باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد
حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو جمرة قال : سمعت زهدم بن مضرب قال : سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، قال عمران : لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن . مطابقته للترجمة في قوله : ويشهدون ولا يستشهدون لأن الشهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجور . وأبو جمرة بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي ، وقد مر في أواخر كتاب الإيمان ، وزهدم بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ابن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء الجرمي البصري .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في فضل الصحابة عن إسحاق بن إبراهيم ، وفي الرقاق عن بندار عن غندر ، وفي النذور عن مسدد عن يحيى بن سعيد ، وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي بكر وأبي موسى وبندار ثلاثتهم عن غندر ، وعن محمد بن حاتم عن عبد الرحمن بن بشر ، وأخرجه النسائي في النذور عن محمد بن عبد الأعلى سبعتهم عن شعبة عن أبي جمرة . ( ذكر معناه ) : قوله : قرني قال ابن الأنباري : المعنى خير الناس أهل قرني فحذف المضاف ، وقد يسمى أهل العصر قرنا لاقترانهم في الوجود ، وقال القرطبي : هو بسكون الراء من الناس أهل زمان واحد ، وقال ابن التين : معنى قوله : قرني أي : أصحابي من رآه أو سمع كلامه فدان به ، والقران أهل عصر متقاربة أسنانهم ، وقال الخطابي : واشتق لهم هذا الاسم من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم ، وقيل : إنه لا يكون قرنا حتى يكونوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو رأي أو مذهب ، وقال ابن التين : سواء قلت المدة أو كثرت ، وقيل : القرن ثمانون سنة ، وقيل : أربعون ، وقيل : مائة سنة ، قال القزاز : واحتج لهذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده على رأس غلام وقال له : عش قرنا فعاش مائة سنة ، قال ابن عديس : قال ثعلب : هذا هو الاختيار ، وقال ابن التين : وقيل : من عشرين إلى مائة وعشرين ، وقيل : ستون ، وقال الجوهري : ثلاثون سنة ، وقال ابن سيده : هو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم ، قال : وهو الأمة تأتي بعد الأمة ، قيل : مدته عشر سنين ، وفي ( الموعب ) : وقيل : عشرون سنة ، وقيل : سبعون ، وقال ابن الأعرابي : القرن الوقت من الزمان ، وفي ( التهذيب ) لأنه يقرن أمة بأمة وعالما بعالم . قوله : يلونهم من وليه يليه بالكسر فيهما ، والولي : القرب والدنو .
قوله : قال عمران هو موصول بالإسناد المذكور وهو بقية حديث عمران . قوله : أذكر الهمزة فيه للاستفهام . قوله : بعد مبني على الضم منوي الإضافة ، وفي رواية : بعد قرنه .
قوله : إن بعدكم قوما كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي وابن شبويه : إن بعدكم قوم ، قال الكرماني : فلعله منصوب لكنه كتب بدون الألف على اللغة الربيعية أو ضمير الشأن محذوف على ضعف . قوله : يخونون بالخاء المعجمة من الخيانة أو في رواية ابن حزم : يحربون بالحاء المهملة والراء والباء الموحدة ، قال : فإن كان محفوظا فهو من قولهم حربه يحربه إذا أخذ ماله وتركه بلا شيء ، ورجل محروب أي : مسلوب المال . قوله : ولا يؤتمنون أي : لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أي : يكون لهم خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم .
قوله : ويشهدون يحتمل أن يراد يتحملون الشهادة بدون التحميل أو يؤدون الشهادة بدون طلب الأداء . وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : بعض الشهادات تجب أو يستحب الأداء قبل الطلب . ( قلت ) : حذف المفعول به يدل على إرادة العموم ، فالمذموم عدم التخصيص ، وذلك البعض مثل ما فيه حق مؤكد لله تعالى المسمى بشهادة الحسبة غير مراد بدليل خارجي ، وقال ابن الجوزي : إن قيل : كيف الجمع بين قوله : يشهدون ولا يستشهدون وبين قوله في حديث زيد بن خالد : ألا أخبركم بخير الشهداء الذين يأتون بالشهادة قبل أن يسألوها ؟ فالجواب أن الترمذي ذكر عن بعض أهل العلم أن المراد بالذي يشهد ولا يستشهد شاهد الزور ، واحتج بحديث عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد والمراد بحديث زيد بن خالد الشاهد على الشيء فيؤدي شهادته ولا يمتنع من إقامتها ، وقال الخطابي : ويحتمل أن يريد الشهادة على المغيب من أمر الخلق فيشهد على قوم أنهم من أهل النار ولآخرين بغير ذلك على مذهب أهل الأهواء ، وقيل : إنما هذا في الرجل تكون عنده الشهادة ، وقد نسيها صاحب الحق يترك أطفالا ولهم على الناس حقوق ، ولا علم للموصي بها فيجيء من عنده الشهادة فيبذل شهادته لهم بذلك فيحيي حقهم ، فحمل بذل الشهادة قبل المسألة على مثل هذا ، وقال ابن بطال : والشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق إنما أريد بها الشهادة في الأيمان ، يدل عليه قول النخعي رواية في آخر الحديث : وكانوا يضربوننا على الشهادة فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذموم عليها صاحبها هي قول الرجل : أشهد بالله ما كان كذا على كذا على معنى الحلف ، فكره ذلك ، وهذه الأقوال أقوال الذين جمعوا بين حديث النعمان وزيد ، وأما ابن عبد البر فإنه رجح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة ، فقدمه على رواية أهل العراق ، وبالغ فيه حتى زعم أن حديث النعمان لا أصل له ، ومنهم من رجح حديث عمران لاتفاق صاحبي ( الصحيح ) عليه ، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد .
قوله : وينذرون بفتح أوله وبكسر الذال المعجمة وبضمها . قوله : ولا يفون من الوفاء يقال : وفي يفي وأصله يوفي حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة ، وأصل يفون يوفيون ، فلما حذفت الواو ولما ذكرنا استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها . قوله : ويظهر فيهم السمن بكسر السين المهملة وفتح الميم بعدها نون معناه أنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب ، وهي أسباب السمن ، وقال ابن التين : المراد ذم محبته وتعاطيه لا من يخلق كذلك ، وقيل : المراد يظهر فيهم كثرة المال ، وقيل : المراد أنهم يتسمنون أي : يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف ، ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا ، وقد رواه الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين بلفظ : ثم يجيء قوم فيتسمنون ويحبون السمن .