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر ؛ فإنه لم يعلم به ، ومع هذا امتنع جبريل عليه السلام من دخول البيت ، وعلل بالجرو ، فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل عليه السلام .
انتهى . ( قلت ) : العلم وعدمه لا يؤثر في هذا الأمر ، والعلة في امتناعهم عن الدخول وجود الصورة والكلب مطلقا ، والله أعلم .