باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره
باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره أي : هذا باب يذكر فيه أن المدعى عليه إذا توجهت عليه اليمين يحلف حيث ما وجبت عليه ولا يصرف من موضعه ذلك ، وهذا قول الحنفية والحنابلة ، وإليه مال البخاري ، وقال ابن عبد البر : جملة مذهب مالك في هذا أن اليمين لا تكون عند المنبر من كل جامع ، ولا في الجامع حيث كان إلا في ربع دينار فصاعدا ، وما دون ذلك حلف في مجلس الحاكم أو حيث شاء من المواضع في السوق أو غيرها ، وليس عليه التوجه إلى القبلة قال : ولا يعرف مالك منبرا إلا منبر المدينة فقط ، قال : ومن أبى أن يحلف عنده فهو كالناكل عن اليمين ، ويحلف في أيمان القسامة عند مالك إلى مكة شرفها الله وعظمها كل من كان من أهلها ، فيحلف بين الركن والمقام ، وكذلك المدينة ، ويحلف عند المنبر ، وحكى أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز حمل قوما اتهمهم بفلسطين إلى الصخرة فحلفوا عندها ، وقال أبو عمر : وذهب الشافعي إلى نحو قول مالك إلا أن الشافعي لا يرى اليمين عند منبر المدينة ولا بين الركن والمقام بمكة إلا في عشرين دينارا فصاعدا ، وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب الاستحلاف عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم على أحد ولا بين الركن والمقام على أحد في قليل الأشياء ولا في كثيرها ولا في الدماء ولا غيرها ، لكن الحكام يحلفون من وجب عليه اليمين في مجالسهم . قضى مروان باليمين على زيد بن ثابت على المنبر ، فقال : أحلف له مكاني ، فجعل زيد يحلف وأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب منه . مروان هو ابن الحكم الأموي ، كان والي المدينة من جهة معاوية بن أبي سفيان ، وهذا التعليق رواه مالك في ( الموطأ ) عن داود بن الحصين ، سمع أبا غطفان بن طريف المزي قال : اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع يعني : عبد الله إلى مروان في دار فقضى باليمين على زيد على المنبر فقال : أحلف له مكاني ، فقال مروان : لا والله إلا عند مقاطع الحقوق ، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق ، ويأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب من ذلك قال مالك : لا أرى أن يحلف على المنبر في أقل من ربع دينار ، وذلك ثلاثة دراهم .
قوله : على المنبر يتعلق بقوله : على المنبر ظاهرا لكن السياق يقتضي أن يتعلق باليمين . قوله : أحلف بلفظ المتكلم وإن كان المعنى صحيحا بلفظ الأمر أيضا . قوله : فجعل بمعنى طفق من أفعال المقاربة ، وروى ابن جريج عن عكرمة قال : أبصر عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قوما يحلفون بين المقام والبيت ، فقال : أعلى دم ؟ قيل : لا ، قال : أفعلى عظيم من المال ؟ قال : لا ، قال : لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام ، قال : ومنبر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في التعظيم مثل ذلك لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة .
واحتيج أبو حنيفة بما روي عن زيد بن ثابت أنه لم يحلف عند المنبر ، ومن يرى ذلك مال إلى قول مروان بغير حجة ، وقال صاحب ( التوضيح ) : واحتج عليه الشافعي فقال : لو لم يعلم زيد أن اليمين عند المنبر سنة لأنكر ذلك على مروان ، وقال له : لا والله لا عليه أحلف إلا في مجلسك . انتهى . ( قلت ) : هذا عجيب ، كيف يقول هذا ؟ فلو علم زيد أنه سنة لما حلف على أنه لا يحلف إلا في مجلسه ، وعدم سماعه كلام مروان أعظم من الإنكار عليه صريحا ، والاحتجاج بزيد بن ثابت أولى بالاحتجاج بل أحق من مروان ، وقد اختلف في الذي يغلظ فيه من الحقوق ، فعن مالك ربع دينار ، وعن الشافعي عشرون دينارا فأكثر ، ونقل القاضي في مغربته عن بعض المتأخرين أنه يغلظ في القليل والكثير ، وقال ابن الجلاب : يحلف على أقل من ربع دينار في سائر المساجد ، وقال مالك فيما حكاه ابن القاسم عنه : إنه يحلف قائما إلا من به علة ، وروى عنه ابن كنانة : لا يلزمه القيام ، وقال ابن القاسم : لا يستقبل القبلة ، وخالفه مطرف وابن الماجشون ، وهل يحلف في دبر صلاة وحين اجتماع الناس إذا كان المال كثيرا ، قال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ : ليس ذلك عليه ، وقال ابن كنانة عن مالك : يتحرى به الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة .
واختلف في صفة ما يحلف به فقال مالك : بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، وقال الشافعي : يزيد الذي ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴾، والذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ، قال سحنون : يحلف بالله وبالمصحف ، ذكره عنه الداودي ، وعند أصحابنا الحنفية اليمين بالله لا بالطلاق والعتاق إلا إذا ألح الخصم ، ولا يبالي باليمين بالله فحينئذ يحلف بهما ، لكن إذا نكل لا يقضي عليه بالنكول لأنه امتنع عما هو منهي عنه شرعا ، ولو قضى عليه بالنكول لا ينفذ ويغلظ اليمين بأوصاف الله تعالى ، وقيل : لا يغلظ على المعروف بالصلاح ويغلظ على غيره ، وقيل : يغلظ في الخطير من المال دون الحقير ولا يغلظ بزمان ولا بمكان ، وفي ( التوضيح ) : هل يحلف بحضرة المصحف ؟ أباه مالك وألزمه ذلك بعض المالكيين في عشرين دينارا فأكثر ، وعن ابن المنذر أنه حكى عن الشافعي أنه قال : رأيت مطرفا يحلف بحضرة المصحف .