حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب

( باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب )

159 - حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعا أم عطية ؟ أو قال : أم هبة ؟ قال : لا ، بل بيع ، فاشترى منه شاة . مطابقته للترجمة في قوله : فاشترى منه شاة .

وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، ومعتمر بن سليمان بن طرخان ، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة عن أبي النعمان أيضا ، وأخرجه في الأطعمة عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عبيد الله بن معاذ ، وحامد بن عمرو ، ومحمد بن عبد الأعلى ، ثلاثتهم عن معتمر . ( ذكر معناه ) قوله : « مشعان » بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة وبعد الألف نون مشددة ، أي : ج١٢ / ص٢٧طويل جدا فوق الطول ، وعن الأصمعي : شعر مشعان بتشديد النون ، متنفش ، واشعان الشعر اشعينانا ، كاحمار احميرارا ، وفي التهذيب : تقول العرب : رأيت فلانا مشعان الرأس ، إذا رأيته شعثا متنفش الرأس مغبرا ، وروى عمرو عن أبيه : اشعن الرجل إذا نامى عدوه فاشعان شعره .

قوله : « بيعا » منصوب على المصدرية ، أي : اتبيع بيعا ، قيل : ويجوز الرفع ، أي : أهذا بيع ، قوله : « أم عطية » بالنصب عطف على "بيعا" ، قوله : « أو قال » شك من الراوي ، قوله : « قال لا » ، أي : قال الرجل : ليس عطية أو ليس هبة ، « بل بيع » ، أي : بل هو بيع ، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول إليه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده ، وقال الخطابي في قوله : « أم هبة » دليل على قبول الهدية من المشرك لو وهب ، فإن قلت : قد قال - صلى الله عليه وسلم - لعياض بن حمار حين أهدى له في شركه : "إنا لا نقبل زبد المشركين" ، يريد عطاهم ، قلت : قال أبو سليمان : يشبه أن يكون ذلك منسوخا ؛ لأنه قبل هديه غير واحد من أهل الشرك ، أهدى له المقوقس وأكيدر دومة ، قال : إلا أن يزعم زاعم أن بين هدايا أهل الشرك وهدايا أهل الكتاب فرقا ، انتهى . قلت : فيه نظر في مواضع : الأول : أن الزعم بالفرق المذكور يرده قول عبد الرحمن في نفس هذا الحديث : إن هذا الرجل كان مشركا ، وقد قال له : أبيع أم هدية ؟ .

الثاني : هدية أكيدر كانت قبل إسلام عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - راوي هذا الحديث ؛ لأن إسلامه كان في هدنة الحديبية ، وذلك في سنة سبع ، وهدنة أكيدر كانت بعد وفاة سعد بن معاذ - رضي الله تعالى عنه - الذي قال في حقه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما عجب الناس من هدية أكيدر : "والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه" ، وسعد توفي بعد غزوة بني قريظة سنة أربع في قول عقبة ، وعند ابن إسحاق سنة خمس ، وأيا ما كان فهو قبل إسلام عبد الرحمن ، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس كان في سنة ست ، ذكره ابن منده وغيره ، فدل على أنه قبل هذا الحديث . الثالث : لقائل أن يقول : هذان اللذان قبل منهما هديتهما ليس سوقة ، إنما هما ملكان فقبل هديتهما تألفا ؛ لأن في رد هديتهما نوع حصول شيء . الرابع : نقول كان قبول هديتهم بإثابته عليهما ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لهذا المشرك أيضا كان تأنيسا له ، ولأن يثيبه بأكثر مما أهدى ، وكذا يقال في هدية كسرى المذكورة في كتاب الحربي من حديث علي - رضي الله تعالى عنه - ورد هدية عياض بن حمار ، وكان بينه وبين النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - معرفة قبل البعثة ، فلما بعث أهدى له فرد هديته ، وكذا رد هدية ذي الجوشن وكانت فرسا ، وكذا رد هدية ملاعب الأسنة لأنهم كانوا سوقة وليسوا ملوكا ، وأهدى له ملك أيلة بغلة وفروة الجذامي هدية فقبلهما وكانا ملكين ، ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال : أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قبل هدية أبي سفيان بن حرب لأنها كانت في مدة الهدنة ، وكذا هدية المقوقس ، إنما كان قبلها لأنه أكرم حاطبا وأقر بنبوته - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤيسه من إسلامه ، وقبول هدية الأكيدر لأن خالدا - رضي الله تعالى عنه - قدم به فحقن - صلى الله عليه وسلم - دمه وصالحه على الجزية ؛ لأنه كان نصرانيا ، ثم خلى سبيله ، وكذا ملك أيلة لما أهدى كساه - صلى الله عليه وسلم - بردا له ، وهذا كله يرجع إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقبل هدية إلا ويكافئ .

ثم اعلم أن الناس اختلفوا فيما يهدى للأئمة ، فروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يوجب رده إلى بيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وقال أبو يوسف : ما أهدى إليه أهل الحرب فهو له دون بيت المال ، وأما ما يهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة فهو في ذلك بخلاف الناس ؛ لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة لم تكن لغيره ، قال تعالى : وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بعد قوله : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل الفيء يضعه حيث أراه الله ، فأما المسلمون إذا أهدوا إليه فكان من سجيته أن لا يردها ، بل يثيبهم عليها . وفيه أن ابتياع الأشياء من المجهول الذي لا يعرف جائز حتى يطلع على ما يلزم التورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته غصب أو سرقة أو شبههما ، وقال ابن المنذر : من كان بيده شيء فظاهره أنه مالكه ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه . واختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام ج١٢ / ص٢٨وقبول هديته وجائزته ، فرخصت فيه طائفة ، فكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وقد أخبر أن اليهود أكالون للسحت ، قال الحسن : ما لم يعرفوا شيئا منه حراما ، يعني معينا .

وعن الزهري ومكحول : إذا كان المال فيه حرام وحلال ، فلا بأس أن يؤكل منه ، إنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرف بعينه ، وقال الشافعي : لا أحب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من حرام ، فإن بويع لا يفسخ البيع ، وقال ابن بطال : والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء : وحجة من رخص حديث الباب وحديث رهنه - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهودي . وكان ابن عمر وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - يأخذان هدايا المختار ، وبعث عمرو بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار ، فأخذها ابن عمر وقال : لقد جاءتنا على حاجة . وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه فأخذتها ، وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف ، وقسمته بين أمهات المؤمنين .

وكرهت طائفة الأخذ منهم ، روي ذلك عن مسروق ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وبشر بن سعيد ، وطاووس ، وابن سيرين ، والثوري ، وابن المبارك ، ومحمد بن واسع ، وأحمد ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض وقال : من أخذ منهم مثل هذه فهو منهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث