حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام

( باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام )

( وعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر ) 4 - ( حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنها - واستأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل ، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا .

الخريت الماهر بالهداية قد غمس يمين حلف في آل العاصي ج١٢ / ص٨١ابن وائل ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي ، فأخذ بهم وهو على طريق الساحل ) . مطابقته للترجمة في " واستأجر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل " ، وهذا صريح في أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبا بكر - رضي الله تعالى عنه - استأجرا هذا الرجل وهو مشرك إذ لم يجدا أحدا من أهل الإسلام ، وقول بعضهم : وفي استشهاده باستئجار الدليل المشرك على ذلك نظر ، قول واه صادر من غير ترو ولا تأمل على ما لا يخفى ، وهذا الحديث يأتي كاملا في أواخر كتاب الإجارة ، قوله : " واستأجر " بواو العطف إنما وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت ، وفي رواية غيرهما وقع " استأجر " بدون حرف العطف ، وهي ثابتة في الأصل في نفس الحديث الطويل ؛ لأن القصة معطوفة على قصة قبلها ، وقال الكرماني : واستأجر ذكر بالواو إشعارا بأنه قد تقدم لها كلمات أخر في حكاية هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطف هذا عليها ( قلت ) نسب بعضهم الكرماني في قوله هذا إلى الوهم حيث قال : ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث ، انتهى ( قلت ) هذا القائل وهم في نقله كلام الكرماني على هذا الوجه ؛ لأنه لم يقل بأن المصنف زاد الواو إلى آخره على هذا الوجه ، وما غر هذا القائل فيما قاله إلا قول الكرماني إشعارا ، وقوله : فعطف هذا عليها وأخذ منهما ما ذهب إليه وهمه فنسبه إلى الوهم ، ومعنى قوله : إشعارا ، يعني للإشعار بأنه واو العطف حيث قال : قد تقدم لها كلمات أخر يعني من المعطوف عليه ، ومعنى قوله : فعطف هذا عليها ، يعني أظهر واو العطف على الكلمات التي تقدمت ، لا أنه زاد المصنف من عنده واو العطف . قوله : " رجلا من بني الديل " واسم هذا الرجل عبد الله بن أرقم ، فيما قاله ابن إسحاق ، وقال ابن هشام : عبد الله بن أريقط ، وقال مالك : اسمه رقيط والديلي بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام ، وقال الرشاطي : الديل في الأزد الديلي بن هداء بن زيد ، وفي ثعلب : الديل بن زيد ، وفي إياد الديل بن أمية ، وفي ضبة الديل بن ثعلبة ، وفي عبد القيس الديل بن عمرو ، والنسبة إلى ذلك كله الديل بكسر الدال وإسكان الياء من دال يديل إذا تعلق الشيء وتحرك ، ويقال : منه اندال يندال ، وقال ابن هشام : رجلا من بني الديلي بن بكر ، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا ، قوله : " من بني الديل " جملة في محل النصب على أنها صفة لقوله رجلا ، قوله : " ثم من بني عبد بن عدي " وعبد خلاف الحر ، وعدي بفتح العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء من بني بكر ، قوله : " هاديا " صفة لرجلا أيضا من هداه الطريق إذا أرشده إليه ، قوله : " خريتا " أيضا صفة بعد صفة ، والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها تاء مثناة من فوق ، وهو الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة ، وهي طرقها الخفية ومضايقها ، وقيل : أراد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة من الطريق أي ثقبها ، وحكى الكسائي : خرتنا الأرض إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها ، قوله : " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قول الزهري ، قوله : " قد غمس يمين حلف " أي دخل في جملتهم وغمس نفسه في ذلك ، والحلف بكسر الحاء العهد الذي يكون بين القوم ، وإنما قال : غمس إما لأن عادتهم أنهم كانوا يغمسون أيديهم في الماء ونحوه عند التحالف ، وإما أنه أراد بالغمس الشدة ، قوله : " العاص بن وائل " بالهمزة بعد الألف وباللام ، ويقال : العاصي ، بالياء وبدونه ، وآل العاص هم بنو سهم رهط من قريش ، قوله : " فأمناه " أي فأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الرجل ، من أمنت فلانا فهو آمن وذاك مأمون ، قوله : " راحلتيهما " تثنية راحلة وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والذكر والأنثى فيه سواء ، والتاء فيها للمبالغة ، وقال الواقدي : كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - اشتراهما بثمانمائة درهم ، وكان حبسهما في داره يعلفها إعدادا للسفر ، قال ابن إسحاق : لما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قدم له أفضلهما فقال : اركب يا رسول الله فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : فهي لك يا رسول الله بأبي وأمي ، قال : ما الثمن الذي ابتعتها به ؟ قال : كذا وكذا ، قال : أخذتها بذلك ، قال : فهي لك يا رسول الله ، وروى الواقدي أنه أخذ ج١٢ / ص٨٢القصوى ، وروى ابن عساكر بإسناده عن عائشة أنها قالت : هي الجدعاء ، فركبا وانطلقا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه للخدمة في الطريق ، قوله : " غار ثور " الغار بالغين المعجمة : الكهف ، وثور : اسم الحيوان المشهور ، جبل بأسفل مكة ، وفيه الغار الذي بات فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر لما هاجرا ، قوله : " معهما " أي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله تعالى عنه - قوله : " عامر بن فهيرة " بضم الفاء وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء الأزدي ، وكان أسود اللون مملوكا للطفيل بن عبد الله فاشتراه أبو بكر الصديق منه ، فأعتقه ، وكان دخوله في الإسلام قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم ، وكان حسن الإسلام ، وهاجر معهما إلى المدينة ، وكان ثالثهما ، قتل يوم بئر معونة - بفتح الميم وبالنون - سنة أربع من الهجرة ، قوله : " فأخذ بهم " أي فأخذ الدليل الديلي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعامر بن فهيرة أي ملتبسا بهم ، قوله : " وهو على طريق الساحل " أي طريق ساحل البحر ، ويروى : فأخذ بهم طريق ساحل البحر .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استئجار المسلم الكافر على هدايته الطريق ( قلت ) وعلى غيرها أيضا ، وفيه استئجار الرجلين الواحد على عمل واحد لهما ، وفيه استئجار الرجل على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة فيصح عقدهما قبل العمل ، وقياسه أن يستأجر منزلا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام ، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب هذا إذا نقده الأجرة . واختلفوا فيما إذا استأجره ليعمل بعد شهر أو سنة ولم ينقده ، فأجازه مالك وابن القاسم ، وقال أشهب : لا يجوز ، ووجهه أنه لا يدري أيعيش المستأجر أو الدابة ، واتفقوا على أنه لا يجوز في الراحلة المعينة والأجير المعين ، وأما إذا كان كراء مضمونا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال ، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلى اليومين والثلاثة ؛ لأنه إذا تأخر كان من باب بيع الدين بالدين ، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة ، والإجارة المضمونة أن يستأجره على بناء بيت لا يشترط عليه عمل يده ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته على أن المؤنة فيه كلها على العامل مضمونا عليه حتى يتمه ، فإن مات قبل تمامه كان ذلك في ماله ولا يضره بعد الأجل . وفيه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عهد منهم وفاء ومروءة كما استأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المشرك لما كانوا عليه من بقية دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وإن كان من الأعداء لكنه علم منه مروءة وائتمنه من أجلها على سره في الخروج من مكة ، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث