حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه

حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : حدثنا الليث ، قال : حدثني يزيد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا ، فما ترى فيه ، فقال لنا : إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف . مطابقته للترجمة تؤخذ بالتكلف من قوله : فخذوا منهم حق الضيف ؛ فإنه أثبت فيه حقا للضيف ، ولصاحب الحق أخذ حقه ممن يتعين في جهته ، وفيه معنى قصاص المظلوم . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويزيد من الزيادة هو ابن أبي حبيب ، وأبو الخير ضد الشر ، واسمه مرثد بالثاء المثلثة ابن عبد الله اليزني ، وهؤلاء كلهم مصريون ما خلا شيخه ، فإنه تنيسي ، ولكن أصله من دمشق ، وعد من المصريين .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في المغازي عن قتيبة ، ومحمد بن رمح ، وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن قتيبة ، وأخرجه الترمذي في السير عن قتيبة ، وقال : حسن ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب ، عن محمد بن رمح . ( ذكر معناه ) . قوله : لا يقرونا ، بفتح الياء ، وسكون القاف ، وإسقاط نون الجمع كذا هو في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية غيرهما : لا يقروننا على الأصل ؛ لأن نون جمع المذكر لا يسقط إلا في مواضع معروفة ، وأصله من قريت الضيف قرى مثل قليته قلى ، وقراء : إذا أحسنت إليه ، فإذا كسرت القاف قصرت ، وإذا فتحتها مددت ، وقال الكرماني : لا يقروننا بالتشديد ، والتخفيف ، أي : لا يضيفونا .

قوله : فخذوا منهم ، وفي رواية الكشميهني : فخذوا منه ، أي : من مالهم ، وفي رواية الترمذي ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر قال : قلت : يا رسول الله ، إنا نمر بقوم فلا هم يضيفونا ، ولا هم يؤدون ما لنا عليهم من الحق ، ولا نحن نأخذ منهم ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إن أبوا إلا أن تأخذوا منهم كرها فخذوا . ثم قال : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأمر بنحو هذا . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن ظاهر الحديث ، وجوب قرى الضيف ، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه كرها ، وإليه ذهب الليث مطلقا ، وخصه أحمد بأهل البوادي دون القرى ، ومما استدل به على ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي كريمة قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : ليلة الضيف حق على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين ، فإن شاء اقتضى ، وإن شاء ترك .

وأبو كريمة : هو المقدام بن معدي كرب ، وصرح به الطحاوي في روايته عنه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذه بقدر قراه ، ولا حرج عليه . وقال الجمهور : الضيافة سنة ، وليست بواجبة ، وقد كانت واجبة ، فنسخ وجوبها . قاله الطحاوي ، واستدل على ذلك بحديث المقداد بن الأسود قال : جئت أنا وصاحب لي حتى كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع ، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد ، وفي رواية مسلم : فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فليس أحد منهم يقبلنا ، فأتينا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانطلق بنا إلى أهله ، فإذا ثلاثة أعنز ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : احتلبوا هذا اللبن بيننا .

الحديث بطوله . قال الطحاوي : أفلا يرى أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لم يضيفوهم ، وقد بلغت بهم الحاجة ثم لم يعنفهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على ذلك ، فدل على نسخ ما كان أوجب على الناس من الضيافة ، ثم روى من حديث عبد الله بن السائب ، عن أبيه ، عن جده ، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبا ، ولا جادا ، وإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها إليه . وأخرجه أبو داود ، والترمذي أيضا ، وقيل : الحديث محمول على المضطرين ثم اختلفوا : هل يلزم المضطر العوض أم لا ؟ فقيل : يلزم ، وقيل : لا ، وقيل : كان هذا في أول الإسلام ، فكانت المواساة واجبة ، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك ، ويدل عليه قوله : في حديث أبي شريح عند مسلم في حق الضيف : وجائزته يوم وليلة ، والجائزة تفضل لا واجبة ، وقيل : هذا كان مخصوصا بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام ، فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه ؛ لأنه لا قيام لهم إلا بذلك ، حكاه الخطابي قال : وكان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال ، فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال .

قال : وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصة ، وقيل : كان هذا خاصا بأهل الذمة ، وقد شرط عمر رضي الله تعالى عنه حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم ، وقال ابن التين : نسخه قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ قال : وقيل : كان ذلك في أهل العمود ، والمواطن التي لا أسواق فيها .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث