باب
حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال ، ح وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عامر قال : حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع ، فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى ، ولكني أحب أن أزرع ، قال : فبذر فبادر الطرف نباته ، واستواؤه ، واستحصاده ، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله تعالى : دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء ، فقال الأعرابي : والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم . وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب يمكن أن يكون في قوله : فإنهم أصحاب زرع ، مع التنبيه على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هو نهي تنزيه لا نهي تحريم ؛ لأن الزرع لو لم يكن من الأمور التي يحرض فيها بالاستمرار عليه لما تمنى الرجل المذكور فيه الزرع في الجنة مع عدم الاحتياج إليه فيها . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : محمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون ، وفي آخره نون أيضا ، وقد تقدم في أول العلم .
الثاني : فليح بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة ابن سليمان ، وقد تقدم في أول العلم . الثالث : هلال بن علي ، وهو هلال بن أبي ميمونة ، ويقال : هلال بن أبي ، ويقال : هلال بن أسامة . الرابع : عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بالمسندي .
الخامس : أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي . السادس : عطاء بن يسار ضد اليمين ، تقدم في الإيمان . السابع : أبو هريرة .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن فليحا وهلالا وعطاء مدنيون ، وأن عبد الملك بصري ، وأن شيخه عبد الله بن محمد البخاري ، وأنه من أفراده وكذلك محمد بن سنان من أفراده .
وفيه : أنه ساق الحديث على لفظ الإسناد الثاني ، وفي كتاب التوحيد على لفظ محمد بن سنان . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن محمد بن سنان ، وهو من أفراده . ( ذكر معناه ) : قوله : وعنده رجل جملة حالية .
قوله : من أهل البادية . وفي رواية : من أهل البدو ، وهما من غير همز ؛ لأنه من بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البادية ، والاسم البداوة بفتح الباء وكسرها هذا هو المشهور . وحكي بدأ بالهمز يبدأ ، وهو قليل .
قوله : أن رجلا بفتح همزة أن ؛ لأنه في محل المفعولية . قوله : استأذن ربه في الزرع ، أي : في مباشرة الزرع ، يعني : سأل الله تعالى أن يزرع . قوله : ألست فيما شئت .
وفي رواية محمد بن سنان : أولست فيما شئت ، بزيادة الواو ، ومعنى هذا استفهام على سبيل التقرير ، يعني : أولست كائنا فيما شئت من التشهيات ؟ قال : بلى ، الأمر كذلك ، ولكن أحب الزرع . قوله : فبذر ، يعني : ألقى البذر . وفيه حذف تقديره : فأذن له بالزرع ، فعند ذلك قام ورمى البذر على أرض الجنة ، فنبت في الحال ، واستوى ، وأدرك حصاده ، فكان كل حبة مثل الحبل .
قوله : فبادر . وفي رواية محمد بن سنان : فأسرع فتبادر . قوله : الطرف منصوب بقوله فبادر ، ونباته بالرفع فاعله ، قال ابن قرقول : الطرف بفتح الطاء وسكون الراء هو امتداد لحظ الإنسان حيث أدرك .
وقيل : طرف العين ، أي : حركتها ، أي : تحرك أجفانها . قوله : واستحصاده من الحصد ، وهو قلع الزرع ، والمعنى أنه لما بزر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من القلع والحصد ، والتذرية والجمع إلا قدر لمحة البصر . قوله : دونك بالنصب على الإغراء ، أي : خذه .
قوله : فإنه ، أي : فإن الشأن لا يشبعك شيء من الإشباع . وفي رواية محمد بن سنان : لا يسعك ، بفتح الياء والسين المهملة وضم العين ، وله معنى صحيح . قوله : فقال الأعرابي هو ذلك الرجل الذي كان عنده من أهل البادية .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن في الجنة يوجد كل ما تشتهي الأنفس من أعمال الدنيا ولذاتها ، قال الله تعالى : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وفيه : أن من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها ، ولا حرج على واصفه . وفيه : ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا إلا أن الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها . وفيه : إشارة إلى فضل القناعة وذم الشره .
وفيه : الإخبار عن الأمر المحقق الآتي بلفظ الماضي ، فافهم .