حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة

حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : أخبر أنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه ، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس يستظلون بالشجر ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سمرة وعلق بها سيفه ، ونمنا نومة ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا ، وإذا عنده أعرابي ، فقال : إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صلتا ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقلت : الله ، ثلاثا ، ولم يعاقبه وجلس . مطابقته للترجمة في قوله : فنزل تحت سمرة وعلق بها سيفه وفائدة هذه الترجمة بيان شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسن توكله بالله وصدق يقينه وإظهار معجزته ، وبيان عفوه وصفحه عمن يقصده بسوء . وأبو اليمان هو الحكم بن نافع ، وشعيب : ابن أبي حمزة ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وسنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون ، ابن سنان واسمه يزيد بن أبي أمية الدؤلي ، بضم الدال وفتح الهمزة نسبة إلى الدئل من كنانة ، ويقال : الدولي ، بضم الدال وسكون الواو ، وهو في قبائل في ربيعة ، وفي الأزد ، وفي الرباب ، وقال الأخفش فيما حكاه أبو حاتم السختياني : جاء حرف واحد شاذ على وزن فعل ، وهو الدئل ، بضم الدال وكسر الهمزة ، وهو دويبة صغيرة تشبه ابن عرس ، وقال سيبويه : ليس في كلام العرب في الأسماء ولا في الصفات بنية على وزن فعل ، وإنما ذلك من بنية الفعل .

ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن أبي اليمان أيضا ، وعن موسى بن إسماعيل ، وعن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن محمد بن جعفر الوركاني ، وعن أبي بكر محمد بن إسحاق وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن إسماعيل ، وعن عمرو بن منصور عن أبي اليمان به هذا في ترجمة سنان . وفي ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، وفي المغازي عن محمود عن عبد الرزاق ، وأخرجه مسلم أيضا في فضائل النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - عن عبد بن حميد ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة . ذكر معناه : قوله : غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد بكسر القاف وفتح الباء الموحدة ، أي : ناحية نجد ، وهي ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب ، فالطائف من نجد والمدينة من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان العروض ، وقال ابن دريد : نجد بلد للعرب ، وعند الإسماعيلي قبل أحد ، وذكر ابن إسحاق أن ذلك كان في غزوته إلى غطفان لثنتي عشرة مضت من صفر ، وقيل : في ربيع الأول سنة اثنتين وهي غزوة ذي أمر ، بفتح الهمزة والميم ، وهو موضع من ديار غطفان ، وسماها الواقدي غزوة أنمار ، ويقال : كان ذلك في غزوة ذات الرقاع ، قوله : فلما قفل أي : رجع ، قوله : القائلة مر تفسيرها عن قريب ، قوله : العضاه بكسر العين على وزن شياه ، قال ابن الأثير : العضاه شجر أم غيلان ، وكل شجر عظيم له شوك ، الواحدة عضة بالتاء وأصلها عضهة ، وقيل : واحدتها عضاهة ، قوله : تحت سمرة السمرة ، بفتح السين المهملة وضم الميم واحدة السمر ، وهو من شجر الطلح ، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال : كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الشجر ، قال : فنزلنا تحت سمرة ، فجاء رجل وأخذ سيفه وقال : يا محمد من يعصمك مني ، فأنزل الله عز وجل وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قوله : وإذا عنده أعرابي واسمه غورث ، بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء وبالثاء المثلثة ابن الحارث ، وسماه الخطيب غورك بالكاف موضع الثاء ، وقال الخطابي : غويرث بالتصغير ، وذكر عياض أنه مضبوط عند بعض رواة البخاري بعين مهملة ، قال : وصوابه المعجمة ، قال الجيلاني : هو فوعل من الغوث ، وهو الجوع ، وقال ابن إسحاق : لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة نزع ثوبيه ونشرهما على الشجرة ليجفا من مطر أصابه واضطجع تحتها ، فقال الكفار لدعثور ، وكان سيدهم ، وكان شجاعا : قد انفرد محمد فعليك به ، فأقبل ومعه صارم حتى قام على رأسه ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : الله ، فدفع جبريل عليه الصلاة والسلام في صدره ، فوقع السيف من يده ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم – وقال : من يمنعك أنت مني اليوم ؟ قال : لا أحد ، فقال : قم فاذهب لشأنك ، فلما ولى قال : أنت خير مني ، فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أنا أحق بذلك منك ، ثم أسلم بعد ، وفي لفظ قال : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام ، وفي رواية البيهقي : فسقط السيف من يد الأعرابي ، فأخذه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ ، قال : فتسلم ، قال : لا ، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، فخلى سبيله ، فأتى أصحابه ، فقال : جئتكم من عند خير الناس .

قوله : اخترط أي : سل وأصله من خرطت العود أخرطه وأخرطه خرطا ، قوله : صلتا روي بالنصب وبالرفع ، فوجه النصب أن يكون على الحال ، أي : مصلتا ، ووجه الرفع على أنه خبر المبتدأ ، وهو قوله : سيف وفي يده متعلق به ، وفي ( التوضيح ) : المشهور فتح لام صلت ، وذكر القعنبي أنها تكسر في لغة ، وقال ابن عديس : ضربه بالسيف صلتا وصلتا بالفتح والضم ، أي : مجردا يقال : سيف صلت ومنصلت وأصلت متجرد ماض ، قوله : فقال من يمنعك مني استفهام يتضمن النفي ، كأنه قال : لا مانع لك مني ، قوله : الله أي : يمنعك الله ، قاله ثلاث مرات ، فلم يبال - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقوله ولا عرج عليه ثقة بالله وتوكلا عليه ، فلما شاهد هذا الرجل تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحالة تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر ، وهذا من أعظم الخوارق للعادة ، فإنه عدو متمكن بيده سيف مشهور وموت حاضر ولا تغير له - صلى الله تعالى عليه وسلم - بحال ولا حصل له روع ولا جزع ، وهذا من أعظم الكرامات ، ومع اقتران التحدي يكون من أوضح المعجزات ، قوله : ولم يعاقبه أي : ولم يعاقب النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل المذكور ، قوله : وجلس حال من المفعول . وفي الحديث تفرق الناس عن الإمام في القائلة وطلبهم الظل والراحة ، ولكن ليس ذلك في غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه ؛ لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالعصمة ، وفيه أن حراسة الإمام في القائلة وفي الليل من الواجب على الناس ، وأن تضييعه من المنكر والخطأ ، وفيه جواز نوم المسافر إذا أمن ، وأن المجاهد أيضا إذا أمن نام ووضع سلاحه ، وإن خاف استوفز ، وفيه دعاء الإمام لأتباعه إذا أنكر شخصا ، وفيه ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعده إن شاء ، وإن أحب العفو عفا ، وفيه صبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفحه عن الجهال .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث