باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله
( باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ) وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " وقوله " بالرفع عطف على قوله : " أفضل الناس " لأنه مرفوع بالابتداء ، وخيره قوله : " مؤمن " هاتان آيتان من سورة الصف فيهما إرشاد للمؤمنين إلى طريق المغفرة . قالوا : النداء بقوله " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " للمخلصين ، وقيل : عام قوله : " هَلْ أَدُلُّكُمْ " استفهام في اللفظ إيجاب في المعنى قوله : " تُنْجِيكُمْ " أي تخلصكم وتبعدكم " مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ " قرأ ابن عامر بالتشديد من التنجية ، والباقون بالتخفيف من الإنجاء .
قوله : " تُؤْمِنُونَ " استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فبين ما هي ، فقال : تؤمنون ، وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : " يَغْفِرْ لَكُمْ " . قوله : " وَتُجَاهِدُونَ " عطف على " تُؤْمِنُونَ " وإنما جيء على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال ، كأنها وجدت وحصلت . قوله : " ذَلِكُمْ " أي : ما ذكر من الإيمان والجهاد " خَيْرٌ لَكُمْ " من أموالكم وأنفسكم " إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أنه خير لكم .
قوله : " يَغْفِرْ لَكُمْ " قيل : إنه جواب لقوله : " هَلْ أَدُلُّكُمْ " ، ووجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة ، وهي مفسرة بالإيمان والجهاد ، فكأنه قيل : هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ، وعن ابن عباس : أنهم قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناها ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم الله بقوله : " تُؤْمِنُونَ " ، وهذا يدل على أن " تُؤْمِنُونَ " كلام مستأنف . قوله : " وَيُدْخِلْكُمْ " عطف على " يَغْفِرْ لَكُمْ " . 5 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني عطاء بن يزيد الليثي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدثه ، قال : قيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله .
قالوا : ثم من ؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره . مطابقته للترجمة في قوله : " مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " . ورجاله قد تكرر ذكرهم ، وأبو اليمان : الحكم بن نافع الحمصي .
وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الرقاق . وأخرجه مسلم في الجهاد عن عبد الله بن عبد الرحمن ، وعن منصور بن أبي مزاحم ، وعن عبد بن حميد .
وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد الطيالسي . وأخرجه الترمذي فيه عن أبي عمار الحسين بن حريث . وأخرجه النسائي فيه عن كثير بن عبيد .
وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن هشام بن عمار . قوله : " مؤمن مجاهد " أي : أفضل الناس مؤمن مجاهد ، قالوا : هذا عام مخصوص تقديره : هذا من أفضل الناس ، وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون ، كما جاءت به الأحاديث ، ويدل على ذلك أن في بعض طرق النسائي كحديث أبي سعيد أن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه . قوله : " في شعب " بكسر الشين المعجم وسكون العين المهملة وفي آخره باء موحدة ، هو ما انفرج بين الجبلين ، وهو خارج على سبيل المثال لا للقيد بنفس الشعب ، وإنما ج١٤ / ص٨٤المراد العزلة والانفراد عن الناس ، ولما كان الشعاب الغالب عليها خلوها عن الناس ، ذكرت مثلا وهذا كقوله في الحديث الآخر : " وليسعك بيتك " .
وفيه فضل العزلة والانفراد عند خوف الفتن على المخالطة ، وأما عند عدم الفتن فقال النووي : مذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل ، بشرط رجاء السلامة من الفتن . ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل . قلت : يدل لقول الجمهور قوله : " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " .
رواه الترمذي في أبواب الزهد وابن ماجه .