باب الوصية بالثلث
حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لو غض الناس إلى الربع ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الثلث والثلث كثير ، أو كبير . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسفيان هو ابن عيينة ، عن هشام بن عروة بن الزبير ، وفي مسند الحميدي ، عن سفيان ، حدثنا هشام ، وليس لعروة عن ابن عباس في البخاري إلا هذا الحديث الواحد . والحديث أخرجه مسلم في الفرائض ، عن إبراهيم بن موسى ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أبي كريب ، وعن أبي بكر ، وأخرجه النسائي في الوصايا ، عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن وكيع به ، قوله : لو غض بمعجمتين : أي نقص ، وقال ابن الأثير : لو غض الناس : أي لو نقصوا وحطوا ، وكلمة لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، وإن قلنا : إنها شرطية يكون جوابها محذوفا ، تقديره لكان أولى ونحوه ، ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده ، عن سفيان بلفظ : كان أحب إلي قوله : إلى الربع وزاد الحميدي في الوصية ، وكذا رواه أحمد في مسنده ، عن وكيع ، عن هشام بلفظ : وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية ، وفي رواية مسلم ، عن ابن نمير ، عن هشام : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع قوله : لأن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - تعليل لما اختاره من التنقيص عن الثلث ، وكأن ابن عباس أخذ ذلك من وصفه - صلى الله تعالى عليه وسلم - الثلث بالكثرة ، قوله : أو كبير بالباء الموحدة شك من الراوي .
واعلم أن الإجماع قائم على أن الوصية بالثلث جائزة ، وأوصى الزبير - رضي الله تعالى عنه بالثلث ، واختلف العلماء في القدر الذي تجوز الوصية به ، هل هو الخمس ، أو السدس ، أو الربع ، فعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه أوصى بالخمس ، وقال : إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس ، وقال معمر عن قتادة : أوصى عمر رضي الله تعالى عنه بالربع ، وقال إسحاق : السنة الربع ، كما روي عن ابن عباس ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه : لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع ، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من الثلث ، واختار آخرون السدس ، وقال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل ، وكان السدس أحب إليهم من الثلث ، واختار آخرون العشر ، واختار آخرون لمن كان ماله قليلا وله وارث ترك الوصية ، روي ذلك عن علي ، وابن عباس ، وعائشة ، وفي التوضيح : وقام الإجماع من الفقهاء أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث ، إلا أبا حنيفة ، وأصحابه ، وشريك بن عبد الله . ( قلت ) : هو قول ابن مسعود ، وعبيدة ، ومسروق ، وإسحاق ، وقال زيد بن ثابت : لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه ، وإن لم يكن له وارث ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، والشافعي .