باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه
( باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان كاتب وكان حرا فظلموه وباعوه مطابقته للترجمة من حيث إنه يعلم من قضية سلمان تقرير أحكام الحربي على ما كان عليه ، وسلمان هو الفارسي - رضي الله تعالى عنه - ، وقصته طويلة على ما ذكره ابن إسحاق وغيره ، وملخصها أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسيا ، فلحق براهب ، ثم براهب ، ثم بآخر ، وكان يصحبهم إلى وفاتهم ، حتى دله الأخير إلى الحجاز ، وأخبره بظهور رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي ، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة ، فقدم به المدينة ، فلما قدم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ورأى علامات النبوة أسلم ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "كاتب عن نفسك" ، عاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : مائتين وخمس وسبعين سنة ، ومات سنة ست وثلاثين بالمداين .
ثم هذا التعليق الذي علقه البخاري أخرجه ابن حبان في صحيحه ، والحاكم من حديث زيد بن صوحان عن سلمان ، وأخرجه أحمد والطبراني من حديث محمود بن لبيد عن سلمان قال : كنت رجلا فارسيا .. . فذكر الحديث بطوله ، وفيه : ثم مر بي نفر من بني كلب تجار ، فحملوني معهم حتى إذا قدموا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي .. . الحديث ، وفيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كاتب يا سلمان ، قال : فكاتب صاحبي على ثلاثمائة ودية .. .
الحديث ،
وفي حديث الحاكم ما يدل أنه هو ملك رقبته لهم ، وعنده من حديث أبي الطفيل عن سلمان وصححه ، وفيه : فمر ناس من أهل مكة ، فسألتهم عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقالوا : نعم ، ظهر منا رجل يزعم أنه نبي ، فقلت لبعضهم : هل لكم أن أكون عبدا لبعضكم على أن تحملوني عقبة وتطعموني من الكسر ، فإذا بلغتم إلى بلادكم فمن شاء أن يبيع باع ، ومن شاء أن يستعبد استعبد ، فقال رجل منهم : أنا ، فصرت عبدا له حتى أتى بي مكة ، فجعلني في بستان له .. . الحديث. قوله : « كاتب » أمر من المكاتبة ، قوله : « وكان حرا » جملة وقعت حالا من قال لا من قوله : « كاتب » ، وقال الكرماني : فإن قلت : كيف أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتابة وهو حر ؟ قلت : أراد بالكتاب صورة الكتابة لا حقيقتها ، فكأنه قال : أفد عن نفسك وتخلص من ظلمه ، انتهى .
قلت : هذا السؤال غير وارد ، فلا يحتاج إلى الجواب : فكأن الكرماني اعتقد أن قوله : "وكان حرا" يعني في حال الكتابة ، فإنه في ذلك الوقت كان في ملك الذي اشتراه ؛ لأنه غلب عليه ج١٢ / ص٢٩بعض الأعراب في وادي القرى فملكه بالقهر ، ثم باعه من يهودي واشترى منه يهودي آخر كما ذكرنا ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "وكان حرا" إخبار منه بحريته في أول أمره قبل أن يخرج من دار الحرب ، والعجب من الكرماني أنه قال : قوله "وكان حرا" حال من قال ، يعني من قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله "كاتب" ، فكيف غفل عن هذا وسأل هذا السؤال الساقط ؟! ونظير ذلك ما قاله صاحب ( التوضيح ) ، ولكن ما هو في البعد مثل ما قاله الكرماني ، وهو أنه قال ( فإن قلت ) كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم ، فلا يجوز للكافر ملك مسلم ، قلت : أجاب عنه الطبري بأن حكم هذه الشريعة أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله ، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام فهو ملك للغالب ، وكان سلمان حين غلب نفسه لم يكن مؤمنا ، وإنما كان إيمانه تصديق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا بعث ، مع إقامته على شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، انتهى . ويؤيد ما ذكره الطبري أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة وسمع به سلمان فذهب إليه ببعض تمر يختبره : إن كان هو هذا النبي يقبل الهدية ويرد الصدقة ، فلما تحققه دخل في ذلك الوقت في الإسلام كما هو شرطه ، فلذلك أمره - صلى الله تعالى عليه وسلم - بالكتابة ، ليخرج من ملك مولاه اليهودي . وسبي عمار وصهيب وبلال مطابقته للترجمة من حيث إن أم عمار كانت من موالي بني مخزوم ، وكانوا يعاملون عمارا معاملة السبي ، فهذا هو الوجه هنا ؛ لأن عمارا ما سبي على ما نذكره ، وأما صهيب وبلال فباعهما المشركون على ما نذكره ، فدخلا في قوله في الترجمة شراء المملوك من الحربي ، وقال صاحب التوضيح : قوله : « وسبي عمار وصهيب وبلال » يعني أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضا ، ويملكون بذلك ، انتهى .
قلت : هذا الكلام الذي لا يقرب قط من المقصود أخذه من صاحب التلويح ، وكون أهل الجاهلية سابين بعضهم بعضا لا يستلزم كون عمار ممن سبي ولا بلال ، وإنما كانا يعذبان في الله تعالى ، حتى خلصهما الله تعالى ببركة إسلامهما ، نعم سبي صهيب وبيع على يد المشركين ، وروي عن ابن سعد أنه قال : أخبرنا أبو عامر العقدي ، وأبو حذيفة موسى بن مسعود قالا : حدثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن حمزة بن صهيب ، عن أبيه قال : إني رجل من العرب من النمر بن قاسط ، ولكني سبيت ، سبتني الروم غلاما صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعرفت نسبي ، وعن ابن سعد كان أباه من النمر بن قاسط ، وكان عاملا لكسرى ، فسبت الروم صهيبا لما غزت أهل فارس فابتاعه منهم عبد الله بن جدعان ، وقيل : هرب من الروم إلى مكة فحالف ابن جدعان ، فهذا يناسب الترجمة ؛ لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي . وأما بلال ، فإن ابن إسحاق ذكر في ( المغازي ) حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه قال : مر أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - بأمية بن خلف وهو يعذب بلالا ، فقال : ألا تتقي الله في هذا المسكين ، فقال : انقذه أنت بما ترى ، فأعطاه أبو بكر غلاما أجلد منه وأخذ بلالا فأعتقه ، وقيل : غير ذلك ، فحاصل الكلام أنه أيضا يناسب الترجمة ؛ لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي ، أما الشراء فإن أبا بكر قايض مولاه ، والمقايضة نوع من البيوع ، وأما كونه اشترى من الحربي ؛ لأن مكة في ذلك الوقت كانت دار الحرب وأهلها من أهل الحرب ، وأما عمار فإنه كان عربيا عنسيا بالنون والسين المهملة ما وقع عليه سباء ، وإنما سكن أبوه ياسر مكة وحالف بني مخزوم ، فزوجوه سمية بضم السين ، وهي من مواليهم ، أسلم عمار بمكة قديما وأبوه وأمه ، وكانوا ممن يعذب في الله - عز وجل - ، فمر بهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهم يعذبون ، فقال : "صبرا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة" ، وقيل : أبو جهل سمية طعنها بحربة في قبلها ، فكانت أول شهيد في الإسلام ، وقال مسدد : لم يكن أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر ، وليس له وجه في دخوله في الترجمة إلا بتعسف كما ذكرناه ، وقال الكرماني : قوله : سبي ، أي : أسر ولم يذكر شيئا غيره ؛ لأنه لم يجد شيئا يذكره ، على أن السبي هل يجيء بمعنى الأسر ؟ فيه كلام . وقال الله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ج١٢ / ص٣٠مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة في قوله : « عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ » ، والخطاب فيه للمشركين ، فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبا على غير الأوضاع الشرعية ، وقيل : مقصوده صحة ملك الحربي وملك المسلم عنه ، قلت : إذا صح ملكهم يصح تصرفهم فيه بالبيع والشراء والهبة والعتق ونحوها ، وقال ابن التين : معناه أن الله فضل الملاك على مماليكهم فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه ، واعلم أن المالك لا يشرك مملوكه فيما عنده ، وهما من بني آدم ، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي يرزقكم الله لله وبعضه لأصنامكم ، فتشركون بين الله وبين الأصنام ، وأنتم لا ترضون ذاك مع عبيدكم لأنفسكم .
وقال ابن بطال : تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة الأصنام بعبادة الرب تعالى وتعظم ، فنبههم الله تعالى على أن مماليكهم غير مساوين في أموالهم ، فالله تعالى أولى بإفراد العبادة ، وأنه لا يشرك معه أحد من عبيده ؛ إذ لا مالك في الحقيقة سواه ، ولا يستحق الإلهية غيره . قوله : « أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » الاستفهام على سبيل الإنكار معناه لا تجحدوا نعمة الله ، ولا تكفروا بها ، وجحودهم بأن جعلوا ما رزقهم الله لغيره ، وقيل : أنعم الله عليهم بالبراهين فجحدوا نعمه . 160 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هاجر إبراهيم - عليه السلام - بسارة ، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك ، أو جبار من الجبابرة ، فقيل : دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء ، فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك ؟ قال : أختي ، ثم رجع إليها ، فقال : لا تكذبي حديثي ، فإني أخبرتهم أنك أختي ، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك ، فأرسل بها إليه فقام إليها ، فقامت توضأ وتصلي فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط علي الكافر ، فغط حتى ركض برجله .
قال الأعرج : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : قالت : اللهم إن يمت يقال : هي قتلته ، فأرسل ، ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط علي هذا الكافر ، فغط حتى ركض برجله . قال عبد الرحمن : قال أبو سلمة : قال أبو هريرة : فقالت : اللهم إن يمت فيقال هي قتلته ، فأرسل في الثانية أو في الثالثة ، فقال : والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانا ، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها آجر ، فرجعت إلى إبراهيم - عليه السلام - فقالت : أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة . مطابقته للترجمة في قوله : "أعطوها هاجر" ، فقبلتها سارة ، فهذه هبة من الكافر إلى المسلم ، فدل ذلك على جواز تصرف الكافر في ملكه ، ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم الحكم بن نافع الحمصي ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في الهبة وفي الإكراه . ( ذكر معناه ) ، قوله : « هاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسارة » ، أي : سافر بها ، وسارة بتخفيف الراء بنت توبيل بن ناحور ، وقيل : سارة بنت هاران بن ناحور ، وقيل : بنت هاران بن تارخ ، وهي بنت أخيه على هذا وأخت لوط ، قاله العتبي في ( المعارف ) والنقاش في التفسير ، قال : وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالا إذ ذاك ، ثم إن النقاش نقض هذا القول ، فقال في تفسير قوله - عز وجل - شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا : إن هذا يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح عليه الصلاة والسلام . قال السهيلي : هذا هو الحق ، وإنما توهموا أنها بنت أخيه ؛ لأن هاران أخوه ، وهو هاران الأصغر ، وكانت هي بنت هاران الأكبر ، وهو عمه ، قوله : « فدخل بها قرية » القرية من قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها وتجمع ج١٢ / ص٣١على قرى ، قال الداودي : القرية تقع على المدن الصغار والكبار ، وقال ابن قتيبة : القرية الأردن ، والملك صادوق ، وكانت هاجر لملك من ملوك القبط ، وعند الطبري : كانت امرأة ملك من ملوك مصر ، فلما قتله أهل عين شمس احتملوها معهم ، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان أخو الضحاك .
وقال ابن هشام في كتاب التيجان : إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - خرج من مدين إلى مصر ، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلا ، وبمصر ملكها عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن سبأ . قوله : « أو جبار » شك من الراوي ، والجبار يطلق على ملك عات ظالم ، قوله : « فقيل دخل إبراهيم بامرأة » ، وقال ابن هشام : وشى به حناط كان إبراهيم يتمار منه ، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة ، فلما صار إبراهيم - عليه السلام - خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية ، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما ، فهم عمرو بسارة ومد يده إليها فيبست ، فمد الأخرى فكذلك ، فلما رأى ذلك كف عنها . وقال ابن هشام : وكان الحناط أخبر الملك بأنه رآها تطحن ، فقال الملك : يا إبراهيم ما ينبغي لهذه أن تخدم نفسها فأمر له بهاجر ، قوله : « قال أختي » يعني في الدين .
وقال ابن الجوزي : على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري ، وهو أن يقال : ما معنى توريته عليه السلام عن الزوجة بالأخت ، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية كان أسلم لها ؛ لأنه إذا قال هذه أختي ، قال زوجنيها ، وإذا قال امرأتي سكت ، هذا إن كان الملك يعمل بالشرع ، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي إذا كانت زوجة أو أختا ، إلى أن وقع لي أن القوم كانوا على دين المجوس ، وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره ، فكأن الخليل - عليه السلام - أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله ، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه ، قال : واعترض على هذا بأن الذي جاء على مذهب المجوس زرادشت ، وهو متأخر عن هذا الزمن ، فالجواب : إن لمذهب القوم أصلا قديما ادعاه زرادشت ، وزاد عليه خرافات أخر ، وقد كان نكاح الأخوات جائزا في زمن آدم - عليه السلام - ، ويقال : كانت حرمته على لسان موسى - عليه الصلاة والسلام - ، قال : ويدل على أن دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر ، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب ، ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب ، فقال : كان من مذهب القوم أن من له زوجة لا يجوز له أن يتزوج إلا أن يهلك زوجها ، فلما علم إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هذا قال : هي أختي ، كأنه قال : إن كان الملك عادلا فخطبها مني أمكنني دفعه ، وإن كان ظالما تخلصت من القتل ، وقيل : إن النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود ، فعدل - عليه السلام - عن قوله زوجتي ؛ لأنه يؤدي إلى قتله أو طرده عنها أو تكليفه لفراقها ، وقال القرطبي : قيل : إن من سيرة هذا الجبار أنه لا يغلب الأخ على أخته ، ولا يظلمه فيها ، وكان يغلب الزوج على زوجته ، والله أعلم . قوله : « إن على الأرض » كلمة إن بكسر الهمزة وسكون النون للنفي ، يعني والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك ، قوله : « وغيرك » بالجر عطفا على غيري ، ويروى بالرفع بدلا عن المحل ، ويروى "من يؤمن" بكلمة "من" الموصولة ، وصدر صلتها محذوف تقديره : والله الذي على الأرض ليس بمؤمن غيري وغيرك . قوله : « فقامت توضأ » برفع الهمزة في محل النصب على الحال ، وتصلي عطف عليه ، قوله : « اللهم إن كنت آمنت » قيل : شرط مدخول أن كونه مشكوكا فيه ، والإيمان مقطوع به ، وأجيب بأنها كانت قاطعة به ، ولكنها ذكرته على سبيل الفرض هاهنا هضما لنفسها .
قوله : « فغط » قال ابن التين : ضبط في بعض الأصول بفتح الغين والصواب بالضم ، كذا في بعض الأصول . قلت : هو بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة ، ومعناه أخذ مجاري نفسه حتى سمع له غطيط ، يقال : غط المخنوق ، إذا سمع غطيطه . قوله : « حتى ركض برجله » ، أي : حركها وضربها على الأرض .
قوله : « قال الأعرج » هو المذكور في السند ، وهو عبد الرحمن بن هرمز ، قال أبو سلمة : إن أبا هريرة قال : قالت اللهم إن يمت ( ح ) ، هو موقوف ظاهرا ، وكذا ذكره صاحب الأطراف ، وكان أبا الزناد روى القطعة الأولى مسندة وهذه موقوفة . قوله : « يقال هي قتلته » ويروى : يقل هي قتلته ، وهو الظاهر لوجوب الجزم فيه ، ووجه رواية يقال هو إما أن الألف حصلت من إشباع الفتحة ، وإما أنه كقوله تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ بالرفع في قراءة بعضهم ، وقال الزمخشري : قيل : هو بتقدير الفاء . قلت : تقديره فيدرككم الموت ، وكذلك ج١٢ / ص٣٢هنا يكون التقدير فيقال .
قوله : « في الثانية » ، أي : أرسل سارة في المرة الثانية . قوله : « أو في الثالثة » شك من الراوي ، أي : أو أرسلها في المرة الثالثة . قوله : « إلا شيطانا » ، أي : متمردا من الجن ، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم ، ويقال : سبب قوله ذلك ، أنه جاء في بعض الروايات : لما قبضت يده عنها قال لها : ادعي لي ، فقال ذلك لئلا يتحدث بما ظهر من كرامتها فتعظم في نفوس الناس وتتبع ، فلبس على السامع بذكر الشيطان .
قوله : « ارجعوا » بكسر الهمزة ، أي : ردوها إلى إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - . قوله : « وأعطوها آجر » ، أي : أعطوا سارة آجر ، وهي الوليدة اسمها آجر بهمزة ممدودة وجيم مفتوحة ، وفي آخره راء ، واستعملوا الهاء موضع الهمزة فقيل : هاجر ، وهي أم إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - كما أن سارة أم إسحاق - عليه الصلاة والسلام - ، وقيل : إن هاجر من حقن من كورة أنصنا . قوله : قلت حقن بفتح الحاء المهملة وسكون القاف ، وفي آخره نون ، وهو اسم لقرية من صعيد مصر ، قاله ابن الأثير .
قلت : هو كفر من كفور كورة أنصنا بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ، ثم نون ثانية وألف مقصورة ، وهي بلدة بالصعيد الأوسط على شط النيل من البر الشرقي في قبالة الأشمونيين من البر الآخر ، وبها آثار عظيمة ومزدرع كثير ، وقال اليعقوبي : هي مدينة قديمة يقال : إن سحرة فرعون كانوا فيها . قوله : « أشعرت » ، أي : أعلمت ، تخاطب إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - . قوله : « كبت الكافر » ، أي : رده خاسئا خائبا ، وقيل : أحزنه ، وقيل : أغاظه ؛ لأن الكبت شدة الغيظ ، وقيل : صرعه ، وقيل : أذله ، وقيل : أخزاه ، وقيل : أصله كبد ، أي : بلغ الهم كبده ، فأبدل من الدال تاء .
قوله : « وأخدم وليدة » ، أي : أعطي خادما ، أي : أعطاها أمة تخدمها ، والوليدة تطلق على الجارية وإن كانت كبيرة ، وفي الأصل : الوليد الطفل ، والأنثى وليدة ، والجمع ولائد ، فافهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه إباحة المعارض لقوله : "إنها أختي" ، وإنها مندوحة عن الكذب ، وفيه أن أخوة الإسلام أخوة تجب أن يتسمى بها ، وفيه الرخصة في الانقياد للظالم أو الغاصب ، وفيه قبول صلة السلطان الظالم وقبول هدية المشرك ، وفيه إجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب جل جلاله لمن أخلصها بما يكون نوعا من الآفات ، وزيادة في الإيمان تقوية على التصديق والتسليم والتوكل . وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم ، وفيه أن من قال لزوجته أختي ولم ينو شيئا لا يكون طلاقا ، وكذلك لو قال مثل أختي ، لا يكون ظهارا ، وفيه أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر ، وفيه مستند لمن يقول إن طلاق المكره لا يقع وليس بشيء ، وفيه الحيل في التخلص من الظلمة ، بل إذا علم أنه لا يتخلص إلا بالكذب جاز له الكذب الصراح ، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق لكونه ينجي نبيا أو وليا ممن يريد قتله ، أو لنجاة المسلمين من عدوهم .
وقال الفقهاء : لو طلب ظالم وديعة لإنسان ليأخذها غصبا ، وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها .