باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه
حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا مسعر ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنه ليس فيه شيء يطابق الترجمة لأن حديث أبي هريرة في وسوسة الصدور ، ولو ذكر حديث ابن عباس المذكور الآن لكان أنسب ، وأجاب الكرماني بشيء يقرب منه أخذ وجه المطابقة حيث قال : أولا ما وجه تعلق الحديث بالوسوسة ؟ ثم قال : قلت : القياس على الوسوسة فكما أنها لا اعتبار لها عند عدم التوطين فكذلك الناسي والمخطئ لا توطين لهما . ( ذكر رجاله ) وهم ستة الأول : الحميدي بضم الحاء نسبة إلى حميد أحد أجداد الراوي ، وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن الزبير بن حميد أبو بكر .
الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : مسعر بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملة ابن كدام . الرابع : قتادة .
الخامس : زرارة بضم الزاي ، وتخفيف الراء ابن أبي أوفى بلفظ أفعل التفضيل العامري مات فجاءة سنة ثلاث وتسعين ، وقيل : كان يصلي صلاة الصبح فقرأ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾إلى أن بلغ : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾خر ميتا . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه ، وشيخ شيخه مكيان ، والحميدي قد مر في أول الصحيح ، وفيه حدثنا الحميدي ، ويروى : حدثني بصيغة الإفراد ، وفيه أن مسعرا ، وقتادة كوفيان ، وأن زرارة بصري قاضي البصرة ، وليس له في البخاري إلا أحاديث يسيرة ، وفيه عن زرارة ، وفي الأيمان ، والنذور حدثنا زرارة .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطلاق عن مسلم بن إبراهيم ، وفي النذور عن خلاد بن يحيى ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن قتيبة ، وسعيد بن منصور ، ومحمد بن عبيد ، وعن عمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، وعن ابن المثنى ، وابن بشار ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن زهير بن حرب ، عن وكيع ، وعن إسحاق بن منصور ، وأخرجه أبو داود في الطلاق عن مسلم بن إبراهيم به ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي في الطلاق عن عبيد الله بن سعيد ، وعن موسى بن عبد الرحمن ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به ، وعن حميد بن مسعدة ، وعن هشام بن عمار . ( ذكر معناه ) قوله : إن الله تجاوز لي عن أمتي وفي رواية الترمذي تجاوز الله لأمتي ، قوله : لي أي لأجلي ، قوله : ما وسوست به صدورها جملة في محل النصب على المفعولية ، وكلمة ما موصولة ، و وسوست صلتها و به عائد ، و صدورها بالرفع فاعل وسوست ، وفي رواية الأصيلي بالنصب على أن وسوست تضمن معنى حدثت ، ويأتي في الطلاق بلفظ : ما حدثت به أنفسها ، وفي رواية الترمذي : عما حدثت به أنفسها ، وفي رواية للنسائي : إن الله تجاوز لأمتي ما وسوست به وحدثت به أنفسها ، وقال الطحاوي : وأهل اللغة يقولون : أنفسها بالضم يريدون بغير اختيارها كما قال الله تعالى : وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ واعترض عليه بأن قوله : بالضم ليس بجيد بل الصواب بالرفع لأنها حركة إعراب ، قلت : ليس هذا موضع المناقشة بالرد عليه لأن الرفع هو الضم في الأصل غاية ما في الباب أن النحاة يستعملون في الإعراب الرفع ، وفي البناء الضم بل يستعمل كل منهما موضع الآخر خصوصا عند الفقهاء ، والوسوسة حديث النفس ، والأفكار ، وقد وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بالكسر ، وهو بالفتح الاسم ، ووسوس إذا تكلم بكلام لم يبينه حاصله أن الوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن تطمئن إليه وتستقر عنده ، قوله : ما لم تعمل أي في العمليات أو تكلم في القوليات ، وأما قول ابن العربي : إن المراد بقوله : ما لم تكلم الكلام النفسي إذ هو الكلام الأصلي ، وإن القول الحقيقي هو الوجود بالقلب الموافق للعلم فهو مردود عليه ، وإنما قاله تعصبا لما حكي عن مذهبه من وقوع الطلاق بالعزم ، وإن لم يتلفظ ، وحكاه عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق ، والعتق ، والنذر أنه يكفي فيه عزمه ، وقوله : وجزمه في قلبه بكلامه النفسي الحقيقي ، ونصر ذلك بأن اللسان معبر عما في القلب فما كان يملكه الواحد كالنذر ، والطلاق ، والعتاق كفى فيه عزمه ، وما كان من التصرفات بين اثنين لم يكن بد من ظهور القول ، وهذا في غاية البعد ، وقد نقضه الخطابي على قائله بالظهار وغيره ، فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به قال : وهو في معنى الطلاق ، وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قذفا ، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة ، وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة ، فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة ، وممن قال بأن طلاق النفس لا يؤثر عطاء بن أبي رباح ، وابن سيرين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وجابر بن زيد ، وقتادة ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن هذه المجاوزة من خصائص هذه الأمة ، وأن الأمم المتقدمة يؤاخذون بذلك ، وقد اختلف هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام ، ثم نسخ ، وخفف ذلك عنهم أو تخصيص ، وليس بنسخ ، وذلك قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فقد قال غير واحد من الصحابة منهم أبو هريرة ، وابن عباس : إنها منسوخة بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا فإن قيل : قالوا : من عزم على المعصية بقلبه وإن لم يعملها يؤاخذ عليه ، وأجيب بأنه لا شك أن العزم على المعصية وسائر الأعمال القلبية كالحسد ، ومحبة إشاعة الفاحشة يؤاخذ عليه ، لكن إذا وطن نفسه عليه ، والذي في الحديث هو ما لم يوطن عليه نفسه ، وإنما أمر ذلك بفكره من غير استقرار ، ويسمى هذا هما ، ويفرق بين الهم والعزم ، فإن قيل : المفهوم من لفظ ما لم تعمل مشعر بأن ما في الصدور موطنا وغير موطن لا يؤاخذ عليه ، وأجيب بأنه يجب الحمل على غير الموطن جمعا بينه وبين ما يدل على المؤاخذة كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ وأيضا لفظ الوسوسة لا يستعمل إلا عند التردد ، والتزلزل ، وقال عياض : الهم ما يمر في الفكر من غير استقرار ولا توطن ، فإن استمر وتوطن عليه كان عزما يؤاخذ به ، أو يثاب عليه ، وقال القرطبي : الذي ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف ، وأهل العلم ، والفقهاء ، والمحدثين ، والمتكلمين ، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك ، فزعم أن ما يهم به الإنسان وإن وطن به لا يؤاخذ به متمسكا في ذلك بقوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا وبقوله صلى الله عليه وسلم : ما لم تعمل أو تكلم ، ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا الجواب عن والآية أن من الهم ما يؤاخذ به الإنسان وهو ما استقر واستوطن ، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر ، فلا يؤاخذ بها كما شهد به الحديث ، والذي يرفع الإشكال ويبين المراد حديث أبي كبشة عمرو بن سعد سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا فيه قالت الملائكة : ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به ، وزعم الطبري أن فيه دلالة على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب خلافا لمن قال : لا يكتبونها ، ولا يكتبون إلا الأعمال الظاهرة ، وبه استدل بعضهم على أنه إذا كتب بالطلاق وقع من قوله : ما لم يعمل ، والكتابة عمل وهو قول محمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، وشرط مالك فيه الإشهاد على الكتابة ، وجعله الشافعي كناية إن نوى به الطلاق وقع ، وإلا فلا ، وفرق بعضهم بين أن يكتبه في بياض كالرق ، والورق ، واللوح ، وبين أن يكتبه على الأرض ، فأوقعه في الأول دون الثاني ، وفيه نظر .